انضم إلينا
اغلاق
كيف صنع التعليم العالي فرصته في أفريقيا؟

كيف صنع التعليم العالي فرصته في أفريقيا؟

هالة أبو لبدة

محررة تعليم وجامعات
  • ض
  • ض

أفريقيا جنوب الصحراء.. بين ما حدث وما يمكن أن يكون وبدءًا بعقبات لا حدود لها وانتهاءً بإمكانات وموارد نفيسة تحاصرها التهديدات الواقعة والظروف المعيشة يجد التعليم العالي نفسه في بيئة تحتم على المهتمين والقادة وصناع القرار التحرك الذي يجنبهم الانجراف إلى هاوية كوارث يخلفها غياب المعرفة واضمحلال العلم، وينجيهم إلى أبعد مما قد يحققه أحدهم منفردًا؛ نحو الشراكة والتكاثف وحشد الهمم من أجل خلق أنظمة تعليمية وإعادة بناء أخرى ليتجلى جهد الجماعة وتبرز مواقفهم واتجاهاتهم ورسالاتهم التي يسعون لتحقيقها وزرع صورتها وإدامة أثرها وقوفا في وجه العقبات ودعمًا للتعليم العالي والنهوض به، ما هي التحديات التي واجهها التعليم العالي في أفريقيا؟ وهل وجد من يساعده على النهوض؟ 

 

تحديات وفرص
لكل بلد تحدياته ومشاكله التي تسهم في تكونها عوامل مختلفة، وتزداد حدة المشكلات وصعوبة التحديات على قدر إدراك سكان هذا البلد لها وكيفية تعاملهم معها، وتعد التحديات التي يواجهها التعليم العالي في الدول الأفريقية من التحديات التي شغلت منظمات دولية ومحلية كثيرة، مما دفعها لتسخير قواها ودفع جهودها نحو بعد يمنع تفاقم الأزمة ويسهم في الحد من تبعاتها، ورغم اختلاف المستوى الذي وصلت إليه الدول الأفريقية في التعامل مع مشاكل التعليم العالي وقدرتها على حلّها إلا أن هناك تحديات عامة تنتشر في كافة الدول الأفريقية وتتطلب تحركاً سياسيًّا ومجتمعيًّا ودوليًّا لحلّها، ومن أبرز التحديات التي رصدتها منظمة اليونسكو الزيادة السريعة في أعداد الطلبة والذي تسببه أمور كثيرة من بينها زيادة النمو السكاني في أفريقيا وزيادة الوعي بأهمية التعليم العالي.

 

تشهد أفريقيا تقدمًا ملحوظًا في النمو الاقتصادي الذي يتخطى معدله أضعاف نظيره العالمي، وهو ما ينعكس بشكل إيجابي على تقدم المعرفة في البلدان الأفريقية

رويترز
 

الهجرة أيضًا كانت من بين هذه التحديات وتحديدًا هجرة العقول والتي تخلف فجوة عميقة ووهنًا واسعًا في أنظمة ومؤسسات التعليم العالي، فنزوح العلماء والمتخصصين في مختلف العلوم بحثًا عن حياة أفضل بكافة المقاييس خارج بلدانهم يخلف هذا الأثر ويتطلب تعاملاً فعالًا مع نتائجه السلبية والتي تعد البرامج الدراسية المتدنية الجودة من بينها وهو ما يُشكِّل تحديًا آخر يضاف إلى قائمة التحديات التي يواجهها التعليم العالي في أفريقيا..

إضافة إلى الصعوبات التي تواجه حكومات هذه الدول وتُعيقها عن دعم التعليم العالي ومساعدته أو التخفيف من الأعباء المالية التي تضعفه أو تلبية احتياجات الطلب المتزايد على مساهمة التعليم العالي في صنع التنمية وغيرها من الأمور التي شكَّلت القائمة الأبرز للعقبات ومشاكل التعليم العالي التي دفعت الدول الأفريقية لمحاولة إعادة تشكيل أنظمة التعليمة العالي من أجل تطويرها وإدارتها بشكل يقوي قدرات مؤسساتها التعليمية ويفعل شراكتها مع السلطات المحلية وقطاع الأعمال لتنمية المجتمع.

 

لكن جميع العقبات السابقة أو الحالية لم تشكل مانعًا في طريق تحرك الدول الأفريقية والمنظمات الدولية والمؤسسات المحلية نحو بذل جهود واسعة مستقلة أو مشتركة ووضع خطط متنوعة عامة وخاصة وجداول زمنية بأهداف قصيرة أو استراتيجية لمجابهة كل التحديات، وخلق بيئة تعليمية أفضل، تتسابق فيها الجهات المعنية نحو تطويرها وتقوية المؤسسات التعليمية، ويستلهم حديثها من قديمها قوة الفعل واستمرارية الأثر، وتتبادل بينها المعرفة والخبرة اللازمة لتكثيف الفرص التعليمية المتاحة على كافة المستويات كالتعليم الأكاديمي والمهني والتقني والتدريب والبحوث، وفي كافة المجالات كالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والحرف..

لذا فإن أفريقيا الآن تشهد تقدمًا ملحوظًا بدأه النمو الاقتصادي الذي يتخطى معدله أضعاف النمو الاقتصادي العالمي، وهو ما ينعكس مباشرة وبشكل إيجابي على تقدم المعرفة في البلدان الأفريقية، إضافة إلى تحرك المنظمات الداعمة للتعليم العالي وتوليد فعاليات ابتكارية تتبع خطى هذه المنظمات وتحقق أثرا هامًّا.

 

منظمات داعمة للتعليم العالي في أفريقيا:
تتنوع المنظمات الساعية لدعم وتطوير التعليم العالي في أفريقيا، وتختلف جهودها المبذولة حجما وأثرا، وقد تشترك هذه المنظمات في بعض الأنشطة والفعاليات المقامة، كما أن بعضها منظمات دولية أو محلية، ومن أمثلتها:

 

منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو):



نشأت فكرة هذه المنظمة في حقبة تاريخية شوهتها حرب دموية وتطهير عرقي تعد من أشرس وأعنف الحقب التي شهدها التاريخ الحديث وتمثلا في الحرب العالمية الثانية والأيدولوجية النازية، ففي سنة 1942 اجتمعت منظمات دول أوروبية في مؤتمر عقد في بريطانيا لبحث كيفية إعادة بناء أنظمتهم التعليمية عند استعادة السلام في المنطقة. وبناءً على مقترح خرج به هذا المؤتمر، تم عقد مؤتمرات أخرى تلي نهاية الحرب وجمع ممثلي 44 دولة قرروا إنشاء منظمة تعزز ثقافة السلام وتمنع اندلاع حرب عالمية أخرى، وبنهاية المؤتمر تم تأسيس منظمة اليونسكو بواسطة 37 دولة، وقد اكتسب هذا المشروع زخمًا دفع دول أخرى للانضمام.

 

وانطلقت أعمال المنظمة منذ ذلك الحين وتركزت جهودها المبذولة على أربعة مجالات شكَّل التعليم جزءًا منها، ويعتبر أحد أبرز وأحدث أنشطة المنظمة هو خروجها من الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2015 بمشروع عرف باسم (تحويل عالمنا) والذي يتبنى خطة تنمية مستدامة تحمل أهدافًا يتعين تحقيقها حتى عام 2030، ويصل عدد هذه الأهداف إلى 17 هدفا، وقد شكلت أفريقيا منذ تأسيس المنظمة إحدى الأولويات العامة لها، فسعت لتخصيص قدر كبير من الفعاليات والأنشطة والمشاريع لدعم أفريقيا في المجالات الأربعة، واستند جهد المنظمة في هذا القطاع على محاور رئيسية هي:

 لا يقتصر مصدر الدعم المقدم لها على اليونيسكو، بل يشمل منظمات اقتصادية إقليمية مثل: المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا

- تحقيق هدف التنمية الرابع في أجندة 2030 وهو خاص بالتعليم.

- الخطط والسياسات القطاعية.

- التعليم والتدريب المهني والتقني.

- محو الأمية والتعليم الغير نظامي.

- التعليم العالي.

- التعلم والتدريس.

- التعليم من أجل الصحة والرفاه.

- تعلم العيش معاً.

 

وفيما يخص التعليم العالي في أفريقيا، فاليونسكو تدعم الجهود التي تبذلها الدول الأفريقية وتنفذ الأنشطة التي تهدف إلى بناء القدرات السياسية والتقنية لدى الأشخاص في وزارات ومؤسسات التعليم العالي، وتشمل الأنشطة المقدمة في هذا المجال إعادة تشكيل وإحياء التعليم العالي بما يتلاءم مع مواجهة مشاكل المتعلقة بجودة وأهمية التعليم والوصول إليه، إضافة إلى بناء القدرات في التدريب والبحوث في مؤسسات التعليم العالي، كما تقوم المنظمة بالإشراف على تنفيذ اتفاقية أروشا الخاصة بالاعتراف بدراسات التعليم العالي وشهاداته ودرجاته العلمية في الدول الأفريقية، وتعمل على تعزيز التعاون بين الجامعات عبر تطوير مراكز للربط بين الجامعات والكليات ومراكز التدريب ومنظمات البحوث..

 

ونظرًا لدور التكنولوجيا في الوصول للمعلومات والمعرفة وخلق فرص تعليمية جديدة فهي تعزز استخدام التكنولوجيا كأداة لذلك، علمًا بأنها تنفذ هذه الأنشطة عبر منظمات التعليم العالي مثل: اتحاد الجامعات الأفريقية، واتحاد تطوير التعليم في أفريقيا، وغيرها من المنظمات التي لا يقتصر مصدر الدعم المقدم لها على اليونيسكو، بل يشمل منظمات اقتصادية إقليمية مثل: المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا.

 

اتحاد الجامعات الأفريقية:



تأسس الاتحاد سنة 1967 في الرباط كنتيجة لتوصيات مؤتمر نظمته اليونسكو عام 1962، ويضم جميع أنواع مؤسسات التعليم العالي كالجامعات الخاصة والحكومية، والكليات، وقد وصل عدد مؤسسات التعليم العالي الأفريقية الأعضاء إلى 360 مؤسسة، ويسعى الاتحاد لتعزيز جودة وأهمية التعليم العالي في أفريقيا وتقوية دوره في تنمية القارة الأفريقية، ويتم تمويل الاتحاد عبر مصادر متعددة من بينها الدعم المالي الذي تقدمه حكومات الدول الأفريقية، والاتحاد الأفريقي، ووكالات التنمية الشريكة، ومن أبرز الخدمات التي يقدمها الاتحاد للأعضاء برنامج تبادل الموظفين الأكاديمي وذلك لزيادة التعاون بين الجامعات عبر تبادل طواقم التدريس والمشاركة في المؤتمرات والبحوث، وكذلك تقديم المنح والزمالات الدراسية التنافسية للطلاب الملتحقين بإحدى المؤسسات الشريكة والذين يرغبون في الدراسة في أي جامعة أفريقية خارج بُلدانهم أو مكان إقامتهم، وتعتبر
الاتفاقية التي عقدها الاتحاد مؤخراً مع موقع eLearnAfrica أحدث الأنشطة التي قام بها لتعزيز وصول الطلاب عموما وطلاب المناطق النائية خصوصا للتعليم العالي.

 

الشبكة الأفريقية للمؤسسات العلمية والتكنولوجية (ANSTI):



تم تأسيس هذه الشبكة سنة 1980 وهي منظمة إقليمية غير حكومية بواسطة اليونسكو وبتمويل مقدم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والحكومة الألمانية من أجل تسهيل التعاون المشترك بين المؤسسات التعليمية الأفريقية من أجل التدريب وإجراء البحوث في مجالات العلوم والهندسة والتكنولوجيا؛ لذا تسعى المنظمة لتقوية قدرات التدريب والبحوث في المؤسسات التعليمية، وإرساء مبدأ الاستخدام الهادف لهذه المجالات لتحقيق التنمية،
وتضم الشبكة اليوم 192 مؤسسة تعليمية كأعضاء من 37 دولة في أفريقيا، وتأتي الورش العملية والمؤتمرات والبرامج التدريبية ضمن الأنشطة التي تنفذها المؤسسة لتحقيق الهدف من تأسيسها.

 

الشبكة الأفريقية لتدويل التعليم:



تعد الشبكة إحدى المنظمات الغير حكومية المستقلة الأفريقية البارزة، حيث تسعى لتطوير جودة البحث العلمي ودعم بناء القدرات وتأييد التدويل في التعليم العالي خصوصا في أفريقيا، وتبذل المنظمة العديد من الأنشطة لتحقيق ذلك وتقوية وبناء قدرات موظفي منظمات ومؤسسات التعليم العالي المتخصصين في جميع المجالات، ويعد البحث العلمي أحد الأنشطة الرئيسية التي تنفذها المنظمة على أن تكون حاجات ومتطلبات مؤسسات التعليم العالي والدول والمنظمات الإقليمية من أولويات البحوث المنفذة، وبالتركيز على المجالات التي تعاني فيها هذه الجهات من الفجوة المعرفية وتمتلك فيها المنظمة طاقة عالية تمكنها من دفع العلماء الأفارقة لقيادة مشاريع البحث التنموية واستخدام نتائج هذه البحوث لصنع وتنمية السياسات في قطاع التعليم العالي الأفريقي.

 

هل نجح التعليم العالي في النهوض؟

الخطط المتتالية والجهد المتفاني والرغبة العارمة في التقدم وصنع مستقبل يمحو ملامح الماضي الواهنة ويزيل عبء الجهل والتأخر كل ذلك قد ينجح في أن تؤتي الخطط أكلها، ويستحق التعليم العالي باكورة الجهد المستمر والمتكاثف، ورغم أن الدول الأفريقية تسعى لتحقيق ذلك، إلا أنَّ اختلاف بيئة كل بلد وظروفها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ومقدار الجهد الذي تبذله يخلِّف تفاوتًا في حجم الإنجازات الواقعة، وتأتي جمهورية جنوب أفريقيا في مقدمة هذه الدول لتكون النموذج المثالي للدول الأفريقية الأخرى، والجانب الأفريقي الذي يبشِّر بمستقبل مشرق وبمزيد من التنمية والتقدم..

 

ففي أحد التصنيفات العالمية التي تعنى بأنظمة التعليم العالي نجح نظام التعليم العالي في جنوب أفريقيا في الوصول إلى المرتبة الثلاثين في قائمة شملت تصنيف خمسين نظام تعليمي حول العالم بحسب معايير مختلفة تعتمد على قوة نظام التعليم المحلي مقارنة بالأداء في التصنيف الدولي، وسهولة وصول طلبة الدولة للجامعات العالية الكفاءة، ونجاح هذه المؤسسات في المنافسة العالمية، ومقدار الاستثمار المحلي في تطوير قطاع التعليم العالي، ليتفوق بهذه المرتبة على أنظمة التعليم في دول مثل: النرويج، وتركيا، وبولندا، والسعودية، والإمارات.

 

خلق أنظمة تعليم عالي ناجحة في بيئة متأخرة يصنع حافزاً ومحركاً قويًّا يدفع المجتمع الأفريقي بمؤسساته وأفراده إلى الانطلاق نحو تحقيق غايته

رويترز
 

ورغم اختلاف مواقع الجامعات الأفريقية في التصنيفات العالمية إلا أن هذه المجموعة كانت هي الأبرز وهي مرتبة بحسب موقع في التصنيف العالمي للجامعات في أفريقيا جنوب الصحراء، وجميعها ظهرت في التصنيف العالمي للجامعات webometrics لعام 2016:

1.     University of Cape Town: المرتبة 273 عالميًّا - تقع في جنوب أفريقيا.

2.     Stellenbosch University: المرتبة 423 عالميًّا - تقع في جنوب أفريقيا.

3.     University of the Witwatersrand: المرتبة 458 عالميًّا - تقع في جنوب أفريقيا.

4.     University of Pretoria: المرتبة 499 عالميًّا - تقع في جنوب أفريقيا.

5.     University of Kwazulu Natal: المرتبة 611 عالميًّا - تقع في جنوب أفريقيا.

6.     University of the Western Cape: المرتبة 734 عالميًّا - تقع في جنوب أفريقيا.

7.     University of Nairobi: المرتبة 775 عالميًّا - تقع في كينيا.

8.     University of Johannesburg: المرتبة 987 عالميًّا - تقع في جنوب أفريقيا.

9.     Makerere University: المرتبة 1037 عالميًّا - تقع في أوغندا.

10. Rhodes University: المرتبة 1060 عالميًّا - تقع في جنوب أفريقيا.

11. North West University: المرتبة 1208 عالميًّا - تقع في جنوب أفريقيا.

12. University of South Africa: المرتبة 1317 عالميًّا - تقع في جنوب أفريقيا.

13. University of Ibadan: المرتبة 1335 عالميًّا - تقع في نيجيريا.

14. University of the Free State: المرتبة 1457 عالميًّا - تقع في جنوب أفريقيا.

15. University of Ghana: المرتبة 1655 عالميًّا - تقع في غانا.

16. Egerton University: المرتبة 1727 عالميًّا - تقع في كينيا.

17. Addis Ababa University: المرتبة 1727 عالميًّا - تقع في أثيوبيا.

18. Covenant University Ota: المرتبة 1788 عالميًّا - تقع في جنوب أفريقيا.

19. Universidade Eduardo Mondlane: المرتبة 1797 عالميًّا - تقع في موزمبيق.

20. Nelson Mandela Metropolitan University: المرتبة 1933 عالميًّا - تقع في جنوب أفريقيا.
 

إن خلق أنظمة تعليم عالي ناجحة في بيئة متأخرة يحمل وجهين يحتملان تحقق أحدهما بحسب كيفية تعامل البلدان مع ظروف هذه البيئة، فرغم أن هذه البيئة تشكل عائقا قد يسبب إبطاء كل ما يبذل لإنجاح تلك الأنظمة، إلا أنه يصنع حافزاً ومحركاً قويًّا يدفع المجتمع الأفريقي بمؤسساته وجميع جهاته وأفراده إلى الانطلاق نحو تحقيق غاية ترتقي به في مجالات عديدة، حيث تشكل قصص النجاح التي يشهدها نماذج تحث غيرها لتحاكي فعلها وتنهض بأنظمته التعليمية.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار