انضم إلينا
اغلاق
المخاطرة تقود للقمة أحياناً.. بوينغ نموذجاً

المخاطرة تقود للقمة أحياناً.. بوينغ نموذجاً

  • ض
  • ض

كلمة ريادة لها طابع التفرّد فأن تكون رائداً في مجال ما يعني أن تكون لك أسبقيـة في دخول هذا المجال، فضلاً عن تحقيق إنجازات كبـرى فيه وبتعريف أكثر وضوحاً، الريادي الحقيقي هو من يأخذ خطوة فتـح الأبواب المغلقة التي لم تُفتح مُسبقاً، والدخول إلى المجهــول وهو على أتم استعداد لتحمّل المخاطرة، وبالتالي يكون من العدل أن يحظى بأحقّية جني كافة الأرباح التي سيجدها أمامه ليس فقط المادية؛ وإنما أيضاً المعنوية التي تحتفي بتقدمه للأمام.

 

وبنظرة شمولية ستجد أن كل ما نعيشه الآن في عصرنا الحالي من إمكانيات علمية وتقنية وتجارية واقتصادية وإنسانية، هو نتيجـة عمل مجموعة من الروّاد عبر التاريخ، سواء بشكل فردي منهم أو بشكـل مؤسّسي.

 

والشركات الرياديّة -باختصـار- هي الشركات التي تحترف المخاطرة واقتحام المجهـول بحذر مدروس، وهي التي تستطيع أن تحوّل الخطـورة إلى إيجابيـات تجني نتائجها هي أولاً، ومن ثم تفيد العالم كلـه من ورائها، اليوم نتخذ من شركة "بوينغ" لصناعة الطائرات مثالاً واضحاً للمُراد توضيحه بخصوص "المخاطرة" من أجل الوصول إلى القمة والمخاطرة من أجل البقاء عليها. (1)

 

لحظات عصيبة
الزمان: العام 1952 م

المكان: المبنى الإداري لشركة بوينغ لصنـاعة الطائرات.

الحدث: اجتمـاع لفريق مجلس إدارة الشركـة.

سبب الاجتماع: دراسة لاتخاذ قرار غير مسبوق في تاريخ الشركة، وهو البدء في دخولها لتصنيع عالم الطائرات المدنية التجارية، بعد مرور سنوات أقل وصف لها بأنها سنوات عصيبة.
 

كان أربعـة أخماس تعامل بوينغ خلال فترة طويلة مُركزة مع عميـل واحد فقط، وهو الجيش. وكانت معظم صناعات الشركة موجّهة بشكل أساسي إلى الصناعات العسكـرية

غيتي 
 

كانت قد مضت 7 سنوات على انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، وشركة بوينغ بالأساس كانت تقوم بصناعة الطائرات بشكل كُلّي تقريباً للقوات الجوية التابعة للجيش؛ حيث قامت بتوريد مجموعة من أهم الطائرات العسكـرية للجيش الأميـركي الذي شارك في الحرب العالمية الثانية.

 

وبعدا انتهاء الحرب بدأت التعاقدات تُفسَخ تدريجياً ولم يعد هناك حاجة لتوريد مستمرّ للطائرات العسكرية إلى الجيش، فقد تناقص الطلب بشكـل كبير على التصنيع الحربي؛ فبدأت مصانع بوينغ الضخمة في التباطؤ تدريجياً، ولم تعد تدر كما كانت أيام الحرب العالمية، الأمر الذي اضطرها لتسريح آلاف العاملين لديها بسبب أزمة ركود كبيرة أصابتها، باختصار لقد كانت الشركة تمرّ بأزمة وجودية حقيقيـة من النوع الثقيل الذي يجعل من الضـروري اتخاذ قرارات أبعد ما تكون عن التقليديــة.

 

البحث عن ثغرة
الحقيقة أن هذا التوجّه الجديد كان اضطرارياً ولم يكن خياراً مطروحاً، ولم يكن من الطبيعي في هذه الفترة العصيبة أن تتوجّـه أنظار الشركة -التي احترفت تصنيع طائرات عسكـرية- إلى سوق الطيران التجاري، فبدأت في دراسة وتخطيط العمــل على بدء تصنيع طائرات تجارية؛ بحيث يجب أن تكون جيدة بشكل كافٍ لتجد موطئ قدم لها في السوق وهو ما كان أمراً صعباً للغاية.

كان ثمة ميزة مهمة تفرّدت بها بوينغ وهي قدرتها على بناء طائرات نفّـاثة، هذا النوع من الطائرات كان للاستخدام العسكـري، ولم يكن معتاداً في سوق الطيران التجاري

غيتي
 

عندما بدأت تتحرّى عن مدى استجابة السوق لمنتج تجاري يخرج من مصانعها، كانت معظم ردود الأفعال لخطوط الطيران في أميركا وأوروبا سلبية، وغير مُتشجعة لطائرات تجارية تصنعها بوينغ، وكان موقفهم يتلخص في:

"بويـنغ تقوم بصنـاعة قاذفات حربية جيدة.. فقط!"

 

لكن في الأفق كان ثمة ميزة مهمة تفرّدت بها بوينغ بعد فترة طويلة من التصنيع للطائرات الحـربية، وهي قدرتها على بناء طائرات نفّـاثة، وهذا النوع من الطائرات كان مخصصا للاستخدام العسكـري، ولم يكن معتاداً في سوق الطيران التجاري سوى الطائرات الكبيرة التي تعمل بالمراوح.

 

لقد كان أمام بوينغ خيــارا واحدا فقط للدخول في عالم "الطيران التجاري" وهو البدء في تصنيع أول طائرة نفّــاثة لأغراض تجارية، بتصميم مختلف تماماً عن الطائرات الحربية بأدوات مختلفة تماماً، بأجهزة مختلفة تماماً ودعاية مختلفة بمعدلات مخاطر مختلفة فكل شيء مختلف تماماً.

 

لكن ما الذي تكلفه صناعة هذه الطائرات وطرحها للسوق المدني؟ إنه ثلاثة أضعاف صافي أرباح الشركة خلال السنوات الخمسة الماضية؛ أي حوالي ربع القيمة الإجمالية للشركة تقريباً! (1)

 

الضربة الأولى
اتخذت إدارة بوينغ القرار وقررت الخوض في هذه المهمة الانتحارية والدخول في سوق الطيران المدنى المُشبّع بالمنافسين، والممتلئ باستخفاف من خطوط الطيران المدنية، وقررت بوينغ بناء طائرة مدنية، ووضعت لها الاسم 707، وقررت إدخال الطيران المدني إلى عصر الطائرات النفاثة. (2)

مجسم لطائرة بوينج 707 وهي أول طائرة مدنية تنتجها شركة بوينج

غيتي
 

أثارت هذه الخطوة ضجة كبيرة، وهو الأمر الذي جعل أكبر شركات الطيران المدني في الولايات المتحدة شركة ماكدونالد دوجلاس التي تعتبر أكبر شركة طيران تجاري في تلك الفترة تدرس الموضوع جيداً، لتخلص إلى نتيجة أن دخول بوينغ في المنافسة بتصنيع طائرة تجارية نفاثة هو أمر خاطئ تماماً.

 

وأعلنت الشركة الكبيرة تمسّكها بتطوير الطائرات التجارية التي تعمل بمراوح البستون باعتبارها تحقق نتائج ممتازة وتؤدي الغرض وتشهد عمليـات تطوير كبيـرة في تلك الفتـرة، وانتظـر الجميع -في ترقّب- طائرة بوينغ الجديدة وتطوّرها في السوق.


وبقدوم العام 1957 كانت معظم شركات الطيران في الولايات المتحدة وأوروبا تُهرع من أجل استبدال طائراتها ذات المراوح بطائرات بوينغ النفاثة؛ حتى وصف هذا العام 1957)بأنه عام سباق استبدال الطائرات.

 

لقد كان الأمر مفاجأة عنيفة للشركات ذات الثقل الكبير في الطيران المدني، حتى إن شركة دوجلاس المنافسة هرعت بعد مرور فتــرة من طرح بوينغ لطائرتها، إلى تصميم طائرة نفاثة هي الأخرى في محاولة لمنافسة بوينغ، ولكن -كما قلنا في البداية- الريادي الذي يقتحم أولاً ينال المجد كله، لم تستطع دوجلاس منافسة بوينغ لفتـرة طويلة، حتى بعد أن عرضت منتجات شبيهة.

 

تحدّيات صعبة
ولم تنتهي الأمور عند هذا الحد فمع قدوم الستينيات وقدرة بوينغ في جذب كافة أنظـار العالم لها كشركـة طيران متميزة في المجال المدني التجاري -بعد سمعة طويلة في المجال الحربي- ، بدا أن هنـاك تحدياً كبيراً يظهر في الأفق مرة أخرى. على الرغم من أن الطائرة كانت تحقق مردوداً جيداً للغاية، إلا أن أحد الطلبات التي وصلت إلى بوينغ من أحد كبار عمـلائها (خطوط طيران Western Air Lines) تطلب منها تصنيع طائرة بمواصفات بدت شبه مستحيلة في ذلك العصر.

 

مجموعة من أحدث طائرات بوينج 727 التي حققت نجاحا هائلاً في سوق الطائرات المدنية فور صدورها

غيتي
 

لقد كان المطلوب من بوينغ تصنيع طائرة نفاثة يمكنها الهبوط على ممر طائرة قصير نسبياً، وأن تكون قادرة على الطيران بلا توقف من مدينة نيـويورك إلى مدينة ميامي، وأن يتسع جسد الطائرة لستة مقاعد بالعرض، وأن تحمل 131 شخصاً؛ فضـلاً أن تكون مستوفية لشروط الأمان.

 

باختصار لقد كانت طلبات شبـه تعجيزيـة والمشكلة الأكبر أنها تضع بوينغ في مأزق حقيقي؛ بحيث لا يمكنها الرفض من ناحية -بسبب السمعة الكبيرة التي حصلت عليها مؤخراً-، ومن ناحية أخرى إذا قدّمت طائرة ضعيفة الإمكانيات، فمن المؤكد أن السوق لن يتعامل معها باعتبارها شركة رائدة.

الشركات المنافسة لبوينغ بدأت في طرح طائرات لها بعض المواصفات الشبيهة بطائرة بوينع 727 بعد عامين كاملين من طرحها، وهو ما جعلها متراجعة دائماً

 

والمأزق الأكبر أن شركة دوجلاس المنافسة لبوينغ دخلت بالفعل فى سوق صناعة الطائرات النفاثة، وإذا فشلت بوينغ في صناعة هذه الطائرة؛ فسوف تكرّس الشركـات الأخرى كافة مجهوداتها لبنائها، ومن ثم سحب الريادة من تحت أقدام بوينغ.

 

قبلت بوينغ التحدي وقامت بتصنيع طائرتها المميـزة 727، والتي حققت نجاحاً هائلاً في أوساط عالم الطيران برمّته، لدرجة أن التقدير المبدئي الذي وضعته بوينغ لتوزيع هذه الطائرة كان حوالي 300 طائرة، ولكنها باعت أكثر من 1800 طائرة لشركات الطيران حول العالم، ما جعلها أكثر الطائرات استخداماً من جانب خطوط الطيران . (1، 3)

 

ومع مرور الوقت كانت الهوّة بين بوينغ "الوافدة جديداً إلى عالم الطيران المدني والتجاري"، وبين أكبر شركات الطيران المدنى تتسع بشكل كبير وبسرعة مدهشة.

 

سوف نصنعها
بثد أصبح السوق كله في يد بوينغ وشركات الطيران العملاقة حول العالم تقوم باستبدال أساطيلها الجوية بطائرات بوينغ، والمنافسون لبوينغ يتراجعون طوال الوقت، وقد بدأت الشركات المنافسة لبوينغ في طرح طائرات لها بعض المواصفات الشبيهة بطائرة بوينع 727 بعد عامين كاملين من طرحها، وهو ما جعلها متراجعة دائماً.

في عام 1965 أعلنت بوينغ عن أكثر خطوة جراءة لها على الإطلاق، وربما الأكثر جرأة في تاريخ صناعة الطيران، عندمـا قررت بناء طائرة بوينغ عمـلاقة باسم بوينغ 747

غيتي
ورغم أن كل الإشارات -المنطقية- تقول إن بوينغ يمكن أن تدخل في منطقة الراحة Comfort Zone، وتتابع إنتاج طائراتها المستحوذة على السوق، قبل التفكيـر في طائرة أخرى جديدة، ولكن هذا لم يحدث ففي العام 1965 أعلنت بوينغ عن أكثر خطوة جراءة لها على الإطلاق، وربما الأكثر جرأة في تاريخ صناعة الطيران، عندمـا قررت بناء طائرة بوينغ عمـلاقة باسم بوينغ 747 (أكثر طائرات بوينغ شهـرة حتى الآن).

 

كانت طائرة عملاقة بكافة المقاييس وتكلف موارد ضخمة، الأمر الذي جعل مجلس الإدارة نفسـه يتردد طويلاً، وتعالت بعض الأصوات بضرورة تراجع بوينغ عن تنفيذ المشروع؛ إلا أن رئيس الشركة وقتئذ ويليام آلان أعلن بوضوح:

لن نتراجع طالما أعلنت بوينغ أنها سوف تصنع هذه الطائرة، فإنها سوف تصنعها.. حتى لو استنزفت كــل موارد الشركة !

 

لم يكن لبوينغ خيار آخر سوى النجاح بعد أن تم الإعلان الرسمي عن البدء في تصنيعها؛ لأن الفشل فى تصنيع الطائرة سيعتبـر هدية هائلة للمنافسين وعودتهم مرة أخرى لمحاولة سحب البساط من الشركة الرائدة.

 


وأثناء صنع الطائرة حدث أن علق أحد زوّار الشركة عليها قائلاً "سيد آلان بوينغ علقت الكثير من الآمال وخاطرت بالكثير جداً من أجل صناعة هذه الطائرة، فماذا ستفعل لو تحطمت الطائرة أو فشل المشروع؟"، صمت ويليام آلان قليلاً ثم قال "أفضّـل أن أتحدث عن شيء آخر أكثر ظرفاً، كأن نتحدث عن وقوع حرب نووية مثلاً !"  (4)

 

تم الإعلان عن البوينغ 747 ونجحت في الطيران وجذبت أنظـار العالم، وكالعادة تأخرت الشركات المنافسة عن تصنيع طائرات مشابهة لطائرات بوينغ، الأمر الذي عزز من قدم بوينغ الراسخة في عالم الطيران المدني الذي ما زال حتى الآن قائماً.

 

تجربة المخاطرة 

لا شك أن شركة بوينغ التي قمت باستعراضها كنموذج في هذ التقرير، هي واحدة من أكثر شركات العالم التي وصلت إلى مركزها الريادي الحالي من خلال اتباع منهجيـة المشروعات ذات المخاطر العالية، فقد اتخذت من الخطورة العالية طريقاً أساسياً لتحفيز تقدمها في السوق.

 

كل شركة -مهما كان حجمها- لها أهداف، ولكن الشركة تتحوّل إلى ريادية عندما تكون أهدافها عبارة عن تحديات ضخمة، تجعلها تلتزم بأعلى درجات الإصرار على تحقيقها

غيتي
 

إن الاختراق من خلال خوض مشروعات ذات خطورة عالية تقدم لك إما نجاحاً كبيراً يسمح لك بالتقدم عدة خطوات طويلة للأمام، أو سيمنحك فشلاً ذريعاً سيكبّدك خسائر فادحة حقيقية قد تؤدي إلى زوال مشروعك كله إذا لم يكن متماسكاً أمام هذه النوعية من الضربات.

 

هذه الآلية ليست الوحيدة في تحفيــز آليات التقدم -وإن كانت هي الأخطر في نتائجها طبعاً- إلا أن العديد من الشركات الريادية الكبرى فى مجالات مختلفة لا تحبذ الخوض في مشروعات ذات مخاطر عالية غير مضمونة العواقب من هذا النوع، وتلتزم بآليات تطوير واختراقات سوقية أخرى.

 

يجب أن تعرف أثناء تأسيسك لمشروعك الخاص -مهما كان صغيراً- أن اتخاذ طريق المشروعات ذات المخاطر، بمقدار ما هو يعرّضك لمشاكل وضغوط ومخاوف

فكل شركة -مهما كان حجمها- لها أهداف، ولكن الشركة تتحوّل إلى ريادية عندما تكون أهدافها عبارة عن تحديات ضخمة، تجعلها تلتزم بأعلى درجات الإصرار على تحقيقها، وما يرافق ذلك من تحسين هائل في الأداء والرؤى والالتزام بالتخطيط الصحيح وتقليل الأخطاء.

 

وعندما أعلن جون كينيدي في 25 مايو عام 1961 أن الأمة الأميركية يجب أن تأخذ على عاتقها هدف صعود الإنسان إلى القمر وعودته سالماً قبل انتهاء عقد الستينيات، كان هذا الهدف يعتبر تحدياً هائلاً وصعباً، لدرجة أن أكثر التقييمات العلمية تفاؤلاً حول فرص نجاحه هي 50 % فقط. (1)

 

كان في الإمكان أن يخرج التصريح الرسمي بصغية مخففة من نوع فلنحسّن برنامجنا الفضائي، ولكن وضع هدف صعب من هذا النوع والسعي إلى تحقيقه، كان في حد ذاته هو المطلوب لشحذ الولايات المتحدة للتحرك خطوات إلى الأمام في سياق تنافسها مع الاتحاد السوفييتي في غزو الفضاء، وهو ما تحقق بالفعل في النهاية.

 

وفي نفس السياق يجب أن تعرف أثناء تأسيسك لمشروعك الخاص -مهما كان صغيراً- أن اتخاذ طريق المشروعات ذات المخاطر، بمقدار ما هو يعرّضك لمشاكل وضغوط ومخاوف؛ إلا أنه يمثل في حد ذاته التزاماً واضحاً وملحاً ويزرع بداخلك روح المخاطرة والالتزام والرغبة في الإنجاز.

 

إلى جانب كل ما سبق ثمة جانب إنساني مهم هنا، وهو أن الأهداف عالية المخاطرة هي التي تجعل للحياة معنى أصلاً، وهي التي تضفي لها مزيجاً من الإثارة والمتعة، فكن حريصاً وحذراً ودارساً لحيثيات الأمور بأفضل ما يمكن ولا تحرم نفسك من تلك اللحظات العظيمة.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار