انضم إلينا
اغلاق
حكايات ريادية مُلهمـة أبطـالها سيدات

حكايات ريادية مُلهمـة أبطـالها سيدات

  • ض
  • ض
المشكلة أنه عندما يأتي الحديث عن دور السيدات في المجالات الريادية، عادة ما يتم تصدير نموذج (ماريسا ماير) الرئيس التنفيذي لشركة ياهو، وغيرها من السيدات اللواتي يتقلدن مناصب كبرى في شركات تقنية كبرى، كأنهنّ أفضل مثال يمكن ضـربه في هذا السياق. والواقع أن هذا التصوّر خاطئ تماماً. بل ومُجحف أيضاً.

 

 ربما هذا التصوّر يتوافق إلى حد ما مع الصرعة العالمية في وسائل الإعلام بخصوص مفهوم الريادة التقنية تحديداً، أو تقديم نموذج السيدة الحسناء التي تشغل منصباً مهماً في شركة لها تأثير في عالم الانترنت أو التطبيقات الذكية. ولكنه - في جميع الأحوال-  يغطّي على نماذج أخرى شديدة التميّز في هذا المجال.

 

هناك - بالفعل - نماذج مشرّفة من رياديّات الأعمال من المفترض أن نسلط عليهنّ الضوء بشكل مُركّز. ليس من باب التصنيـف الجِنــدريّ كونهنّ سيدات، وإنما لأنهنّ قمن بالفعـل برحلة بطولية طويلة من الإبداع والتميّز تستحق الدراسة والتأمّل. والأهم، تستحق الاستفادة ببعض ما فيها من دروس وأفكار.

 

كيف تقيم جمهـورية من طاولة المطبخ؟


إيرانية هي، من مواليد الستينات، هاجرت مع عائلتها إلى بريطانيا لبدء حياة جديدة في الثمانينيات، لبدء حياة جديدة بعيداً عن أجواء الحرب العراقية الإيرانية الطاحنة. حياة (سحر الهاشمي) بدت عادية للغاية، درست الحقوق في جامعة بريستول البريطانية، وتخرجت لتبدأ حياة وظيفية عادية. حتى جاء الوقت الذي سافرت إلى أميركا لقضاء بعض الوقت مع أخيها في نيويورك بغرض الترفيه عن نفسها وقضاء العطلة. وكانت هذه الرحلة تحديداً هي التي حوّلتها من فتاة درست الحقوق إلى واحدة من أهم سيدات الأعمال في العالم.

 

كانت سحر تجلس في إحدى مقاهي نيويورك، وتذوّقت نوعا من القهوة تحبه كثيراً، ولم يكن موجوداً في بريطانيا حيث تعيش. فقفزت الفكرة البسيطة في ذهنها بشكل تلقائي: لماذا لا أقوم بتنفيذ هذا المشروع في بريطانيا؟ عادت إلى بريطانيا، وبدأت إجراء بحث موسّع بخصوص القهوة، وتجوّلت في كافة مقاهي لندن لتختبر أنواع القهوة المتاحة، لتقرر في النهاية أن بريطانيا ينقصها بالفعل وجود قهوة لذيذة.

 

وعندما جاء وقت التنفيذ، وبدأت سحر في البحث عن "تمويل" لمشروعها، قوبلت بالرفض من عشرات الجهات، حتى حصلت أخيراً على موافقة بالتمويل من جهة حكومية، نجحت من خلالها بافتتاح أول فرع لها سنة 1995.


هذا المقهى تم تقديم كافة أنواع القهوة فيه، الأمريكية والعربية والفرنسية والتركية وغيرها. وكان التركيز بشكل كامل على الجودة والتسويق المميز الذي جعلها تفتتح فرعها الثاني سنة 1997. 

بيكساباي


هذا المقهى تم تقديم كافة أنواع القهوة فيه، الأمريكية والعربية والفرنسية والتركية وغيرها. وكان التركيز بشكل كامل على الجودة والتسويق المميز الذي جعلها تفتتح فرعها الثاني سنة 1997. ثم طرح مشروعها كشركة مساهمة في البورصة، جعلها تستحوذ على أكثر من 8 مليون جنيه استرليني سمح لها بالتوسع السريع.

 

خلال خمس سنوات فقط، توسّعت سلسلة المقاهي التي أسستها سحر الهاشمي إلى أكثر من 82 فرعاً داخل بريطانيا فقط، وأطلقت عليها اسم (جمهــورية القهــوة Coffee Republic)، ووصلت أرباحها السنوية إلى 30 مليون جنيه استرليني سنة 2001.

 

وفي العام 2003، أصدرت كتابها الشهير: الكل يستطيع أن يفعلها، كيف أقمنا جمهورية القهوة من على طاولة المطبخ؟ وكان من الطبيعي - والعادل - أن تتحول الحقوقية العادية إلى واحدة من أشهر سيدات الأعمال في المجتمع البريطاني والعالم. البداية كانت فكـرة جالت في ذهنها أثناء احتساء كوب من القهوة على إحدى مقاهي نيويورك. (1)

 

الثروة من وخز الإبر


إليزابيث هولمز، فتاة شقراء حسناء ذكية، تدرس في جامعة ستانفورد العريقة. ولم تكن مهووسة بشيء قدر هوسها بالكيمياء. هذا الهوس، جعلها تتخذ قراراً صعباً بأن تتخلى عن مقاعد الدراسة الجامعية وهي ابنة 19 عاماً، وتترك الجامعة التي يحلم بها أي شخص على الكوكب، وتتفرغ لبدء مشروعها الخاص.

 

أسست هولمز شركتها الخاصة التي أطلقت عيها اسم (ثيرانوس) برأس مال شديد التواضع استخدمت فيه الأموال التي كانت مخصصة للدفع لأقساط دراستها الجامعية، في الوقت الذي اتهمها الجميع بالجنون لأنها تركت الدراسة في هذا العمـر لتتفرغ لمشروع غير مفهوم. ولكنها كانت تصمم أن عامل الوقت هو العنصر الأهم، وأنه لا داع لتضييع المزيد من السنوات في الدراسة بعد أن قامت بدراسة فكـرتها وتحليلها بشكل دقيق.

 

تحاليل الدم.. كان هذا هو تخصص الشركة التي أسستها الفتاة، والقائم على فكـرة عبقرية تجعل تحاليل الدم أكثر سهولة ورخصاً، باستخدام أدوات تقنية تسحب عينات الدم من المريض، ويتم الاحتفاظ بها في زجاجة خاصة اسمها (نانو تاينر)، تقوم هذه الزجاجة بإجراء الفحوصات والتحاليل بشكل تلقائي لعينات الدم، خصوصاً الكوليسترول والسكري وأمراض القلب وغيرها.

بعد مرور عدة سنوات من إطلاق شركة إليزابيث هولمز وإدارتها، وصل رأس مال الشركة إلى 9 مليار دولار، وأصبحت ثروتها حوالي 4.5 مليار دولار وهي في عمر الثلاثين.

غيتي إيميجز


ومع قوة الفكرة والانجاز، وبراعة هولمز في التسويق، قامت بلفت أنظار المستثمرين ومن أولهم الملياردير لاري أليسون الذي وهبها دعماً كبيراً، فانطلقت شركتها في تصنيع هذا المنتج العبقري الذي اعتبر طفرة كبرى في عالم التحاليل. فقط بعد مرور عدة سنوات من إطلاق شركتها وإدارتها، وصل رأس مال الشركة إلى 9 مليار دولار، وأصبحت ثروة إليزابيث هولمز حوالي 4.5 مليار دولار وهي في عمر الثلاثين.

 

صحيح أن هولمز تمر مؤخراً ببعض المشاكل الخطيرة بخصوص شركتها، جعلت ثروتها الحقيقية تتراجع إلى 800 مليون دولار (فقط).. إلا أن هذا لم يحرمها من ثروة وشهرة كبيرة باعتبارها أصغر سيدة في العالم حصلت على هذه الثروة بدون ميراث. (2)

 

شكراً لملجأ الأيتام الذي علّمني الخياطة
غابرييل لم تأتِ إلى العالم في ظروف جيدة. في الواقع هي كانت طفلة بائسة غير شرعية، ولدت في فرنسا في نهاية القرن التاسع عشر. لم تعرف أصلاً معنى الأب والأم، وقضت فتـرة طفولتها ومراهقتها كلها في دار أيتام تابع لكنيسة.

 

في دار الأيتام عاشت حياة صعبة، ولكنها تعلمت مهنة واحدة هي مهنة (الخياطة).. وهو إجراء متّبع من دار الايتام، حتى يمكن تأهيل اليتيمات لصناعة تدرّ عليهنّ رزقاً عندما يبلغن أشدّهن. غادرت غابرييل الدار، فعملت في عدة مهن مختلفة فشلت فيها جميعاً، إلى أن وجدت الفرصة للعمل في إحدى دور الأزياء الفرنسية بسبب مهارتها في فن الخياطة.


تعرّفت على أحد الأثرياء استطاعت إقناعه بأن يموّل لها متجرها الخاص في بيع القبّعات التي تصممها بشكل راقٍ، وهو ما حدث فعلاً.. وافتتحت متجرها الأول الذي سمّته باسمها. شانيـل.. حتماً أنت سمعت عن كلمة (شانيل) هذه الآن عشرات المرات، أو رأيتها في إعلانات ضخمة في المولات الراقية، باعتبارها أهم وأكبر شركة مستحضرات تجميل أصلية في العالم، ومرادفاً للأناقة الفرنسية دائماً.. كانت هذه هي البداية.

 

بمرور الوقت بدأت قبّعاتها تنتشر سريعاً بسبب أناقتها من ناحية، وسعرها الجيد من ناحية أخرى. ثم اندلعت الحرب العالمية الأولى، الأمر الذي جعل القماش نفسه لم يعد متوافراً مثل البداية، فبدأت في استخدامه بذكاء شديد في طرح تصاميم مميزة محدودة. ومع تراجع كل الأسواق الأوروبية في مجال الأناقة والملابس والأقمشة، تقريباً لم يبق صامداً سوى منتجات شانيل الأنيقة والرخيصة في نفس الوقت.

 

انتهت الحرب، فقامت غابرييل بالتوسع في دخول مع شركات عطور، وأسست شانيل للعطور.. وبدأت تجد صيتاً واسعاً في أوروبا وأميركا، حتى جاءت الثلاثينيات وقد اقتحمت شانيل عالم الاكسسوارات والمجوهرات التي جعلت الشركة تصل إلى مرتبة عالمية هائلة امتدت حتى الآن حيث يصل معدل أرباحها إلى أكثر من مليار يورو سنوياً.

 

شانيل توفت وهي في التسعين من عمرها، وهي تحوز ثروة وشهرة ومجد هائل، جعلها من أهم سيدات الأعمال في التاريخ الحديث. البداية كانت من ملجأ أيتام، وإجادة مهنة الخياطة.. والنهاية كانت علامة تجارية ترتبط بالثراء والأناقة والشهرة. (3)

 

فلنصــنع بعض الجوارب الجيّــدة


سارة بلاكلي، فتـاة فلــوريديّـة مواليد السبعينات تخرّجت من الجامعة لتعمل مندوبة مبيعات لبيع أجهزة الفاكس. معنى عملها كمندوبة مبيعات، معنــاه أن طبيعة عملها تجعلها تقضي يومها كاملاً في الشارع، لتدور في شوارع ومدن ولاية فلوريدا لتقابل العمـلاء، ويجب أن يكون مظهرها أنيقاً مميزاً.

 

ولفترة طويلة، أثار ضيقها جداً أنها تبحث دائماً عن (جوارب طويلة مريحة) ترتديها بحيث تساعدها في مهنتها الشاقة دون الشعور بالتعب أو التعرّق، ولكنها لم تجد هذه النوعية من الجوارب أبداً. حتى أنها انتقلت إلى ولاية مجاورة بها مصنع للجوارب، وأخبرتهم ببعض الأمور بخصوص تصنيع الجوارب، وقدمت لهم تصميماً مبدئياً. وأخبرتهم أنها سوف تقوم بتسويق هذه الجوارب بنفسها في حالة انتاجه من طرفهم.

 

بعد بعض المماطلة، اهتم المصنع بإنتاج التصميمات التي قدّمتها، وبالفعل قام بتزويدها بحوالي 3 آلاف جورب في العام 2000. ما يعني أن أصبح لديها مخزوناً كبيراً لسلعة تتصوّر هي أنها ستجد إقبالاً كبيراً. فقامت بإطـلاق شركتها الخاصة، وأسمتها (سبانكس).. وكان مقر هذه الشركة هو منزلها، وكانت هي التي تستقبل كافة الاتصالات بنفسها، وتقوم بتسويق المنتجات بنفسها، باعتبارها خبيرة في هذا المجال.

 سارة بلاكلي أصبحت من أقوى 100 شخصية مؤثرة في العالم، وتم إدراجها في قائمة الفوربس كواحدة من أكثر نساء العالم ثراءً بثروة تقدر بمليار دولار. 

غيتي إيميجز


حتى شعار الشركة قامت هي بتصميمه بنفسها، وأيضاً قامت بتسجيل الشركة بنفسها بعد قراءة كتاب متخصص في تسجيل العلامات التجارية، وبذلك قامت بتوفير 3 آلاف دولار كانت ستقوم بصرفها على هذه الأمور. وفي عام واحد فقط من إطلاق هذه الشركة، حققت أرباحاً تزيد عن 5 ملايين دولار.

 

كانت هذه هي البداية التي جعلتها تصل في العام 2012 لأن تكون من أقوى 100 شخصية مؤثرة في العالم، وتم إدراجها في قائمة الفوربس كواحدة من أكثر نساء العالم ثراءً بثروة تقدر بمليار دولار. شركة سبانكس التي بدأت كشركة منزلية، أصبحت اليوم تبيع أكثر من 200 منتج في 40 دولة حول العالم، من خلال آلاف المتاجر. ومازالت سارة بلاكلي تمتلكها بشكل كامل. (4)

 

الحـاجة أم الاختراع.. وأم الحفاضات!
ماريون دونوفان.. قد يكون الاسم مجهولاً بالنسبة لنا، ولكن الأثر الذي خلّفه هذا الاسم على طريقة حياتنا جميعاً ليس مجهولاً على الإطلاق، خصوصاً لدى الأمّهات والمربيات. لم تكن ماريون مميزة في مجالات التسويق أو اقتصادية محنّكة أو لديها مهارات في العلاقات العامة، بل يعتبر سر نجاحها هو أنها قامت بالتركيز على الانتاج وجودته.. ثم جاءت الريادة إليها بنفسها.

 

ولدت يتيمة الأم، وقضت جُل فترة طفولتها بتسلية وحيدة وهي الذهاب إلى المصنع الذي يملكه والدها لمشاهدة كيف يتم الانتاج فيه ومراقبة العمّال. هذه البيئة ربما جعلتها مُحبة لمفهوم الاختراع والتصنيع والعمل، ولكنها لم تكن أساس حياتها على أية حال. تخرجت في كلية الآداب، وعملت كمحررة في مجلة أدبية، ثم تزوّجت وأنجبت وأصبحت ربّة أسرة. هنا فقط، بدأت تشعر دونوفان بمعاناة كل أم في استعمال الحفاضات القماشية للأطفال.. وزادت المعاناة بقدوم الطفل الثاني. ولكنها لم تكن أما عادية..

من أم عادية تعاني نفس معاناة كل الأمهات، إلى مخترعة عظيمة ذكيـة في تحركاتها، تجيد تسويق إبداعاتها، وبيعها للشركات الصحيحة.. فخلّد التاريخ اسمها بمنتجاتها.

رويترز


بدأت هي بنفسها في الاستعانة بماكينة خياطة كبيرة، وصناعة حفاضات بتصميمات مختلفة حتى وصلت إلى اختراع حفاضة مختلفة كلياً عن الموجودة في السوق، قامت لاحقاً بعرضها في إحدى المتاجر في نيويورك.. ووجدت إقبالاً هائلاً. مع هذا الإقبال، بدأت ماريون بتطوير هذا المنتج، وقامت بتسجيل براءة الاختراع، وعرضته على شركات كبيرة، حتى تمكّنت من بيعه إلى شركة (كيكو) بمليون دولار وهو مبلغ هائل في ذلك الوقت.

 

كان بإمكانها الاعتزال الكامل، وقضاء بقية حياتها في الترفيه هي وأسرتها، ولكن يبدو أن فكـرة الاختراعات قد خلبت لبّها.. فقامت بتطوير حفّاضات تستعمل لمرة واحدة ولا يتم غسلها، ثم باعته لشركة (بامبرز) العالمية التي حققت شهرة وتوسعا كبيراً من خلال هذا المنتج.

 

الحقيقة أنها استمرت أيضاً في عمل مجموعة من الاختراعات بعيداً عن حفاضات الأطفال، فقامت بصناعة وعاء صابوني يمتص الرطوبة، وخيط أسنان، وشماعات ملابس.. ثم تقوم ببيع براءات الاختراع للشركات الكبرى، ومن ثم استطاعت تحقيق ثروة طائلة.

هذه الحكايات هي مجرّد قطرات من واقع تلعب فيه السيدات دوراً كبيراً في عالم ريادة الأعمال.

pixabay.com


من أم عادية تعاني نفس معاناة كل الأمهات، إلى مخترعة عظيمة ذكيـة في تحركاتها، تجيد تسويق إبداعاتها، وبيعها للشركات الصحيحة.. فخلّد التاريخ اسمها بمنتجاتها من ناحية، وعاشت حياة ثرية واسعة من ناحية أخرى. (5)

 

هذه الحكايات هي مجرّد قطرات من واقع تلعب فيه السيدات دوراً كبيراً في عالم ريادة الأعمال. أشرت إلى هذه النماذج، ربما لأنني لاحظت - كما ذكرت في المقدمة - أن الكل يلقى الضوء على سيدات الأعمال والرياديات اللواتي يعملن في مجال التقنية أو الشركات العمـلاقة. في الوقت الذي يتم تجاهل الكثير من النماذج المبهرة لسيدات في الماضي والحاضر قدّمن نماذجاً مشرفة للغاية بأعمار مختلفة، وفي مجالات مختلفة.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار