انضم إلينا
اغلاق
محاسن التأني.. كيف يعالجنا البطء في زمن يدمن السرعة؟

محاسن التأني.. كيف يعالجنا البطء في زمن يدمن السرعة؟

هند أكَلاو

محررة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

    

في رواية "البطء" لميلان كونديرا، يُثبّت العالم التشيكي أسنانه المُخلخلة بلسانه، فعل لا إراديّ لا يكاد يُذكر، لكنّه يُفجِّر بداخله سؤالا عن وجوده كله، فكل ما تبقى من حياته هي هذه السن المخلخلة. في تلك اللحظة، لا تتبدّى حياته أمامه باعتبارها مغامرة درامية متماسكة، بل مجموعة من أفعال وأحداث ملتبسة، كمجموعة من المسافرين في محطة قطار، لا يجمعهم إلا أنهم مروا بذاكرته فلم يترك أحدهم فيها أثرا.

    

لحظة التجلي المخيفة هذه التي انتابت الروائيّ التشيكي يعيشها الصديقان العجوزان في فيلم "الشباب" (Youth) ببطء شديد، وهما يقضيان ساعات النهار "الفارغة" في المنتجع السويسري يتحدثان عن عجزهما عن قضاء حاجتهما. وفي ثنايا هذا النقاش، الذي يستمر طوال الفيلم، تتبدّى أمامهما حياتهما كأفعال غير واضحة المعالم، لا يدريان أحقيقية كانت أم مجرد خيالات اختلقتها الذاكرة لتُضفي على حياتهما معنى متماسكا. في القصتين، ترتبط الذاكرة مع الهوية ارتباطا واضحا، وتلعب السرعة دورا غامضا، وربما ملتبسا، لا يكاد المرء يدركه، وهو الغموض الذي عبّر عنه الراوي في رواية كونديرا قائلا:

     

"عندما تمر الأشياء بسرعة، لا يمكن لأحد أن يكون واثقا من شيء ما، من أي شيء، حتى من ذاته نفسها". لا يدرك الإنسان هذه المفارقة إلا في لحظة البطء، هذه اللحظة التي لا تغيب أبدا عن حياة السرعة كأنها لصيقتها. فحياة الإبطاء التي عاشها البطلان في الفيلم لم يكونا ليدركاها لولا حياتهما السريعة المليئة بالأحداث الملتبسة. يحاول كونديرا في روايته "البطء" أن يطرح سؤالا جوهريا، وهو لماذا اختفت لذة الإبطاء؟ لماذا لم يعد بإمكان إنسان العصر الحديث أن يمارس الحياة برويّة كما فعل أسلافه القريبون؟ وما الأثر الوجودي الهائل الذي أحدثته فيه حياة السرعة؟ كيف يمكن للحظة واحدة من الصفاء، للحظة واحدة بطيئة، أن تُهشّم هذه الحياة السطحية الواهية، أن تكون ثقيلة ثقلا لا يجد منه المرء مفرا إلا إلى الانتحار، كما فعل أحد الصديقين العجوزين في الفيلم؟ (1)

        

رواية "البطء" للروائيّ التشيكي ميلان كونديرا (مواقع التواصل)

      

الرأسمالية.. لص الوقت المدمن للسرعة

ليست السرعة في عصرنا ظاهرة خفية، بل هي العنوان الرئيسي في كل محفل وكل مجال، والفضاء العام الذي نسير داخله. أصبح الهوس بالسرعة مرضا نَهشَ دروب الحياة الإنسانية، ابتداء من إشباع الحاجات الأساسية، كتناول الطعام والنوم، وصولا إلى الحاجات الأكثر تعقيدا، كتحصيل المعرفة والحب. فأصبحنا نرى صيحات مثل: القراءة السريعة، والمشي السريع، والجنس السريع، والطعام السريع، ونبحث عن أسرع الحلول العلاجية، وأسرع طرق التواصل والانتقال، والطرق المختصرة لتعلم مهارة جديدة وتحصيل معلومة جديدة، فأضحت أكثر الكتب مبيعا وأكثر مقاطع الفيديو مشاهدة وأكثر المقالات قراءة هي التي تدلك على أسرع الطرق لتعلم لغة جديدة أو اكتساب عادة مختلفة، وحتى أضحت المنصات المعرفية الكبرى تعدك بأن وقت قراءة مقال ما أو موضوع ما لن يستغرق منك سوى عدد قليل من الدقائق.

   

هذا الهوس بالسرعة وُلد من رحم الاستهلاك وفي كنف الحداثة السائلة التي يصفها زيجمونت باومان في سلسلته الشهيرة "السيولة". ففي عصر سريع التغير وشديد التعقيد، لم يعد باستطاعة المرء، في الكثير من الحالات، أن يضمن تحقيق أهدافه في حياة أفضل وإشباع رغباته على المدى البعيد، حتى لم يعد أمامه سوى البحث عما يشبع رغباته سريعا، وعلى الفور.

   

والواقع المعيش يُشير إلى أن السوق الرأسمالية وأخلاقها ليست بمنأى عن تفشي ظاهرة الهوس بالسرعة، فمع تأكيد الأسواق الدائم أهمية الوقت الاقتصادية، وأهمية المنافسة في تحصيل الأرباح كمؤشر أسمى للنمو والرفاهية والسعادة البشرية، أصبحت السرعة لازمة لا تنفصل عن هذا النظام الاقتصادي، فكل دقيقة لا تُصرف في الإنتاج هي دقيقة ضائعة، وكل لحظة يسبقك فيها المنافسون في طرح منتجاتهم تُكلّفك مالا، أصبح الوقت عاملا حاسما في الفصل في قيمة هذا الفائض الهائل من السلع والخدمات المقدمة. وقد لخص بنجامين فرانكلين أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة هذا الهوس بالسرعة في قوله: "الوقت هو المال".

     

  

ساهمت التكنولوجيا مساهمة كبيرة في تسريع إيقاع العالم، فهي لم تُسرّع من عمليات إشباع الرغبات فحسب، بل خلقت على الدوام احتياجات ورغبات جديدة يجب على المرء إشباعها. لم يقتصر دور التكنولوجيا على تسريع دورات الإنتاج والاستهلاك وخلق مجالات اقتصادية جديدة، بل ساهمت في مراكمة الضغوط الاجتماعية المفروضة على المرء في عصر السماوات المفتوحة. في عصر التواصل المفرط ووسائل التواصل الاجتماعي يعيش المرء على الدوام في ظل قصف الإنجازات والمطالبات الاجتماعية، لا يرى أمامه سوى نتائج ما حقّقه الآخرون معزولا عن العمليات المادية التي تقف خلف هذه الإنجازات. ومع سهولة إشباع الحاجات الأساسية من طعام ومسكن وملبس، ألقت الحاجات الاجتماعية الأكثر تعقيدا بثقلها على المرء، فأصبح أسير قلق السعي إلى المكانة بتعبير آلان دون بوتون، في عجلة من أمره لتحقيق التوقعات الاجتماعية والمادية الملقاة على عاتقه.

   

كما أن الانشغال الدائم والسرعة في كثير من الأحيان تساعد المرء على تشتيت ذهنه عن الأسئلة الكبرى المقلقة وتساعده على تجنب الصور النمطية السلبية عن البطء والتأني واقترانهما بالكسل والثقل بل وحتى الغباء أحيانا.(3)

   

ولادة الإبطاء: حراك عالمي يتحدى العجلة

"أينما وجدت السلطة وجدت المقاومة"، هكذا من رحم الهوس بالسرعة وُلد حراك عالمي مقاوم يدعو للتمهل والإبطاء، خطا خطواته الأولى على الشواطئ الشمالية للبحر الأبيض المتوسط. تبدأ القصة من إيطاليا التي وصل إليها البرغر الأميركي بعد 46 سنة من افتتاح أول مطعم من مطاعم السلسلة الشهيرة "ماكدونالدز" في الولايات المتحدة سنة 1940، حيث افتُتح أول مطعم وجبات سريعة في العاصمة الإيطالية روما بجانب المدرج الروماني "الكولوسيوم" الذي سيشهد على المعركة الضارية التي ستدور رحاها بين البرغر الأميركي والمعكرونة الإيطالية. لم يرَ الإيطاليون في البرغر تهديدا اقتصاديا ومنافسا تجاريا فقط، بل كان تهديدا ثقافيا لهم ولعاداتهم الغذائية، وإهانة طالت عراقة مطبخ يستمد سحره وفرادته ولذته من جبنه المعتق بدلال وأطباق المعكرونة المصنوعة يدويا والمطهوة على مهل.(4)

    

  

بالنسبة لعالم الاجتماع والناشط الإيطالي كارلو بيتريني، كانت هذه أسبابا كافية حين ذاك لأخذ الخطوة الأولى نحو تأسيس حركة "الطعام البطيء". تأسست الحركة سنة 1986 كرد فعل ضد وباء السرعة الذي كان يفتك بكل شيء والذي دخل إيطاليا من أبواب مطابخها وحجز لنفسه مقعدا على طاولات طعام أبناء بلد الباستا. دافعت الحركة منذ تأسيسها وحتى اليوم على فكرة بسيطة مفادها أن ما نأكله ونستهلكه يجب أن يُزرع ويُطهى ويُستهلك بتأنٍّ ورويّة وفقا لمعايير تحترم الأرض والعمال والمستهلك، ففكرة الطعام لدى المنتمين للحركة لا تقوم فقط على حشو البطون، غير مكترثين بطبيعة ما يأكلونه، ونازعين بذلك عن مفهوم الأكل بُعده الإنساني ومحوِّلين الإنسان إلى مجرد حلقة في سلسلة إنتاج ضخمة، بل يسعون إلى مكافحة اهتمام الناس المتناقص بالطعام الذي يتناولونه ومصدره وكيف تؤثر خياراتنا الغذائية على العالم من حولنا، وينظرون إلى تنوع الأغذية كرمز للتنوع الثقافي في العالم، والذي يسعون أيضا إلى حمايته.

   

تطورت فكرة الحركة بسرعة لتنتقل من حركة محلية إلى حركة دولية تجمع الكثيرين ممن أتعبهم نمط السرعة الذي يقتات على راحتنا النفسية والجسدية ولا يخدم أحدا سوى قطار الرأسمالية الذي لا يُوقفه أحد. اتسعت الحركة لتغطي مجالات أكثر، فانبثق منها تيارات أخرى مثل السفر البطيء والمدن البطيئة والشركات البطيئة والتصميم البطيء. بعد أكثر من ثلاثين سنة من تأسيسها أصبحت حركة "الطعام البطيء" تضم اليوم ملايين الأعضاء من أكثر من 150 دولة.

   

في كتابه "في مديح البطء.. حراك عالمي يتحدى عبادة السرعة"، يورد الكاتب كارل أونوريه شهادة بيتريني التي يقول فيها: "من الحماقة أن تكون بطيئا دائما، وهذا ليس ما نصبو إليه. التباطؤ يعني أن تضبط إيقاع حياتك، أن تُقرِّر بنفسك مدى سرعتك في كل ظرف. إذا أردت اليوم الإسراع فأسرع، وإن قرّرت غدا الإبطاء فأبطئ. ما نناضل من أجله هو حقنا في تحديد الوتيرة التي تناسبنا".(5)

     

  

الإبطاء وسيلة للتعافي

لا تقتصر مساوئ السرعة على تأثيراتها في أنماط الحياة المهنية والاجتماعية والعادات الفردية فحسب، بل يصل تأثيرها إلى صحة الإنسان الجسدية والنفسية، فالاستعجال الدائم يزيد من مستوى الضغوط العصبية مما يزيد من مستويات الكورتيزول في الدم. ترتبط هذه الزيادات ارتباطا وثيقا بأمراض ارتفاع ضغط الدم وضعف المناعة والاكتئاب والإرهاق وفقدان السيطرة الشعوري وأمراض أخرى. في المقابل يؤدي الإبطاء إلى انخفاض ضغط الدم ومستويات الكورتيزول والضغط العصبي ويعيد للمرء اتزانه العاطفي ويجعله أكثر تركيزا وانتباها لما يجري حوله. يزيد الإبطاء من قدرتنا على الاستمتاع بما نفعل والانغماس فيه دون قلق من المستقبل، مما يُحسِّن الحالة المزاجية ويقي من أعراض الاكتئاب. وعن طريق الإبطاء فقط تكتسب كل لحظة قيمتها وينتفع الإنسان منها أفضل انتفاع دون استعجال لما يليها. كتب جيروم سيغال في كتابه "البساطة الحميدة" (Graceful Simplicity) قائلا:

   

"الوقت الذي نمنحه للأشياء يعكس قيمنا. عندما نستعجل في عمل الأشياء ننزع منها قيمتها. فالعيش الحميد هو العيش المتناغم في إيقاع بشري. الوقت ضروري لاحترام قيمة ما نفعله، وجدارة مَن نهتم بهم والأشياء التي نملكها. لا يمكن للمرء أن يحيا حياة حميدة إذا شابها التوتر والاستعجال والأثقال وضيق الوقت وكثرة الالتزامات والضغوط". يساعدنا الإبطاء على ترتيب أولوياتنا وتحديد المهام الأنفع والاستغناء عما لا يفيد، ويزيد التمهل من كفاءتنا في أداء أعمالنا، ومن إتقاننا وتفانينا، وهو بلا شك يفسح المجال للإبداع، فقلما تجد فنانا أو مبدعا مستعجلا. وتُقلِّل كثرة المهام والاستعجال في تنفيذها من إنتاجية المرء الفعلية في أوقات العمل، ومن فاعليته وتأثيره في حياته الخاصة الأسرية والفردية. (6)

 

دليلك العملي للإبطاء

مع ذلك، يبقى الإبطاء لدى البعض رهينا بالقدرة، فمع إدراك الكثيرين لأهمية الإبطاء والتأني، فإنهم يبقون عاجزين عن تحقيق ذلك عمليا، فقد تحولت السرعة لدى الكثيرين إلى نوع من الإدمان ونمط حياة يصعب الإقلاع عنه والإفلات من قبضته. في الأسطر التالية نُقدِّم لك بعض النصائح التي ستُعينك حتما على تخفيف سرعتك:

   

* تقليل المهام: لا تحمل كل الالتزامات المحشورة في جدولك الضيق الأولوية أو القيمة نفسها، تخفّف من المهام الزائدة ذات النفع القليل وامنح وقتا أكبر للمهام الأولى.

   

لا شيء يمنح المرء الاستقرار والسكينة مثل الطبيعة، ولا شيء يبعث في نفسه الاستعجال والتشتت مثل مظاهر العصرنة

مواقع التواصل 
  

* اجعل في جدولك اليومي أوقاتا للفراغ لا تُقرِّر فيها سابقا ما الذي ستفعله فيها.

 

* اقضِ وقتا في التأمل والتفكر: قد لا يجد البعض أحيانا متسعا للتفكير في الأسئلة الكبرى في حياتهم، ولعل أنسب الأوقات لهذا التفكير هي الأوقات التي تقضيها في تنفيذ مهام أوتوماتيكية لا تطلب كثيرا من الانشغال الذهني مثل إعداد كوب قهوة أو العناية بالذات.

 

* جدِّد صلتك بالطبيعة: لا شيء يمنح المرء الاستقرار والسكينة مثل الطبيعة، ولا شيء يبعث في نفسه الاستعجال والتشتت مثل مظاهر العصرنة. لذا اجعل للطبيعة من وقتك نصيبا دائما، ربما عبر التنزه أو الرحلات أو حتى نبتة خضراء تزين بها شرفتك.

 

* اجعل لنفسك وقتا تقضيه بعيدا عن وسائل التكنولوجيا: أغلق اتصالك بالإنترنت والهاتف الذكي وابتعد عن حاسوبك وشاشة التلفاز. أعِد اكتشاف هواياتك القديمة وخصِّص وقتا للاهتمام بأفراد عائلتك وأصدقائك.

 

* نفِّذ مهمة واحدة في المرة: لا تسمح لنفسك بتعدُّد المهام، مهما بدت جاذبية إنجاز الكثير من الأمور في الوقت نفسه. فتعدُّد المهام رغم فوائده اللحظية يُقلِّل من قدرتك على التركيز على المدى البعيد، وقدرتك على الإتقان، وكفاءتك في إتمام المهام على أكمل وجه.

   

   

* تنفّس بعمق دائما: أيًّا كانت المهمة التي تؤديها أو الموقف الذي تمر به، تعلّم دائما أن تتنفس بعمق، فالتنفس السريع هو أول أعراض الإصابة بهوس السرعة وتشتت الذهن. (7)

 

قد يبدو لك تحقيق نمط حياة هادئ ومتوازن وبطيء معادلة صعبة التحقق في عالم يحتفي بالسرعة والمسرعين، لكن بمجرد إدراك أن الحياة ليست سباق الجميع ضد الجميع، وأن لكلٍّ منا نمطا يناسب خصوصية حياته، ستتوقف عن اللهاث وراء جداول المهام التي لا تنتهي، وستجد سبيلا لعيش حياة تميل فيها كفة الكيف بدل الكم.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار