انضم إلينا
اغلاق
إستراتيجيات مفصليّة في تاريخ شركات عملاقة

إستراتيجيات مفصليّة في تاريخ شركات عملاقة

  • ض
  • ض
لديّ هوس خاص بمتابعة قصص صعـود الشركات العريقة التي أصبحت أمراً واقعاً في حياة الناس في هذا العصر، على الرغم من مرور عقود طويلة من تأسيسها قد تصل إلى 100 عام في بعض الأحيان. وأزعم أن قصص نجاح هذه الشركات تحمل من الأسرار المُلهمة ما هو أكثر بكثير مما تقدمه الشركات التي تأسست حديثاً.

 

ربما لأن الظـروف في الماضي كانت أصعب بكثير من الظروف الحالية. آليات التسويق كانت مُرهقة للغاية وتعتمد كليا على العنصر البشري. خلق فكـرة جديدة ومتابعتها ومراقبة نتائجها كانت -في الماضي- تحتاج إلى مجهودات أعتبرها -أنا- خارقة مقارنة بالعصر الحالي الذي يشهد "أتمتــة" -أي التشغيل الآلي- كـل شيء.

 

في مسيرة الشركات العالمية العريقة العديد من المحطات الهامة التي ينبغي أن يتشبّع بها رائد الأعمال الشاب خصوصاً إذا كان يتذمّـر من صعوبة البدايات، أو يشعر بنقص الإمكـانيات، أو يميل إلى أن مشواره كله سيذهب هباءً في النهاية. في رأيي، مثـال (Old Is Gold) أو "ما هو قديم قيّم" هو مثال واقعي وصادق تماماً في مجالات عديدة مهمـا سحرنا بريق العصر الحالي. وعلى رأس هذه المجالات تأسيس الشركات والأفكـار الرياديّة وقصص النجاح.


استراتيجية اصطيـاد الثغرات
 في بداية القـرن العشرين، عندما وُلد "سوشيرو" في قرية يابانية متواضعة، وجد نفسه ينتمي إلى أسرة شديدة البساطة لأب يعمل حداداً في القـرية يصلح الدراجات الهـوائية بشكل أساسي، بالإضافة إلى العديد من الآلات المعدنية. في بيئة كهذه، شعر الفتى باهتمام شديد بالآلات والأجهزة والماكينات. وضاعف هذا الاهتمام عندما رأى سيارة عتيقة تعمـل بمحرّك في زمن لم تكن فيه السيارات متاحة إلا لعليـة القوم فقط، الأمر الذي جعله مهووساً بفكـرة المحركات منذ صغره.

 

رحل "سوشيرو" إلى طوكيـو باحثاً عن عمـل، ثم استقر في النهاية كفنيّ يعمل في ورشة تصليح سيارات، عرف من خلالها كل شيء عن المحركات في ذاك الزمن. ثم قرر وهو في نهاية العشرينيات أن يفتتح ورشته الخاصة لإصلاح السيارات، ولأنه لاحظ ثغرات عديدة في المحركات التي كان يقوم بتصليحها، لذلك قرر أن يستخدم ورشته في تطوير المحركات -وليس إصلاحها فقط- حتى نجح في النهاية بتطوير غرفة الاحتراق داخل المحرّكات المسمّاة "بالبستن".

 

في مطلع العام 1938 وبعد محاولات مرهقة من تسويق المنتج، تمكن أخيراً من بيعه إلى شركة تويوتا اليابانية التي منحته مبلغاً لتأسيس مصنع يقوم بتوريد هذه المحرّكات لها بشكل مستمر، كان هذا يمثل انتصاراً كبيراً "لسويشيرو" الذي شرع في بناء مصنع صغير؛ من أجل أن يوفّـر هذه النوعية من المحركات المتطوّرة للسوق. إلا أنه بعد عام واحد، اندلعت الحـرب العالميـة الثانية "1939-1945"، ما جعل اليابان كلها تدخل في مرحلة كساد كبيرة في كل المنتجات، كانت أيام عصيبة للرجل الذي بنى آماله كلها على صناعة المحركات وتطويرها.

 

بعد مرور 6 سنوات، وانتهاء الحرب بدمار هائل أصاب اليابان، ومع شعور الجميع بالانهيار والمهانة، رصد سوشيرو ثغرة أخرى، عرف أنها ستكون مدخلاً ممتازاً لشركته الوليدة، فقد لاحظ أن هناك نقصا كبيرا في الموارد وشح كامل في الوقود، الأمر الذي دفع الناس بالبحث عن موارد رخيصة للتنقل، فانتهزها فرصة وقام بتصميم محرك للدراجات البخارية يعمـل بوقود رخيص للغاية.

 

بقدوم العام 1951، كان السوق الياباني كله مليئاً بالدراجات التي تعمل بمحرّك سويشرو المتميز، مما دفعه لتطوير المنتج فأصبح يمثّـل 70 % من إجمالي إنتاج الدراجات في اليابان خلال مطلع الخمسينيات، وهو ما حقق نمواً ملحوظاً لشركته جعلها تدخل البورصة اليابانية، وتبدأ في تصدير منتجاتها للعالم.

 

اسمه الكامل "سويشيـرو هوندا"، مؤسس شركة هوندا اليابانية، واحدة من أعظم شركات السيارات في العالم اليوم. (1)

 

استراتيجية التركيــز على البؤرة أولاً.. ثم الانتشار
 عندما تم الإعلان أن "الأمراض" تسببها جراثيم وبكتيريا وجسيمات غير مرئية تكون عالقة في الأدوات والأجهزة، وأنها تسبب موت الكثير من المرضى بعد التدخل الجراحي؛ كانت صدمة كبيرة للبشرية التي لم تكن تدرك أن الأمراض تنتقـل عبر هذه الجسيمات. كان هذا في القرن التاسع عشر.

 

كان هذا الإعلان العلمي بداية لتدشين مرحلة جديدة في تاريخ الطب البشري، مع بدء اهتمام الأطباء بما يسمّى "التعقيم"، والتحرّك لإنتاج ضمادات طبية معقمة جاهزة للاستخدام، بها نسبة أقل من الجراثيم، وتساعد على الشفاء السريع للمرضى. باختصار، كانت هذه المعلومة إرهاصة لموجة هائلة من الصناعات الرائجة، فقط الأذكياء الذين يتحركون سريعاً هم الذين يمكنهم التقاط هذه الفرصة، وحجز مكانهم الدائم على هذه الموجة. وكان في مقدمتهم -بلا شك- آل جونسـون.

 

في هذه الفتـرة من القرن التاسع عشر، قام "روبرت جونسون" وإخوته بتأسيس شركة صغيرة في نيوجرسي باسم "جونسـون آند جونسون"، بدأت تركز على البحث في أفضل الطرق لإنتاج ضمادات طبية معقمة، ثم تسويقها بين المستشفيات والأفراد.

 

بمرور الوقت، ظهـر أفضل اختراع طبي من جونسون وهو "اللاصق الطبي" الذي لقي إقبالاً هائلاً من الجمهـور، ولم تعد هناك صيدلية واحدة أو مستشفى لا يملك هذا المنتج، الأمر الذي صبّ في مصلحة انتعاشة كبـرى للشركة، خصوصاً عندما لاحظ المجتمع الطبي أن حالات التلوث نقصت بشكل كبير مع بدء انتشار منتجات الشركة على نطاق واسع.

 

هنـا، اتخذت إدارة "جونسون آند جونسون" آلية التركيز الكامل على هذا المنتج بشكل كبير؛ لضمـان الوصول إلى قمة التميز في إنتاجه، فصدرت العديد من التطويرات من هذا اللاصق، حتى أصبح هذا المنتج مرتبطاً بشكل كامل باسم جونسـون بلا منافسين تقريباً.

اليوم جونسـون لديها أكثر من 250 شركة حول العالم، يعمل بها أكثر من 90 ألف موظف، وتحقق إيرادات مليارية ضخمة سنوياً

غيتي إيميجز

لاحقاً، وبعد أن حجزت مكانها القوي في السوق العالمي، بدأت "جونسون آند جونسـون" التوسع في إنتاج المعدات الطبية المختلفة، فبدأت في تصنيع العقاقير والإسعافات الأولية والأمصال ومستحضرات التجميل، في توسّعات ضخمة شهدها القرن العشرين بأكمله.

 

اليوم جونسـون لديها أكثر من 250 شركة حول العالم، يعمل بها أكثر من 90 ألف موظف، وتحقق إيرادات مليارية ضخمة سنوياً. البداية كانت مع تركيز كافة جهود الشركة على تطوير منتج واحد، يعمّق من علامتها التجارية في السوق. ثم جاءت رحلة التوسّع لمئات المنتجات الأخرى. (2)

 

استراتيجية التغييــر الشامل
 في نهاية عقد الثلاثينيات، قرر "بيونغ تشول لي" الكوري الجنوبي إطلاق متجر صغير لبيع الأرز والسكر، تحول بمرور الوقت لشركة صغيرة لتصدير الأسماك المجففة والخضروات والفاكهــة من كوريا الجنوبية إلى الصين.

ماذا كان اسم الشركة؟!
كان اسمها (سامسـونغ)!

 

سامسونغ لم تبدأ إطلاقاً كشركة أجهزة وإليكتـرونيات، وإنما كانت بدايتها في مجالات تغذية مختلفة، بدأت الشركة تحقق أرباحاً لا بأس بها، وعلى مدار ثلاثين عاماً تقريباً استطاعت الشركة الصمود رغم المشاكل السياسية والأمنية في شبه الجزيرة الكورية.

 

في نهاية الستينيـات، حصل التغيير الثوري الأول داخل سامسونغ؛ بأن قــررت إدارة الشركة تغيير مجالها بالكامل، والدخول إلى عالم الإليكتـرونيات الذي بدا أنه يحقق نمواً كبيراً خصوصاً مع الجارة اليابانيـة في تلك الفتـرة.

 

كانت بدايات سامسونغ بصناعة تلفزيون أبيض وأسود، ثم على مدار عقود حققت اسما جيدا في العلم، ثم اقتحمت قطاع الأجهزة الدقيقة وأشباه الموصلات

غيتي

كانت أياماً عصيبة على الشركة الكورية التي كانت تتحسس مجالاً جديداً مختلفاً تماماً عمّا اعتادته لمدة 30 سنة كاملة تقريباً، ولم يكن هناك أدنى خبرة لسامسونغ في تصنيع الأجهزة المختلفة، ولكن إدارة الشركة أصّلت لمنهجيـة "التغيير الجذري" منذ تلك الفتـرة، مقتحمـة كافة المخاطـر.

 

وكانت البداية بصناعة تلفزيون "أبيض وأسود" بعد أن تعاونت سامسونغ مع إحدى الشركات اليابانية، ثم بدأت على مدار عقود السبعينيات والثمانينيات تحقق اسماً جيداً في آسيا والشرق الأوسط وأوروبا ثم العالم، خصوصاً عندما اقتحمت بشكل كبير قطاع الأجهزة الدقيقة وأشباه الموصّلات.

 

ولكنها أبداً لم تصل إلى مستوى شركة رائدة في العالم. كانت سامسونغ في نهاية الثمانينيات شركة عادية، تنتج منتجات عادية، تبيعها في أسواق عادية لا أكثر ولا أقل.

 

وعندما أتت التسعينيات، حدث أكبر تحوّل هائل في تاريخ هذه الشركة، بتولي إدارة جديدة؛ حيث ركزت الشركة على صناعة الرقائق الإليكترونية، وأوقفت تصنيع المنتجات المتوسطة الجودة، وركزت على الجودة العالية فقط؛ بل وأصدرت إدارة الشركة قراراً بتدمير كافة المنتجات ضعيفة الجودة في المخازن كذلك، وصرّح المدير التنفيذي للشركة "كون لي" في تلك الفتـرة بتصريحه الشهير:

"غيروا كل شيء ما عدا زوجاتكم وأبنائكم !" (3 )

كانت لحظة تغييـر ثوري جديدة، كان أثرها كبيراً للغاية؛ حيث بدأت منتجات سامسونغ في الصعود في الأسواق العالمية في مجال الرقائق الدقيقة، بعد أن كثفت الإدارة البحث والتطوير، حتى أثناء مرورها بأزمة اقتصادية خانقة استطاعت عبورها بدخولها في مجال الأجهزة الذكيــة ومنافستها في معايير الجودة في مجالات مختلفة.

أصبح هذا التغيير بالتركيز على الجودة والبحث والتطوير تدشيناً لإمبراطورية سامسونغ التي توسعت لتشمل مجالات أخرى خارج التقنية مثل الصناعات الثقيلة والسفن والعقارات

غيتي

كان هذا التغيير بالتركيز على الجودة والبحث والتطوير تدشيناً لإمبراطورية سامسونغ التي توسعت لتشمل مجالات أخرى خارج التقنية مثل الصناعات الثقيلة والسفن والعقارات، وإن كانت شهرتها الأكبر ما زالت مُركزة على الأجهزة والتقنية. يمكن أن تربط إمبراطورية سامسونغ في ذهنك بأنها "إمبراطورية نشأت من وراء التغييرات الجذرية".

 

استراتيجية الإصرار!
 "مارسيل بِك"، كان فتى إيطالي الجنسية يحب الترحال والتنقل، درس في إيطاليا، ثم ذهب إلى إسبانيا واستقر في فرنسا، في فترة المراهقة وبدايات الشباب عمل في الكثير من الأعمال، من بيع لمصابيح كهربائية في الأسواق، ثم عمـل كمدير إنتاجي لشركة تبيع الأثاث المكتبي، إلى أن استقر به الأمر بعد أن حصل على وظيفة جيدة في شركة فرنسية لبيع الأقلام (الحبر السائل).

 

كان حظّه سيئاً؛ لأنه لم يكد يتسّلم وظيفته الجديدة حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939، فلم يستمر في وظيفته بسبب مشاكل كبيرة طالت فرنسا بشكل عام؛ مما اضطـره مرة أخرى للعودة لممارسة أعمال بسيطة من وقت لآخر، والتنقل بين المدن الفرنسية حفاظاً على حياته.

 

انتهت الحرب، وحاول البحث عن وظيفة، إلا أن الدمار كان قد أصاب أوروبا برمّتها. فلم يجد أمامه سوى أن يشتري -هو وصديق له- محلا متهالكا في ضواحي باريس، ويعمـلان على تصنيع عبوّات إعادة تعبئة الحبر للأقلام الغالية الثمن، في تلك الفتـرة التي كانت الأقلام تحتاج إلى إضافة الحبر إليها بشكل مستمر أثناء الكتابة.

 

المتجر بدأ يحقق أرباحا جيّدة؛ غير أن فكــرة عجيبة قفزت في رأس مارسيل، وهي أنه لماذا يضطـر أصلاً كل بضع دقائق لإعادة تعبئة الحبر؟ لماذا لا يوجد قلم يستمـر في الكتابة فترة طويلة دون الاضطرار لإعادة ملئه بالحبر بين فترة وأخرى؟

 

عكف مارسيل -إلى جانب عمله- في تخصيص جزء كبير من وقته، استمر لمدة أربعة سنوات كاملة خرج منها باختراع لنموذج أوّلي لقلم حبـر مختلف تماماً، رخيص، بسيط، لا يحتاج إلى إعادة ملئه كل بضع دقائق. وبدأ يعمل على تسويقه لمحاولة بيع براءة الاختراع لشركات الأقلام الكبيرة.

 

ولكنه قوبل برفض من العديد من الشركات، فكان رد فعله أمام كل رفضٍ هو أن يذهب ويضع المزيد من التحسينات على القلم، ثم قام بعمل شركة صغيرة حاول من خلالها التسويق بكل الطرق للشركات؛ حتى قام بطرح قلمه بنفسـه في السوق أخيراً بصعوبة شديدة.

 

النتيجة: نجاح ساحق كاسح غير متصوّر، رغم أن القلم كان في مراحله الأولى وبه الكثير من العيوب التصنيعية، الأمر الذي جعله يحصل على إيرادات جيدة تسمح له بتطوير منتجه، ومن ثم التوسّع في بيع القلم لمدة 10 سنوات كاملة في كل ربوع أوروبا أولاً ثم الولايات المتحدة، والعالم كله لاحقا.

استحوذت شركة بيك على شركة كانت قد رفضت عرضاً منها في يوم من الأيام (رويترز)

 

وفي العام 1958، استحوذت شركة بيك (Bic) على حصة كبيرة من شركة (Waterman). والمدهش أن هذه الشركة كانت تمنّعت عن تمويل القلم الـ (Bic) في مراحله الأولى!

 

رحل مارسيل بيك عن الدنيا بعمر يناهز الثمانين، مخلفاً وراءه شركة عملاقة بأصول مليارية، ويعمل لديها عشرات الآلاف من الموظفين، وتستحوذ على شركة رفضت منتجه يوماً من الأيام! (4)

 

خلاصه
 في كثير من الأحيان، يتعامل الشباب مع هذه الأمثلة ببعض التبرّم؛ لأن هذه الشركات مرتبطة في ذهنه بمبانٍ أسطورية شاهقة ومليارات الدولارات -وهي كذلك بالفعل-، ولكن أهم ما يجب أن تضعه في اعتبارك بخصوص هذه الشركات هو بداياتها، ومراحل التغيرّات العصيبة التي مرّت بها.

 

سامسونغ لم تبدأ كشركة عملاقة في ناطحة سحاب. وهوندا لم تبدأ برأس مال ملياري يمكّنها من صناعة هذه السيارات الفاخرة. وجونسون آند جونسون لم تبدأ إلا كشركة صغيرة لبيع ملصقات طبّية مطهرّة. وغيرها من أهم الشركات العالمية "العريقة" في أيامنا هذه، لم تبدأ إلا بدايات متواضعة.

 

ربما بدايات أكثر تواضعاً من مشروعك الناشئ أيضاً!

آخر الأخبار