انضم إلينا
اغلاق
أزمة "الخلافة".. لماذا تنجح شركات وتتدهور أخرى؟

أزمة "الخلافة".. لماذا تنجح شركات وتتدهور أخرى؟

مقر شركة بروكتر أند غامبل في سينسيناتي بولاية أوهايو - الولايات المتحدة (رويترز)
  • ض
  • ض

"أيها السادة.. من أهم المسؤوليات المُلقاة على عاتقنا أن نتأكّد من استمرار وجود قيادة عليا ذات إمكانيات كبيرة تضمن استمرار نجاح شركتنا بعد رحيلنا. نحن دائما منفتحون بشأن "خطط الخلافة"، ونؤمن أن قيمة الاستمرار هي أكثر قيمنا أهمية على الإطلاق."

(روبرت غالفين(1)، المدير التنفيذي السابق لشركة موتورولا(2))

 

ذكرنا بالتفصيل في تقرير سابق(3) أن وجود "القائد المُخضرم" في شركة أو مؤسسة لا يُعد دليلا على نجاحها. وأوضحنا أنه من الحتمي أن يتم توجيه جهود الشركة تجاه صناعة "البوصلة" الاسترشادية، بدلا من الاكتفاء على الاعتماد الكامل على "قارئ النجوم" المخضرم الذي يرشد المجموعة للاتجاه الصحيح وفقا لمهاراته هو فقط.

 

في مرحلة ما من تاريخ أي مؤسسة سيظهر القائد المميز "قارئ النجوم" في الطليعة، ولكنه لن يستمر إلى الأبد. هنا يأتي دوره في تأسيس نظام مُتماسك يسمح للمجموعة كلها أن تستمر في الاتجاه الصحيح دائما، حتى بعد رحيله عن القيادة.

 

أي شركة لها أدنى معرفة بآليات الاستمرار، تولّي اهتماما خاصا بتدشين منهجية تطوير وتأهيل وانتقال المواهب الإدارية التي نمت بداخلها إلى الصفوف القيادية للتحكم والإدارة. هذه الخطوات هي خطوات "الصراع من أجل البقاء" بشكل أساسي، والتطلع إلى ما يحمله الغد من تحديّات قد لا تبدو واضحة الآن.

 

بمعنى آخر أكثر تركيزا: فقط الشركات الريادية يكون لدى إدارتها "خطط للخلافة" تضمن بقاءها أولا، وتحفظ ما حققته من إنجازات ثانيا.


الحفاظ على جوهر الشركة بالتوازي مع مواكبة العصر، وتطوير الإدارة، وتأهيل المرشحين من داخل الشركة، خطوات مهمة لصناعة الخليفة المنتظر

بكساباي
  
آلية صناعة الخليفة المُنتظر

في كتاب "البناء من أجل الاستمرار: العادات الناجحة للشركات الرائدة"(2)، تم تحليل آلية استمرار القيادة الناجحة في الشركات الريادية، وفقا لأربع مراحل، كل منها تؤدي إلى الأخرى:

 

المرحلة الأولى: الحفاظ على جوهر الشركة وتحفيز التقدّم الكاسح

هي مرحلة مُشتركة، تقوم فيها الإدارة العليا -الحالية- بالعمل على طريقين متوازيين:

- الحفاظ المستمر على تراث وأيديولوجية الشركة ومبادئها الرئيسة.

- الاهتمام بمنهجية تقدم كاسحة لا تتوقف سواءً في سرعتها أو في قدرتها على ملاءمة العصر.

 

المرحلة الثانية: تطوير الإدارة والتخطيط للخلافة

بناءً على المرحلة السابقة، من اتخاذ الإدارة العليا خطوات تنفيذية في طريق الحفاظ على مبادئ الشركة والاهتمام بالتطوّر، سينتج عنها تطويرات ممنهجة مستمرة في أسلوب الإدارة من ناحية، ووضع خطط الاستخلاف من ناحية أخرى.

 

المرحلة الثالثة: مُرشّحون مؤهلون من داخل الشركة

عندما يتم تطوير آليات الإدارة وخطط الاستخلاف، ووضع برامج تأهيلية تتطوّر باستمرار لتراعي مستجدات الحالة في الشركة والسوق ومتطلّبات العصر، سيظهر عدد كبير من المرشّحين الأقوياء من داخل الشركة يمكنهم القفز إلى دفّة القيادة في أي لحظة..

 

المرحلة الرابعة: استمرار القيادة الممتازة من داخل الشركة

بتولّي القادة المؤهّلون بشكل جيّد إدارة الشركة، مع وجود الانتماء الداخلي لهم -لأنهم صنيعة هذه الشركة بالأساس-، وكونهم على قدر كبير من التدريب والتأهيل للقيادة، فسوف تستمر القيادة الممتازة للشركة، مع وجود عدد كبير من البدائل.. وبالتالي، سيعودون للمرحلة الأولى، وهي "الحفاظ على جوهر الشركة"، مع تحفيز آليات التطوّر الكاسح.

 

آلية صناعة الخليفة

 

هذه الحلقة المترابطة والتي تؤدي إحداها إلى الأخرى، إذا تعطّلت إحدى مراحلها أو ضَعُفَ أداؤها، فسيؤدي ذلك حتما إلى تعطّل حركة القيادة السلسلة في المؤسسة، أو "تعطّل إداري" فادح، سيقود بدوره تلقائيا إلى بحث الشركة "مجبرة" عن مدير تنفيذي عام جديد من خارجها.

 

هنا تبدأ عجلة الأزمات بالدوران، فبمجرد توقف حلقة الانتقال السلس والكفء للقيادة داخل الشركة، والاستعانة بمدير تنفيذي خارجي، تبدأ الشركة في فقدان عقيدتها الجوهرية الأساسية، وتبدأ هويّتها في التحلل. الأمر الذي سوف يؤدي أيضا إلى مشكلة اضطرابات واضحة في القيادة، حتما تنعكس على أداء الشركة وتؤدي بها إلى التدهور على المدى الزمني القريب ثم البعيد -إذا لم تتم معالجة الأزمة-. وهذه الحالة يمكن تسميتها باسم "مرض ثغرة القيادة والبحث عن منقذ".

                                             

النموذج الأول: تراجع كولغيت أمام بروكتر أند غامبل.. ماذا حدث؟

يمكنك أن تعتبر كل من "كولغيت"(4) و"بي أند جي" (P&G(5) بمثابة فرسي الرهان. كل منهما نشأ في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وكل منهما يعمل في نفس المجال تقريبا " صناعة المنظفات والمستلزمات للعناية الشخصية ". وكل منهما استمرّ في تقديم أداء ملفت متصاعد على مدار قرن كامل تقريبا.

 

في بداية القرن العشرين، وعلى مدار عقودها الأولى كانت الشركتان تسيران على نفس المنوال، مع بعض التراجعات أو التطوّرات الطبيعية، ولكن في المجمل كان كل منهما يقدّم آداءً متميزا أقام ما يشبه حالة توازن ما بين المتنافسين التاريخيين، وإن كان -بحسب كل القراءات- دائما الكفّة تميل الى كولغيت صاحبة العقيدة والقيم الأساسية القوية التي صاغها أستاذها الروحي "ويليام كولغيت".

 

 
ثغرة القيادة في كولغيت

بحلول الأربعينيات من القرن العشرين، تغيّر كل شيء. ففي الوقت الذي بدت فيها "بي أند جي"  ثابتة وتحقق تطورا مستمرا، بدأ الوهن يدبّ في أوصال كولغيت بشكل ملحوظ، وصل إلى حد التدهور الشديد. صار حجمها أقل من نصف حجم شركة منافستها "بي أند جي".  وبدأ مجمل أرباحها في الانخفاض لدرجة أنها أصبحت أقل من ربع ربحيّة "بي أند جي". والسبب في هذا التدهور الذي حلّ بكولغيت هو انهيار نظام التخطيط للخلافة تدريجيا في بدايات القرن العشرين، الأمر الذي جعلها تمرّ بكافة مراحل التدهور المذكورة في الرسم أعلاه، وتخوض مرض "ثغرة القيادة".

 

بدأت الشركة تواجه أزمة حادة في نقص الخلفاء المؤهلين لإدارتها؛ حيث لم يكن هناك في تلك الفترة أفراد من عائلة كولغيت مؤهلين للقيادة، إما كبار السن جدا أو صغار السن جدا، أو أشخاصٌ غير مؤهلين لهذا المنصب. هذه الحالة جعلت الإخوة يشعرون بالذعر، مع ملاحظة تراجع أداء الشركة، وفراغ منصب القيادة فيها؛ مما جعلهم يقعون في مأزق "البحث عن مُنقذ" مهما كان الثمن. وهو الذي جعلهم يرضخون للموافقة على صفقة دمج "بالموليف بيت" مع كولغيت، والإتيان بإدارة خارجية غريبة عن كولغيت لإدارتها.

 

بمجرد قدوم إدارة جديدة خارجية من الشركة، بدا واضحا أن المدير التنفيذي العام للشركة المُدمجة "تشارلز بيرس" الذي لا علاقة له بشركة كولغيت من قريب أو من بعيد، يقود كولغيت للتدهور. حيث تجاهل قيمها الجوهرية الأساسية، واهتم بالتوسّع والدمج، وقام بنقل إدارة الشركة من نيوجيرسي -حيث كانت قريبة من مقر مصانعها- إلى مدينة شيكاغو. وخلال خمس سنوات فقط انخفض معدل المبيعات إلى النصف، بينما زاد معدل المبيعات في نفس الفترة في بروكتر أند غامبل بنسبة جيدة.

 

أسرف بيرس في انتهاك عقيدة كولغيت الأساسية، الأمر الذي أدّى إلى تدهور علاقتها الكامل مع زبائنها، وموظفيها، وعملائها من تجار التجزئة، ما بدا أن الشركة تعاني أزمة عنيفة من الداخل والخارج، قد تتسبب في تراجعها بشكل حاد لاحقا.

 

ساعة كولغيت في منهاتن تم تشغيلها في 1924 ، تقع في الموقع السابق للشركة (مواقع التواصل)

 

تنبّهت عائلة كولغيت للوضع الحرج الذي أصاب الشركة بسبب تغيّر قِيمها الأساسية بالكامل، فقامت بإحلال "بايارد كولغيت" -وكان في السادسة والثلاثين من عمره- محل بيرس كمدير تنفيذي للشركة، في محاولة لاستعادة أمجاد الشركة بأحد أبنائها. فقام ببعض الخطوات البسيطة، وحاول إحياء قيم كولغيت مرة أخرى، ولكن الأزمات في الشركة كانت تفوق قدرات بايارد الذي لم يتم إعداده وتجهيزه للقيادة أصلا.

 

وأخيرا، تنازل بايارد كولغيت عن المنصب لإدوارد تل مدير المبيعات الدولي للشركة، وكانت هذه اللحظة التي يمكن القول فيها أن كولغيت قد تخلَّفت عن منافستها "بي أند جي" للأبد مع ازدياد الهوّة بين الغريمين، لأن كولغيت على مدار العقود التالية كان لديها "ثغرة قيادة" ونقص حاد في المؤهلين لقيادتها.

 

هذه الثغرة في القيادة في كولغيت، تمددت آثارها لتشمل كل شيء. حيث تراجع أداء الموظفين، وتراجع قطاع البحوث والتطوير بشدة، فضلا عن نشوب أزمة صراع بين المدراء التنفيذيين المتعاقبين -جميعهم من خارج كولغيت-، الأمر الذي جعلها تفقد قدرتها تماما على مسايرة "بروكتر أند غامبل".

 

في المقابل، الخلافة الجاهزة في "بي أند جي"

على العكس تماما من كولغيت، لم تعانِ بروكتر أند غامبل من تقلبات إدارية حادة، على الرغم من أنها تحوّلت كذلك من سيطرة العائلة المؤسّسة إلى المدراء التنفيذيين الخبراء. ولكن بمنهجية صحيحة وفعّالة.

 

 ويليام كوبر بروكتر مؤسس "بي آند جي" بروكيت آند غامبل (1862-1934(مواقع التواصل)

 

في عقد العشرينيات من القرن العشرين، في الوقت الذي أهملت فيه كولغيت تطوير خطط لإعداد خلفاء مميزين، كان كوبر بروكتر(6) مدير "بي أند جي" يقضي وقتا طويلا في الاعتناء بتأهيل القادة الجدد، على رأسهم "ريتشارد دوبري" لتولّي مهام القيادة التنفيذية من وراءه بسلاسة.

 

ريتشارد دوبري، رغم أنه لم يكن من عائلة بروكتر، إلا أنه التحق بالشركة في العام 1909، وأمضى فيها حوالي 20 عاما ليصبح مديراً للتشغيل سنة 1928، وهو نفس العام الذي استقدمت فيه كولغيت مديرا تنفيذيا خارجيا لتولي القيادة.

 

تولي دوبري الإدارة التنفيذية للشركة عام 1930، بعد تأهيله وإعداده بشكل كبير بواسطة عائلة بروكتر، فضلا من كونه قديما في الشركة ومتشرّبا لمبادئها الأساسية، فحقق نجاحا هائلا على مدى 18 عاما فترة إدارته للشركة، قام خلالها -أيضا- بتطوير خطط تأهيلية تدريبية لكوادر مختلفة تصلح للقيادة بعد رحيله. وهو ما استمر بالفعل بقدوم مدراء تنفيذيين على قدر عالٍ من الكفاءة، استطاعوا أن يقودوا الشركة دون تقلّبات كبيرة في أدائها.

 

بمعنى أكثر اختصارا، تنبّهت بروكتر أند غامبل لأهمية التطوير المستمر للكوادر الإدارية وتأهيل المبدعين منهم لقيادة المهام الأساسية في الشركة تحت أي مستوى، بحيث لا تترك نهائيا أية ثغرات قيادة قد تتسبب في عرقلة مسيرة الشركة واستمرارها وتطوّرها.

 

أبرز تعبير عن هذه الحالة المتميز لـ"بي أند جي" ، ما جاء في مجلة "دينز ريفيو" في التسعينيات، موضّحا تميز الشركة:(2) "إن برنامج بروكتر أند غامبل لرفع كفاءة المدراء، هو برنامج شامل ومتوافق مع الجميع. يمكن القول إنَّ الشركة لديها مواهب متراصّة متأهبة للتفعيل فورا في كل وظيفة وفي كل مستوى!"  

 

يوجين ف. ماكدونالد مؤسس "إلكترونيات زينيث" (1886-1958) (مواقع التواصل)

 

النموذج الثاني: زينيث في مواجهة موتورولا.. ثغرة القيادة مقابل مخزون الكفاءات

شركة زينيث للإلكترونيات(7) تأسست في العام 1918، تقريبا في نفس الإطار الزمني الذي تأسست فيه الشركة المنافسة لها -موتورولا-(8) في العام 1928. وكان كل منهما يمثل منافسا تقليديا للآخر. وكانت رحلة كل من الشركتين قوية ومؤثرة، حيث بدأت كلاهما تحت قبضتي قائدين مُلهمين، حيث كان "يوجين ف. ماكدونالد"(9) وهو العقل القيادي المنظّم الصارم المُبدع الذي وضع أساسيات شركة زينيث ونجاحها على مدار 40 سنة من تأسيسها، حتى رحيله في العام 1958. بينما كان في الناحية الأخرى، "بول غالفين"(10) مؤسس موتورولا على قدر عالٍ من الكفاءة الإدارية والمهارية والفنية في رصد السوق وتطوير منتجات موتورولا وتركيزه الكاسح على "الجودة" كقيمة جوهرية للشركة.

 

أزمة الخلافة في "زينيث إلكترونيكس"

في العام 1958، توفي يوجين ماكدونالد العقل والمؤسس لشركة زينيث، الذي كان يعتبر أيقونة كبيرة في صناعة الإلكترونيات في تلك الفترة، ولكنه لم يترك وراءه خلفاء أقوياء قادرين على إدارة الشركة من بعده. كانت "زينيث" هي ماكدونالد، وماكدونالد هو زينيث. بلا أي مبالغة. وهنا ظهرت ثغرة القيادة الخطيرة، فبعد وفاته تولّي إدارة الشركة أقرب زملائه من بعده، وكان قد جاوز السبعين من العمر، الأمر الذي جعله يستمر في منصبه سنتين فقط، ثم يتركه لمستشار الشركة "جوزيف رايت".

 

تعامل المدير التنفيذي الجديد مع منصبه بتحفّظ شديد، وبدأ في اتخاذ إجراءات جعلت الشركة تتخلى عن قيمها الجوهرية التي بناها ماكدونالد، والتي تركز على الابتكار والجودة بشكل فائق. ثم تولى المنصب مدير ثالث، لم يستمر في منصبه سوى عامين إلى أن وافته المنية. وهنا، بدأت الثغرة تتفاقم في جسد زينيث، وبدأت الخطوة التالية بضرورة الاستعانة "بالمنقذ" الخارجي، فتم الاستعانة بجون نفين الذي كان يعمل في شركة فورد للسيارات، والذي لم يقدم أي آداء يذكر سوى المزيد من ابتعاد زينيث عن قيمها الأساسية.

 

ثم عادت مرة أخرى الشركة للاستعانة بجوزيف رايت الذي كان قد أحيل للتقاعد -لاحِظ التخبّط-، ليحاول أن يوقف الشركة على قدميها، ولكن وافته المنيّة. لتدخل زينيث في دوّامة طويلة لا تنتهي مِن "أزمات القيادة".

 

تقدم موتورولا مثالا نموذجيا لمفهوم الخلافة عالي الكفاءة، وهو الأمر الذي يسمح باستمرار الشركة بعيدا عن المشاكل، وتقدمها في المنافسة مهما كانت العقبات

بكساباي

 

مخزون الكفاءات في موتورولا

في المقابل، لم تواجه موتورولا هذه المشكلة التي أثرت بشدة في غريمتها زينيث. كانت موتورولا على قدر كبير من الاستعداد لهذه المرحلة، عن طريق تقديم مثال نموذجي لمفهوم الخلافة عالي الكفاءة، الذي يسمح باستمرار الشركة بعيدا عن المشاكل، وتقدمها في المنافسة مهما كانت العقبات. حيث كان بول غالفين يعي تماما خطورة "ثغرة القيادة"، فبدأ في إعداد ابنه "بوب غالفين" -الذي أشرنا لاقتباسه في بداية هذا التقرير- بتدريبه المكثف على مدار سنوات طويلة بخصوص الإدارة، وهو لا يزال طالبا في المدرسة الثانوية.

 

مرّت موتورولا في إحدى مراحلها بما يبدو اختباراً لقوة الإدارة، عندما قرر أحد أهم أعضاء المكتب التنفيذي أن يغادرها فجأة. كان هذا الانتقال المفاجئ يحمل بوادر خطورة قد تؤدي إلى اضطرابات إدارية.  لكن هذا لم يحدث إطلاقا مع موتورولا فقد كانت تحتفظ بـ "احتياطي إستراتيجي" للكفاءات لمثل هذا اليوم

استمر بوب غالفين يعمل في الشركة لمدة 19 عاما تدرّج فيها في كل المناصب الدنيا والوسطى والعليا، وتشرّب كافة مفاهيم الإدارة والأعمال في الشركة، حتى تولي إدارتها التنفيذية وهو على قدر كبير من معرفة كافة التفاصيل. وعندما تولى بوب المسؤولية، سار بشكل ممنهج في طريق بناء كوادر إدارية متميزة، حيث استبدل مفهوم "المدير التنفيذي" بمفهوم "المكتب العام التنفيذي"، أي أنه قام بوضع فريق كامل في منصب الإدارة العامة، بدلا من شخص واحد فقط.

 

كما بدأ نظام تدريب وتأهيل قوي لكافة الكوادر في كافة الأقسام بشكل إداري ومهني، حتى أنه كتب يقول في مذكراته بعد أن ترك إدارة الشركة بعد 25 عاما: "كان هناك دائما فهم خاص وواضح لترتيب الخلافة، فقد كنا دائما مستعدين لأي تغييرات طارئة قد تحدث، بغضّ النظر عن الوقت، وذلك على مدار الـ25 عاما التي كنتُ فيها عضواً في المكتب التنفيذي"

 

النتيجة أن موتورولا لم يُعرف عنها انها مرّت بأزمة مُعاناة في القيادة -على الأقل كما عانت زينيث غريمتها التقليدية -، فقد كانت موتورولا دائما تعيد اكتشاف نفسها بشكل مستمر بتجديد دمائها الإدارية وتطويرها من ناحية، وما ينعكس على تطوير المنتجات والأنظمة التي تنتجها من ناحية أخرى.

 

وكمثال على ذلك: مرّت الشركة في إحدى مراحلها بما يبدو اختباراً لقوة الإدارة بها، عندما قرر أحد أهم أعضاء المكتب التنفيذي "جورج فيشر" في الشركة عام 1993، أن يغادرها فجأة، ويذهب إلى شركة كوداك(11) ليتولى منصب المدير العام التنفيذي. كان هذا الانتقال المفاجئ يحمل بوادر خطورة كبيرة، لأن ترك مدير تنفيذي بهذه الكفاءة للشركة على نحو مفاجئ، يؤدي غالبا إلى اضطراب وفوضى وثغرات إدارية.

 

ولكن هذا لم يحدث إطلاقا مع موتورولا، فقد تولّى العضوان الآخران في المكتب العام التنفيذي -يضم عادة 3 مدراء تنفيذيين- المسؤولية الإضافية التي كان يشغلها المدير الثالث، وقاما بمعالجتها باقتدار. في نفس الوقت قامت موتورولا -بسهولة- ببدء عملية داخلية لتصعيد عضو ثالث للمكتب التنفيذي، من خلال "الاحتياطي الإستراتيجي" للكفاءات التي تحتفظ بها لمثل هذا اليوم! وقد اختصرت صحيفة النيويورك تايمز هذه الحالة المتميزة لصمود موتورولا أمام ثغرات القيادة، بمقالة عنوانها "موتورولا ستكون بخير .. وشكرا!"(12)

 

عندما تقرأ أو تسمع عن شركة رائدة دخلت في طريق التدهور بعد سنوات طويلة من التميز والإبداع والريادة، تأكد فورا أن بها أزمة قيادة

بكسلز
  
الخلاصة

عندما تقرأ أو تسمع عن شركة رائدة -مهما كان مجالها- دخلت في طريق التدهور بعد سنوات طويلة من التميز والإبداع والريادة، تأكد فورا أن بها أزمة قيادة. ثغرة خطيرة حدثت في هيكلها الإداري الرئيس أدّى إلى حدوث شلل في مفاصلها وأفكارها وتحرّكاتها وقدرتها على الاختراق.

 

هذا التقرير يخبرك بنتيجة بسيطة مفادها أن أهم وأخطر المعايير الإدارية التي يجب أن يرتكز عليها أي رائد أعمال لأي شركة، هو العمل على تحضير وتأهيل كوادر من داخل الشركة -ولاؤهم مشهود للشركة-، بحيث يمكنهم الدخول فورا إلى دفّة القيادة وقتما استدعت الحاجة، دون أن تحدث "ثغرة القيادة" التي تؤدي إلى سلسلة من التدهور قد يصل لمرحلة الانهيار.

 

القضية التي يجب أن ينشغل بها رائد الأعمال المؤسس لا تقتصر فقط على إدارة الجيل الحالي لشركته، وإنما الحفاظ على أداء حيوي للشركة في الجيل القادم والذي يليه. القادة يرحلون، ولكن شركاتهم الريادية تستمر طويلا مخلّدة ذكراهم، ربما لقُرون!

أكثر 20 مدينة جذبا للزوار عالميا خلال العام 2016

تقارير متصدرة


آخر الأخبار