انضم إلينا
اغلاق
مواقف عابرة صنعت شركات عالمية كبرى

مواقف عابرة صنعت شركات عالمية كبرى

  • ض
  • ض

قرار بناء شركة أو إطـلاق مشروع، ليس قراراً سهلاً أو يمكن اتخاذه بسرعة. غالباً فإن اتخاذ قرار من هذا النوع يحتاج إلى شهور طويلة أو ربما لسنوات عديدة للبدء في اتخاذ خطوات تنفيذية تحوّل هذا القرار إلى واقع.
 

السبب منطقي. الكثير جداً من الأفكار الجيدة تقفز في رأسك طوال الوقت، بعضها أفكار تنساها فوراً، وبعضها أفكـار تكتشف أنها ساذجة وغير قابلة للتطبيق بتاتاً بعد أن تقوم بتحليلها. وبعضها أفكار تعرف أنها جيدة ولكنها تحتاج إلى دراسة مطوّلة.
 

كيف تقفز هذه الأفكار في رأسك؟.. ربما من قراءة كتاب ما، أو من خلال تأمل مشهد ما، أو تقفز في رأسك فجأة على الطريقــة الأرخميــدسيّــة "وجدتها وجدتها".. أو ربما -وهذا يحدث كثيراً- تقفـز في رأسك بسبب موقف مـا بسيط عابر أثار اهتمامك.. أو بسبب موقف ما أثار غضبك.. أو بسبب ملاحظة معيّنة لفتت انتبـاهك..


ما لا تعرفه -ربما-  أن الكثير من المشروعات والشركات العمـلاقة التي أصبحت جزءً من واقعنا العالمي، كانت وليدة هذه الأفكـار التي جاءت بسبب مواقف بسيطة قد نمـرّ بها جميعاً، ولا نكاد نتذكرها بعد المرور منها.

 

لماذا يموت الأطفال؟!


اسمه الحقيقي كان "هاينريش". وهو اسم ألماني جداً كما تلاحظون، ولد في مدينة فرانكفـورت في بدايات القـرن التاسع عشر.(1) 
في عشريناته انتقل إلى سويسرا وحصل على بعض الدراسات الطبية التي أهّلته ليكون مساعداً في إحدى الصيدليات، ليبدأ في صناعة العقاقير الطبية وبيعها، الأمر الذي جعله يكوّن بعض المال الذي اشترى به مصنعاً صغيراً لصناعة وبيع زيت الجوز والبندق.

 

في تلك الفتـرة، لاحظ هاينريش ما يعتبره غيــره في هذا الزمن أمراً عادياً للغاية، وهو ظاهرة موت الأطفال الصغار بسبب مشاكل الرضاعة. كانت هذه الظاهرة منتشرة للغاية في تلك الفترة حيث كانت الرعاية الطبية متدهورة وقتئذ، ولا يمكن مقارنتها بالوقت الحالي.
 

وباعتباره دارسا للعقاقير الطبية، فإنه قد بدأ بالبحث عن حل لهذه المشكلة، والسعي لصناعة "حليب" غني بالمواد الغذائية قريب من حليب الأم. بدأ بمحاولات عديدة لصناعة حليب خاص بتجفيف اللبن البقري وخلطه مع كميات من القمح والسكر. فكانت النتيجة خلطة ممتازة من الحليب المصنّـع.
 

وعندما بدأ في رحلة تسويق منتجه قوبل بالفشل الذريع، ولم يهتم أحد إطلاقاً بمنتجه. حتى جاءت الفرصة بالصدفة، عندما قام بتجربة هذا الحليب على طفـل مولود حديثاً، حيث كان الأطباء قد أجمعوا على هلاكه خلال ساعات.. إلا أن حليب هاينريش أنقذه بالفعل.
 

بعد هذا الموقف، تدفقت طلبات الشراء على الحليب الصناعي الذي أنتجه هاينريش، الأمر الذي جعل مصنعه الصغير يحقق نمواً ملحوظاً في زمن قياسي، وأصبح اسم شركته -الذي أسماه على اسم عائلته الكبيرة منتشراً على كل الألسنــة..
 

شركة "نستلــه".. الشركة التي يستحيل أن يجهلها أي شخص يعيش في أي مكان في عصرنا الحالي، باعتبارها واحدة من أكبر الشركات العمـلاقة عابرة القارات في العالم، بقيمة سوقية تقترب من الـ 200 مليار فرنك سويسري، وأكثر من 8 آلاف منتج غذائي، و500 مصنع حول العالم، وعدد موظفين يزيد عن الـ 330 ألف شخص!
 

كل هذه الإمبـراطورية العمـلاقة التي استمرت بعد وفاة صاحبها بأكثر من 120 سنة -توفى سنة 1890-، كانت بسبب ملاحظاته المستمرة عن وفاة الأطفال الرضّع بسبب سوء التغذية؛ الأمر الذي جعله يتخذ خطوة للأمام لحل هذه المشكلة الشائعة والمعروفة أمام الجميع.
 

هل يمكن أن نحوّل المتسوّل إلى ريادي ؟

قرر محمد يونس أستاذ الاقتصاد إنشاء مصرف مستقل كامل لإقراض الفقراء هو مصرف "غرامين"، يعمل الآن في عشرات الآلاف من القرى داخل بنغلاديش

رويترز
محمد يونس، هو أستاذ اقتصـاد معروف في جامعة بنغـلاديش، لسنوات طويلة قام بتدريس هذا المجال لآلاف الطلاب.(2) مع كونه أكاديميا متميزا ويشغل منصباً مرموقاً في البلاد، إلا أنه كان يتألم دائما بسبب الفقر والوضع الاقتصادي المتردّي الذي تشهده بلاده. ويقارن دائماً بين ما يقوله في محاضرات من نظريات اقتصادية حديثة عصرية أنيقة، وبين الواقع المأساوي الذي يراه كل يوم بعينيه.
 

إلى أن جاء الوقت الذي قابل فيه سيدة مسنّة، أخبرته أنها تعمل على صناعة الكراسي بهامش ربحي لا يزيد عن 20 سنتاً، والسبب أنها تقترض من التجار أموالاً لتصنيع هذه الكراسي، ثم بيعها بهذا الهامش المتواضع، لأنهم يفرضون عليها فوائداً مرتفعة.
 

هنا، شعـر أن الفرصة قد جاءت أخيراً حيث قام بإجراء استطلاع سريع بالتجول في إحدى القرى الفقيرة، ورصد حوالي 40 شخصاً يقومون بعمل مشروعات صغيرة للغاية تمنحهم هامشاً ربحياً شديد التدنّي، فقط لأنهم يقترضون من جهات وأشخاص يطالبونهم بفوائد عالية.
 

قام يونس بمنح قروض متناهية الصغر لهؤلاء الأفراد، وفق معايير شديدة البساطة، حيث أنه بإمكانهم إعادتها عندما يتمكنون من ذلك، وأنه بقدرتهم بيع منتجاتهم في أي مكان، دون تحديد شروط للسعر أو فرض أية رسوم.
 

المفاجأة أن كل من أقرضهم الرجل قاموا بإعادة المبالغ التي استدانوها بالفعل.. فقرر أن يوسّع تجربته، وكررها لتشمل مجموعة من القرى، فكانت النتيجة نفسها تقريباً.. المال الذي يتم إقراضه لهم، يتم استعادته بالفعل بعد انتعاش مشروعاتهم.
 

هنا، قرر محمد يونس إنشاء مصرف مستقل كامل لإقراض الفقراء هو مصرف "غرامين"، يعمل الآن في عشرات الآلاف من القرى داخل بنغلاديش، ولديه آلاف الفروع التي يعمل بها آلاف الموظفين.. وقام حتى الآن بإقراض أكثر من 4.5 مليار دولار على شكل قروض متناهية الصغيـر تبداً بعشرة دولارات ولا تزيد عن 200 دولار.. وأيضاً، خصص المرف قروضاً وبرامجاً جاهزة موجّهة للمتسوّلين تحديداً، تجعلهم يبدأون مشروعاتهم الصغيرة بشكل مضمون النتائج، الأمر الذي يساعدهم في الابتعاد عن حياة التسوّل تماماً.
 

في العام 2006، حصل البروفسور محمد يونس على جائزة نوبل للسـلام، تكريماً له على مشروعه المميز الذي انتشل الملايين من طريق التسوّل والفقر، وحوّلهم إلى روّاد أعمال.
 

الملاحظة التي لا يمكن نسيانها

 

الملاحظة القديمة التي لا يمكن نسيـانها، ربما هي التي ساعدت في أن يكون فندق "الماريوت" واحد من أشهر وأفخم فنادق العالم.(3) مؤسس فنادق الماريوت "جين ويلارد ماريوت" لم يبدأ مشواره من برج عاجي، بل بدأ كبائع ليمون يقف في قارعة الطريق في العاصمة واشنطن، وكان يتميّز -بشكل مبالغ فيه- بلطفه ولباقته مع العمـلاء.


لاحظ وسمع بأذنيه الكثير من الأشخاص يشتكون بشدة من سوء الفنادق في منطقة كابيتل هيل حيث يتواجد، وأن المعاملة سيئة للغاية. فأدرك مبكراً أن العميـل أكثر ما يهتم به هو "طريقة تقديم الخدمة"، ربما أكثر من "جودة الخدمة نفسها".
 

بمرور السنوات، بدأ ماريوت رحلته الملحمية في إنشاء سلسلة مطاعم تقدم وجبات ساخنة مميزة ومغلّفة كالعادة بالمعاملة الراقية، حتى أصبح من أكثر المطاعم شهرة في شرق الولايات المتحدة. ثم جاء الوقت لتحقيق حلمه، بأن يفتتح (فندقه) الأول..
 

كان حريصاً على نظافة كل شيء وأناقته بشكل مبالغ فيه، إلا أن الملاحظات التي اختزنها عقله بخصوص تكرار شكاوى العملاء من الفنادق كانت لاتزال محفورة في ذهنه وتمثل له هاجساً طوال الوقت..
 

فقرر "جين" أن يفتتح أول فندق له بشكل تجريبي لمدة 3 شهور، قام وقتها بدعوة أهله وأصدقائه وجيرانه للمبيت في الفندق مقابل مبلغ زهيد، بشرط واحد: أن يأخذ كل منهم كراسة يملأها بالملاحظات بخصوص كل شيء أثار إعجابه أو دهشته أو ضيقه أثناء إقامته في الفندق.
 

جمع ماريوت كافة هذه الملاحظات، وقام بتطبيقها على أكمل وجه.. ثم افتتح أول فندق له، والذي كان من الطبيعي -بإدارة شديدة التركيز على التفاصيل- أن يتوسّع بشكل سريع ليصبح من أهم فنادق العالم.
 

ها قد عاد الأوغاد الملاعين مرة أخرى!


ربما من الصعب تصديق أن هذه الجملة كانت سبباً في ظهور اثنين من أهم العلامات التجارية في العالم: أديداس وبوما..(4) 
قصة تأسيس هاتين الشركتين مليئة بالتفاصيل التي يعرفها كل متابع لتأسيس الشركات العالمية خصوصاً الرياضية منها، إلا أنها تحمل في طيّاتها أحداث ربما تعد من الأغرب على الإطلاق.
 

دايسلر.. رجل ألماني بسيط كان يمتهن مهنة صناعة الاحذية في مصنع صغير يملكه في مدينة ألمانية بسيطة في بدايات القرن العشرين. وبشكل تلقائي، قام بتوريث هذه المهنة إلى ابنيه "رادولف" و "أدولف" اللذان استمرّا فى مهنة أبيهما بعد وفاته، فساهما في توسعة المصنع وتنميـته..
 

جاءت أولمبيـاد عام 1936 في برلين، ومعها فرصة جيدة لتسويق الأحذية الرياضية للشركة بين الرياضيين، وهو الأمر الذي نجح تماماً في تلك الفتـرة، لدرجة أنه تم بيع أكثر من 200 ألف حذاء رياضي من إنتاج مصنع "الأخوين دايسلر" في الفترة ما بين 1936 وحتى 1939..
 

ثم نشبت الحرب العالميـة الثانية.. كانت الخلافات بين الأخوين قد بدأت في الظهـور، فقـررا تقسيم المصنع إلى جزئين، إلا أن أحداث الحرب واتجاه ألمانيا إلى الهزيمة، جعل كل منهما يشعر أن نهايته اقتربت، وقررا تناسي الخلافات..
 

كانت برلين تحت الحصار، وكل منهما يعيش في ملجأ تحت الأرض لحمايته من القصف. حتى قرر رودلف أن يتحرك بعائلته إلى الملجأ الذي يعيش فيه أخوه أدولف، ليعتذر له، وليشهدا لحظة النهاية معاً تحت قصف الحلفاء.
 

عندما اقترب رودلف من الملجأ الذي يعيش فيه أخاه، في نفس اللحظة سقطت قنبلة بالقرب من الملجأ، فصــرخ أدولف -من الداخل- بصوت عالٍ، وهو لا يلاحظ أن أخاه يقف على الباب:

ها قد عاد الأوغاد الملاعين مرة أخرى The dirty bastards are back again!


الأمر الذي جعل رودلف يظن أنه هو المقصود بهذه السبّة، وأن أخاه يقصد إهانته، فانصرف دون أن يُكمل لقاءه بأخيه، وكانت هذه هي المرة الاخيرة التي يراه فيها! بعد الحرب، تم الإصرار على تقسيم المصنع.. فافتتح رودلف القسم الخاص به وسمّاه (Ruda - رودا ) في البداية، ثم حوّله إلى (Puma-بوما).. بينما سمّى أدولف نصيبه الخاص من المصنع اإسم (أديداس Adidas) !
 

ومن الطبيعي أن النجاح كان حليف الشركتان، لأن كل منهما كان قد تشرّب تماماً فنون صناعة الأحذية ودقائقها، بل ويبدو أن الكراهية المتبادلة فيما بينهما زادت من حدة المنافسة. اليوم مازالت أديداس وبوما فرسي رهان يتربّعان قائمة أكبر شركات الأحذية والمنتجات الرياضية في العالم بأرباح مليارية ضخمة سنوياً.. كراهية ما بين الأخوين، ربما جعلت العالم الرياضي كله يستفيد من وراءها!
 

معاملة عميل واحد بشكل سيء جعلته ينشيء شركة منافسة!


فيــروتشو.. شاب إيطـالي جداً -كما يشير اسمه-، وجد نفسه لا يجيد في الحياة سوى شيئين: الزراعة والميكانيكا..(5) 
درس في أحد المعاهد الفنّية، وبعد التخرج عمل كميكانيكي أظهر تميزاً بارعاً في هذا المجال، فقرر استغلال مهارته تلك في المجال الذي يميل له وهو الزراعة. فكانت النتيجة أنه افتتح ورشة صغيرة لصناعة الجرارات الزراعية.
 

حقق نجاحاً هائلاً وسريعاً بسبب مهارته، فبدأ يكوّن ثروة جيدة جداً أهّلته لأن يستمتع بالحياة كما يتمنّـاها. وكان من الطبيعي أن يكون الجزء الجوهري من استمتاعه بالحياة هو شراء السيارات الفاخرة. والسيارات الفاخـرة عادة تتلخص في كلمة "فيـراري".. السيارة الإيطالية الأشهر والأغلى والأكثر فخامة حول العالم.
 

في إحدى المرات لاحظ فيروتشو في إحدى سياراته الفاخرة أن هنـاك عطلاً ميكانيكياً. الأمر الذي جعله يقوم بنفسه على معالجته ومحاولة إصـلاحه.. فلجأ إلى قسم الصيانة التابع لفيـراري، وأخبرهم بمشكلة مزمنة في السيارة اسطوانة الـ (دبرياج Clutch)، وأخبرهم بأنه من الممكن أن تقوم فيراري بتصنيع اسطوانة أفضل لحل المشكلة.
 

وعرض عليهم أن يقوم بمساعدتهم - باعتباره ميكانيكيا محنّكا - في إصلاح السيارة إلا أنه قوبل بالرفض.. ثم جاء ليستلم سيّـارته مرة أخرى بعد الصيانة، ليجد أن المشكلة مازالت قائمة! هنا طلب فيروتشو مقابلة مؤسس الشركة ليطرح عليه بعض الحلول بناءً على خبراته الطويلة، وهو ما حدث فعلاً بعد فترة طويلة من الانتظار.
 

كانت نتيجة المقابلة أنها انتهت بإرتفاع الأصوات وصراخ كاد يصل للتشابك بالأيدي، مع تطاول مؤسس فيراري على فيروتشو واتهامه بالجهل، وأنه يتحدث في أمور لا علم له فيها.. ومن الأفضل أن يكتفي بصناعة الجرارات الصناعية فقط ويترك السيارات الفاخرة لأصحابها.
 

في هذه اللحظة فقط، خرج فيروتشو من هذا اللقاء غاضباً، وهو ينـوي على شيء واحد.. أن يقوم ببناء شركة تنافس فيراري في السوق العالمي، وتقدم سيارات رياضية مميزة بمشاكل فنية أقل.. بعد مرور عدة أشهر من هذا اللقاء -4 شهور تحديداً- شهد العالم ميـلاد عمــلاق جديد في صناعة السيارات: لامبــورغيني.. لصاحبها، وصاحب ورشة الجرّارات "فيـروتشو لامبورغيني"..
 

الشركة التي تحتل اليوم مكانة عالمية شديدة التميز في سوق السيارات الفاخرة والرياضيـة، والتي تعتبر منافساً صعباً لكل شركات السيارات في العالم، وعلى رأسها سيارات الفيـراري بلا شك.. شركة عمـلاقة تحقق مليارات الدولارات سنوياً، ولها علامة تجارية هائلة في العالم، نشأت بسبب شعور صاحبها بالغضب الشديد من الاستخفاف بأفكـاره.
 

تأسيس شركة أو افتتاح مشروع هو بالأساس مجرّد تحويل (فكـرة ما) أو (انطباع ما) إلى واقع. هذه الفكـرة قد تكون تحت دراسة مطوّلة، أو قد تكون بناءً على موقف عابر كالذي أشرنا له. ولكن المهم أن تعرف أن هذه المواقف ليست مجرد ردود أفعال طفولية من أصحابها كما يبدو. وإنمـا هي في الأساس ردود أفعال مغلّفة بالتصميم أولاً، وباقتناص الفرصة ثانيـاً. وليست مجرد رد فعل بريء أو عصبي بناءً على مشاهدة ما أو حدث بعينه.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار