انضم إلينا
اغلاق
ندم الكبار.. أسوأ القرارات التي اتخذتها شركات التقنية

ندم الكبار.. أسوأ القرارات التي اتخذتها شركات التقنية

  • ض
  • ض
في تقرير سابق، استعرضنا مجموعة من الأخطاء القاتلة التي وقعت فيها مجموعة من الشركات العالمية، والتي كان من نتائجها إما تكبّدها خسائر فادحة -أدّت لانهيارها أحيانا-، أو تعطّــل مسارها لفتـرة، أو في أفضل الأمور أدّت إلى خسارتها فرصا هائلة كان من الممكن أن تؤدي بها إلى انتشار أوسع وأرباح أكبر.

 

في العادة، يتم تقديم بعض هذه المواقف باعتبارها مزيجا من الإثارة والطرفة، وهذا صحيح، ولكن بمقدار ما تحمله هذه المواقف من إثارة، فالمفتـرض أن يتعامل معها أي رائد أعمال أو صاحب شركة ناشئة أو حتى أي شخص مُهتم بدخول عالم الأعمال في مرحلة ما من مراحل حياته باعتبارها نماذج واضحة لمفهوم الأخطاء القاتلة، ومن ثمّ بناء خلفيـة من الحذر والتعمّق في دراسة الظروف والتمهّل في اتخاذ القرارات بالنسبة لأي رائد أعمال.

 

الأخطاء لا تعني فقط الإقدام على تنفيذ قرارات خاطئة، وإنما تعني أيضا -في كثير من الأحيان- الامتناع عن اتخاذ القرارات، واتخاذ موقف سلبي لاستغلال فرصة قد تبدو واهية، وهي في الواقع تحمل في طيّـاتها كنوزا من الذهب.

 

هنا نستكمل مجموعة من الأخطاء القاتلة التي ارتكبتها مجموعة من الشركات، أو الفرص الضائعة التي امتنعت عنها شركات أخرى رغم أنها جاءت لها على طبق من ذهب.

 

لقد أفسدنا الأمر بكل الطرق الممكنة

في عالم ما قبل فيسبوك وتويتر ولينكد إن، وحتى يوتيوب، في النصف الأول من العقد الأول في الألفية الجديدة، وبالتحديد في عام 2004، كانت العلامة التجارية الأشهر في عالم الشبكات الاجتماعية على الإنترنت هي شبكة "ماي سبيس" (MySpace) التي كانت الأكثر والأسرع نموا في تلك الفترة(1).

 

 

كانت شبكة "ماي سبيس" تبدو واعدة منذ يومها الأول، حتى إنه تم تسجيل مليون عضـوية في أول شهـر فقط منذ بدء انطلاقها، كانت الشبكة تضم مزيجا فريدا غير مسبوق -في تلك الفتـرة- لأطياف متعددة مختلفة من المستخدمين، بدءا من المراهقين مرورا بطلاب الجامعات وحتى كبار السن، وبقدوم عام 2005، أصبحت شبكة "ماي سبيس" هي خامس موقع من حيث الزيارات في الولايات المتحدة كلها.

 

مع هذا الإقبال الضخم كان من الطبيعي أن تلفت هذه الشبكة أنظار المستثمرين الكبار، وعلى رأسهم روبرت ميردوخ -واحد من أكبر مليارديرات العالم- الذي تقدم بعرض شراء الشركة المؤسسة لـ "ماي سبيس" في عام 2005 مقابل مبلغ كبير وصل إلى 580 مليون دولار(2).

 

لاحقا، ووفقا لتصريحات أدلى بها مؤسس ماي سبيس ومديرها التنفيذي كريس دي وولف، أن روبرت ميردوخ قام فور استحواذه على ماي سبيس بالعمل سريعا على استغلال الشعبية الهائلة التي يحققها الموقع لتحقيق أرباح سريعة دون إبطاء، فقام بالتوسّع الشديد في ملء الموقع بالإعلانات التي فاجئت المستخدمين، والذين بدأوا في الانسحاب تدريجيا إلى شبكة اجتماعية ناشئة جديدة -آنذاك- اسمها فيسبوك والتي لم يكن لديها أية إعلانات.

 

بقدوم عام 2008 كان عدد مستخدمي الموقع قد وصل لقرابة 80 مليونا، ولكنه كان يُبدي تراجعا واضحا أمام فيسبوك، ثم جاء عام 2011، عندما قام مردوخ ببيـع ماي سبيس مقابل 35 مليون دولار، وهو مبلغ ضئيل لا يساوي حتى عُشـر المبلغ الذي دفعه عند شرائه في 2004!

كتب روبرت ميردوخ بعد صفقـة بيعه لـ "ماي سبيس" على تويتر قائلا:

 

لقد أفسدنا الأمر بكل الطرق الممكنة، وتعلمنا الكثير من الدروس القيّمة الغالية(3)!


الفيل يرفض البرغوث.. البرغوث يهزم الفيل!

عقــد الثمانينيات في أميركا كان له العديد من الأمور المميزة المرتبطة به، من بينها كان اسم "بلوك باستر" (Blockbuster) الشركة الكبرى الضخمة ذائعة الصيت في عالم أفلام الفيديو المنزلي والتي اُعتبرت النافذة الأولى لنشر وتسويق الأفلام الأميركية بعد نزولها من خشبة السينما والبدء في انتشارها في المنازل.

 

 

وصلت ضخامة الشركة وتنوّع أعمالها لدرجة أنها توسّعت لتشمـل قرابة 10 آلاف متجـر تابع لها يبيع أشهر وأهم أفلام السينما حول العالم، مع إجمالي إيرادات سنوي هائل يقدر بقرابة ستـة مليارات دولار، ما يعني -بشكل أو بآخر- استحواذا كاملا على صناعة وتوزيع الأفلام المنزلية طوال فتـرة الثمانينيات وبداية التسعينيات.

 

بقدوم التسعينيات بدأت المعادلة تتغيـّر تدريجيا مع الانتشار الهائل السريع لشبكة الإنترنت عالميا، الأمر الذي كان مؤشرا مهما لكل الشركات أن ثمة موجة ما جديدة قادمة ستغيّـر كافة ملامح الحياة التقليدية ويتم إحلالها بهذه الشبكة المتنامية، حتى فيما يخص مشاهدة الأفلام كذلك.

 

في نهاية التسعينيات، تأسست شركة صغيـرة ناشئة متخصصة في توزيع الأفلام تسمّى شركة "نيتفلكس" (Netflix) ركّزت نشاطها على تقديم خدمة توزيع أقراص الـ "دي في دي" عبر شبكة الإنترنت بوسائلها المختلفة، الأمر الذي جعلها تحقق انتشارا هائلا في زمن قياسي، وشعبية هائلة استُمِدّت أساسا من سرعة توسّع الإنترنت.

 

بقدوم عام 2000، ومع النجاح السريع الذي تحققه، تقدم المديرون التنفيذيون لشركة "نيتفلكس" الوليدة بعرض إلى شركة "بلوك باستر" العملاقة بأن تقوم شركة "بلوك باستر" بدفع مبلغ 50 مليون دولار كمقابل للاستحواذ على "نيتفلكس" التي سوف تساعدها في تطوير نظـام جديد لبيع الأفلام ومشاهدتها عبر الإنترنت بخدماته المختلفة، وهو الأمر الذي أثار سخـرية المدير التنفيذي لـ "بلوك باستر" جون أنتيوكــو، ودفعه لرفض هذا العرض تماما.

 

بعد 14 عاما من هذا اللقاء، وبقدوم عام 2014، وصلت القيمة السوقية لشركة "نيتفلكس" إلى 20 مليار دولار، بينما أعلنت شركة "بلوك باستر" إفلاسها بدءا من عام 2010، وقامت على إثر ذلك بإغلاق معظم متاجرها المنتشرة حول العالم إلا حوالي 1700 متجر قامت ببيعها لشركة "ديش نيتورك"(4، 5، 6).

 

ربما كان من الأفضـل أن تدفعوا ذلك المليون!

حاليا، تقدّر القيمة السوقية لشركة غوغل -وفقا لعام 2016- بحوالي نصف تريليـون دولار "544 مليار دولار"، وجاءت في المركز الأول من ضمن أكثر 10 شركات في القيمة السوقية متجاوزة شركة آبل(7).

 

مبنى شركة "إكسايت" للبيع (مواقع التواصل)

 

ولكن هذه القيمة الضخمة لم تكن كذلك منذ 18 عاما، ففي عام 1999 كانت شركة "إكسايت" (Excite) هي بلا شك المتصدّرة على الساحة العالمية كأكبر وأقوى محرّك بحث على شبكة الإنترنت، والتي تقود الثورة الكبرى في الزيارات والمشاهدات. في هذا الوقت كان محرّك البحث "غوغل" يعتبر شركة ناشئة صغيرة، ولم يكن في الإمكان مقارنتها أساسا بشركة "إكسايت".

 

في هذا الوقت سعى كل من مؤسسي "غوغل" -لاري بيغ وسيرجي براين- إلى بيع محرّكهم البحثي إلى شركة "إكسايت" مقابل مليون دولار فقط، الأمر الذي لم تتحمّس له شركة "إكسايت"، فقام كل منهما بتخفيض المبلغ المطلوب إلى 750 ألف دولار فقط لا غير، لكن المدير التنفيذي لشركة "إكسايت" جورج بيل رفض أيضا شراء هذا المحرك البحثي مقابل هذا المبلغ!

 

لاحقا، وبعد عدة سنوات بسيطة، تم الاستحواذ على شركة "إكسايت" نفسها بواسطة شركة "آسك جيفز" (Ask Jeeves) في عام 2004، وتلاها انهيار كبير في قيمة أسهم الشركة، بينما تصاعدت غوغل لتصبح أقوى وأكبر شركة في العالم على الإطلاق.

 

من الصعب تصديق أن مؤسسي "غوغل" كانوا يسعون لبيعها مقابل مبلغ زهيد، وأن المشتري لم يرضَ بدفع هذا المبلغ(8)!

 

أيضا.. ربما كان الأفضل دفع الأربعين مليونا!

في عام 1979، كان بيل غيتس ما زال في الثالثة والعشرين من عمـره، وكان قد نجح في تأسيس شركة واعدة صغيرة سمّاها مايكروسوفت، الشركة التي تحولت لاحقا إلى واحدة من أضخم شركات التقنية في العالم والغنية عن التعريف.

 

 روس بيروت (مواقع التواصل)

 

في ذلك الوقت، كانت شركـة "إلكترونيك داتا سيستمز" (Perot's Electronic Data Systems) واحدة من أضخم الشركات في المجال التقني تقدّر قيمتها السوقية بحوالي مليار دولار، وكان يرأسها مؤسسها ومديرها التنفيذي روس بيروت، وكانت الشركة قد أطلقت مشروعا طموحا في البحث عن أهم شركات الحاسوب الصغيرة والبدء في الاستثمار فيها.

 

من بين هذه الشركات كانت شركة مايكروسوفت التي لفتت نظـر شركة " إلكترونيك داتا سيستمز" أو "إي دي إس" اختصارا، بشدة لنشاطها المميز في إنتاج برمجيات متطوّرة، الأمر الذي جعل بيل غيتس يطلب مبلغ 40 مليون دولار كمبلغ عادل -في تلك الفتـرة- للاستحواذ على شركته، وهو الأمر الذي رفضـه روس بيروت، واعتبــره مبالغا فيه ولا يتناسب مع قيمة الشركة التي لم تكن قد ظهرت بشكل قوي بعد.

 

فوّتت "بيه إي دي" فرصة الاستحواذ على مايكروسوفت التي تحوّلت لاحقا إلى شركة عملاقة تتجاوز قيمتها السوقية وفقا لآخر الاستطلاعات لعام 2017 حاجز نصف تريليـون دولار، وهو رقم يساوي أكثر من 500 ضعف قيمة شركة "بيه إي دي" التي رفض مديرها التنفيذي الاستحواذ على مايكروسوفت في أواخر السبعينيات(9).

 

لاحقا، صرّح بيروت أن قراره بالتخلي عن شراء مايكروسوفت بهذا السعر كان واحدا من أكبر أخطاء إدارة الأعمال التي قام بارتكابها على مدار حياته(10).

 

ياهـو.. إرث طويل من الفرص الضائعة

إذا كنا نتحدث عن الأخطاء القاتلة فشـركة "ياهو!" (Yahoo!) من أكثر الأسماء التي يجب أن نتوقف عندها مليا في هذا الصدد. هذه الشركة الأميركية العملاقة التي كانت يوما ما هي المهيمن على محتوى شبكة الإنترنت، خصوصا في فترة التسعينيات وبدايات الألفية، يمكن القول إنها شركة ذات باع طويل مع الفرص الضائعة التي لا يمكن أن تأتي مرة أخرى.

 

 

في عام 1997، في الوقت الذي كانت "ياهو!" تتمدد فيه بسرعة هائلة على شبكة الإنترنت لاحت الفرصة أمامها بأن تقوم بشراء محرّك البحث "غوغل" مقابل مليون دولار فقط، فقط مليون دولار كانت تدفعها "ياهو!" لشراء المحرك الذي كان حديثا وقتها، ولم يكن هناك أي مبرر لرفض دفع هذا المبلغ الزهيد.

 

رفضت "ياهو!" شراء "غوغل" مقابل هذا المبلغ الهزيل بحجّة عدم رغبتها في تحويل المستخدم عن منتجاتها المختلفة واللجوء إلى استخدام محرك البحث "غوغل"، باعتبار أن "ياهو!" كانت تنتهج سياسة المواقع المتكاملة بأن تتيح محرّك البحث للمستخدم في نفس الصفحة التي تحتوي فيها على خدمات أخرى تساهم في إبقاء المستخدم دائما على الشبكة.

 

الأمر الجوهري هو أن تتأكد أن الخطأ الذي ارتكبته قابل للمعالجة، وأنه سيؤدي بك إلى النهوض لاحقا وليس الانهيار الكامل. بمعنى آخر، نوعيـة الأخطاء التي تقع فيها هي التي تحدد مستقبل شركتك

لم تتوقف فرص "ياهو!" الضائعة عند هذا الحد، فبعد مرور 5 سنوات من رفض شراء "غوغل"، عادت مرة أخرى الفرصة أمامها للاستحواذ على "غوغل" في عام 2002 مقابل 5 مليارات دولار، وهو الأمر الذي كان في مقدور "ياهو!" تماما أن تفعله إلا أنها للمرة الثانية قررت عدم الاستحواذ على "غوغل".

 

الفرصة الضائعة الثالثة عندما كان بريق "ياهو!" بدأ في الخفوت، حدث أن جاء للشركة عرض خيالي من "مايكروسوفت" في عام 2008 كاد أن يقلب الموازين في العالم التقني بشكل كامل، وهو عرض بأن تقوم "مايكروسوفت" بالاستحواذ بشكل كامل على "ياهو!" مقابل 44 مليار دولار، ما يعتبـر واحدا من أكبر الأرقام الضخمة التي تم تقديمها في عالم الاستحواذات العالمية.

 

كان رد "ياهو!" هو الرفض بحجّة أن المبلغ المقدّم قليل ولا يتناسب مع قيمة "ياهو!" الحقيقة. في السنوات التالية، كانت "ياهو!" قد بدأت في التراجع بشكل أكبر، حيث تم الاستغناء عن آلاف الموظفين، وإغلاق بعض خدماتها، فضلا عن قيامها بالدخول في عدد من الصفقات التي وُصفت بالفاشلة.

 

وفي عام 2016، انتهـت رحلة "ياهو!" المليئة بالفرص الضائعة عندما تم الإعلان عن استحواذ شركة "فيرايزون" (Verizon) الأميركية عليها مقابل 4.84 مليار دولار فقط(11)، بعد 8 سنوات من رفض الشركة عرضًا من "مايكروسوفت" بقيمة 44 مليار دولار(21).

 

أخيرا، من الطبيعي أن يقع أي رائد أعمال أو صاحب شركة أو مدير تنفيذي في الخطأ، بل إنه من المهم كذلك أن يقع في الخطأ لأنه الوسيلة الوحيدة للتطور وتصحيح المسار، ولكن الأمر الجوهري هو أن تتأكد أن الخطأ الذي ارتكبته قابل للمعالجة، وأنه سيؤدي بك إلى النهوض لاحقا وليس الانهيار الكامل. بمعنى آخر، نوعية الأخطاء التي تقع فيها هي التي تحدد مستقبل شركتك. 

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار