هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
قبل تأسيس شركتك.. فكر ألف مرة في اختيار شريكك

قبل تأسيس شركتك.. فكر ألف مرة في اختيار شريكك

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع


إذا كانت عبارة "يد واحدة لا تُصفّق" تهدف إلى توضيح أهمية التعاون، فلا يوجد مثال عملي تطبيقي لهذه المقولة أوضح من مثال تأسيس الشركة الناشئة وإدارتها. نظريا، من الممكن أن يقوم رائد الأعمال بتأسيس شركة ناشئة يكون هو المؤسس لها دون الاستعانة بأي شركاء، لكن عمليـا هذا الأمر يصعب تطبيقـه مع تنامي حركة تأسيس الشركات الناشئة وميلها إلى التعقيد وزيادة المخاطرة وضرورة تعاون مجموعة من العقول لتأسيس وإدارة الشركة.

     

معظم الشركات العالمية الناشئة تقوم على أكتاف "مؤسس" (Founder) برفقة "شركاء مؤسسين" (Co Founders) تتوزع بينهم المهـام والأدوار وحتى الأعباء الإدارية والمالية وتحمّل المخاطرة. هذه هي الوصفة الأساسية التي قامت على أكتافها أهم الشركات الناشئة العالمية التي تحولت الآن إلى عمالقة في الاقتصاديات العالمية، حتى وإن اشتهر المؤسس فقط وغابت أسماء الشركاء في الظل. في النهاية، كان سبب النجاح جماعيا وليس فرديا.

  

اجتماع الكفاءات أهم من الحب والكراهية

  

عندما اجتمع لاري بيغ وسيرجي برين لتأسيس محرّك البحث غوغل في العام 1998، ربما لم يكن كلاهما يعرف أن هذا المحرّك البحثي الصغير سيتحول إلى واحدة من أكبر شركات العالم العملاقة في القطاع التقني، ورأس حربة في قيادة قطـار التقنية لعقدين متتاليين من الزمن، وربما لعقد ثالث قريبا كما تُشير كافة المؤشرات.

 

هذه الشراكة بدأت بوادرها في العام 1995، عندما قابل لاري بيغ سيرجي برين في دراسة الدكتـوراة في جامعة ستانفورد الأميـركية، ومع ذلك لم تقم بينهما صداقة عميقة في تلك الفتـرة. الواقع أن العكس هو الذي حدث، إذ إن بؤرة صدام وتوتر في العلاقة بينهما نشأت عندما بدآ التعارف على بعضهما البعض أثناء فترة الإقامة الطلابية لطلاب الدكتـوراة حيث تحتّم وجودهما معا. ومع ذلك، وبسبب كفاءتهما الأكاديمية، اجتمع الاثنان في العمل على مشروع بحثي أنتج ورقة علمية بخصوص "تشريح الروابط في محرّكات البحث"، وكان مشروع البحث هذا هو النواة الأولى لاجتماعهما في العمل على غوغل لاحقا.

  

لماذا نجحت شراكة لاري بيغ وسيرجي برين على الرغم من وجود خلافات بينهما؟ السبب أن كليهما لديه الخلفية التقنية القوية، وكليهما جمعهما عشقهما القديم للحواسيب منذ الطفولة، وكليهما أيضا أساتذة جامعة مرموقون أكاديميا في مجال علم الكمبيوتر والحوسبة. لذلك، كان اجتماعهما لإطلاق غوغل هو تكامل بين عقليتهما الفذة التي جعلتهما على الرغم من اختلاف وجهات النظر بينهما على المستوى الإنساني، وحتى على المستوى الجغرافي (برين من روسيا وبيج من ميشتغان)، جعلتهما ينجحان في إطلاق وإدارة شركة غوغل وتحويلها إلى شركة عملاقة في زمن قياسي. (1، 2، 3)

 

ستيف حالم يبني.. وستيف واقعي يبيع

   

في صيف العام 1970 وخلال العطلة الصيفية، رتّب القدر لقاء بين شابين أميركيين شديدي الذكـاء يحمل كلاهما اسم ستيف، ستيف ووزنياك وستيف جوبز. كان العبقري الأول "ووزنياك" مشغولا ببناء نظام حاسوبي متميز ومختلف تماما في تلك الفتـرة من فجـر صعود الحواسيب، بينما العبقري الثاني "جوبز" كان مشغولا برؤية الفرص التسويقية في هذه الأنظمة وكيفية بيعها واستخلاص الأرباح من ورائها.

  

في حوار لاحق مع ستيف ووزنياك يتحدث فيه عن تلك الفتـرة، قال إنه كان مدفوعا بشكل جنوني لفكـرة تطوير وبناء جهاز حاسوبي "سوف يغيّر العالم"، بينما كان ستيف جوبز دائما هو المسؤول عن التفكيـر بخصوص كيف يمكن الترويج لهذه الأدوات وبيعها وتحويلها إلى ربح مستمر، ومن ثمّ بناء شركة تعمل على المزيد من تطوير هذه المنتجـات والمنافسة في السوق. بمعنى آخر، ستيف جوبز كان عمليا للغاية في بيع المنتجات وترويجها وبناء الشركة بخطوات ثابتة وراسخة بعيدا عن الرؤى الخيالية الملحميـة لستيف ووزنياك بخصوص تغيير العالم.

 

ربما هذا السبب تحديدا يأتي على قمة الأسباب في نجاح شركة "آبل" (Apple) التقنية العمـلاقة منذ تأسيسها في العام 1976 حتى الآن، بالرغم من مرورها بأزمات ومصاعب في بعض السنوات، أو بالأحرى السبب في نجاحها في فترات التأسيس الأولى هو عبقرية ستيف ووزنياك في تطوير وصناعة منتجات وحواسيب مختلفة تماما عن الموجود في السوق، وقدرة جوبز على بيعها، حتى ووزنياك نفسه قد اعترف لاحقا أنه لم يفكـر إطلاقا في كيفية تحويل تصميماته الإبداعية إلى تجارة تدرّ ملايين، ثم مليارات لاحقا، وكان الفضل في ذلك يعود إلى عقلية جوبز التجارية الخارقة القادرة على فهم التفاصيل الفنيـة وتحويلها إلى مزايا تجارية. اجتماع المهارات الفنية لستيف ووزنياك إلى جانب المهارات الفنية والإدارية وعقلية رائد الأعمال المخضـرم لستيف جوبز كانتا السبب في نجاح الشركة على مدار عقود وتحوّلها إلى عرّاب التقنية العالميـة لسنوات طويلة. (4، 5، 6)

   

شراكة قائمة على صداقة.. وكفاءة

  

  

في أواخر السبعينيات، وبالتحديد في العام 1978 تم افتتاح أول متجـر لبيع المثلجات والآيس كريم باسم "بين آند جيريز" (Ben & Jerry's) الذي تم تسميته على اسم الصديقين المؤسسين بين كوهين وجيري غرينفيلد. بين وجيـري لم يكونا صديقين عاديين، الواقع أن صداقتهما تعود إلى فتـرة الطفــولة، كلاهما من مواليد العام نفسه ولا يفرق بينهما سوى بضعـة أيام، وتقابلا للمرة الأولى في إحدى صالات الألعاب في المدرسة في بداية الستينيات، كان هذا اللقاء هو تمهيد لصداقة حميمة طويلة تحوّلت لاحقا إلى علامة تجارية شهيـرة.

 

كان الصديقان يتشاركان حب الطعام، خصوصا المثلجات بنكهاتها المختلفة إلى درجة الهوس. وبقدوم العام 1977، قرر الصديقان خوض دورة تدريبية صغيـرة بتكلفة خمسة دولارات تشرح كيفية صناعة الآيس كريم بالتفصيل بشكل نظري وعملي، وهو ما جعلهما يشرعان بعد الانتهاء من الكورس بصناعة عدد من النكهـات الشهية للمثلجات، ومن ثمّ إطلاق أول متجـر تجاري لبيع الآيس باسمهما معا برأس مال 12 ألف دولار في مدينة بيرلنغتون الأميـركية، وذلك بعد مرور عام واحد فقط من الحصول على الدورة. استطاع "بين آند جيريز" أن يحقق نموا سريعا في الولايات المتحدة في الثمانينيات والتسعينيات ليصبح من أشهر العلامات التجارية لبيع المثلجات، وهو الأمر الذي أدّى إلى استحواذ شركة "يونيليفـر" البريطانية الهولندية عليها في العام 2000.

 

استطاع بين وجيري تحويل صداقتهما القديمة إلى مشروع شراكة متميّز ضمن النجاح لمشروعهما الوليد الذي اشتركا في تأسيسه بناء على خبـرة عملية جمعاها معا، وليس فقط على مجرد الصداقة العميقة أو حبهما للطعام؛ مما جعل مثال "بين آند جيريز" واحدا من أهم الأمثلة التي تُضرب للدلالة على أن الأصدقاء بإمكـانهم تكوين شركات ناجحة فقط إذا كان يجمعهما أيضا عامل الخبرة والكفاءة والعملية. (7، 8، 9)

  

اختلاف وجهات النظر ينشئ شركة قوية 

  

في العام 1995 تأسست شركة "إيباي" (eBay) بنسختها الأولى تحت اسم "Auction web" كموقع مزادات للبيع والشراء عبر الإنترنت يتيح عمليات البيع والشراء مقابل عمولة بسيطة على أي عملية. لاحقا، تحوّل اسم الموقع إلى "إيباي" (eBay) ليتمكّن بعد ثلاث سنوات فقط من تأسيسه من تحقيق إقبال هائل أدّى إلى إدراج الموقع للاكتتاب العام، وتحوّله إلى واحد من أكبر مواقع التجارة الرقمية منذ نهاية التسعينيات حتى الآن.

  

بيير أوميديار، رائد الأعمال الأميركي من أصل إيراني هو مؤسس "إيبـاي"، تقابل في منتصف التسعينيات مع جيفري سكول -الذي كان قد حصل لتوّه على شهادة إدارة الأعمال من ستانفــورد- وكانت العلاقة بينهما علاقة عادية، إلى أن عرض عليه أوميديار فكـرة مشروعه ودعاه للانضمام إليه. كان رد فعل سكول وقتها أن أخبر أوميديار بأن فكـرة الموقع فكـرة "غبيــة" وينقصها الكثير من الأمور، لكنه لاحقا قَبِلَ الانضمام إلى "إيبـاي" ليصبح أول رئيس لها ليبدأ أولى مهامه بكتابة خطة عمل متكاملة للشركة.

 

عندما انطلقت "إيباي" (eBay)، ومع تحقيق نمو كبيـر في نشاطها زاد في الوقت نفسه من علاقة "العمل" التي تتخللها الصداقة ما بين بيير أوميديار وجيفـري سكول، العلاقة التي شابها الكثير من الخلافات في تفاصيل العمل مع اهتمام كل منهما بتقديم أفضل صورة ممكنة لخدمات "إيباي"، وهو الأمر الذي جعل الشركة تنجح في زمن قياسي للوصول إلى الاكتتاب العام بعد ثلاث سنوات فقـط من إطلاقها.

 

واحد من أهم أسباب نجاح الثنائي، المؤسس بيير أوميديار والرئيس الأول للشركة سكوت جيفـري، أن كليهما ديموقراطي النزعة يهتم بالاستماع للآخر، ومن ثمّ البناء على كافة الآراء، فضلا عن أن كليهمـا بشكل كامل يركز على مفهـوم "المجتمع" وخدمته أكثر بكثير من التركيز على الفكـرة التجارية الشائعة لإرضاء المستخدم. هذه الاتجاهات كانت سببا في تقديم "إيباي" كشركة صاعدة ممتازة في زمن قياسي، والسبب أيضا في تحويل كليهما إلى مليارديرات. (10، 11)

  

شراكة الخبراء تؤدي إلى نجاح مضمون

   

عندما تأسس "تويتر" في العام 2006، كان من الطبيعي أن يلقى نجاحا سريعا ليتحول بمرور السنوات إلى واحدة من أهم الشبكات الاجتماعية على الإطلاق، والمنصة الرئيسة لتصريحات المشاهير ورؤساء الدول والمؤثرين حول العالم. السبب في أن نجاحه كان طبيعيا، ليس فقط لفكـرته المميزة -التغريدات القصيرة- وإنما لأن مؤسسيه الثلاثة كانوا مخضـرمين في إنشـاء المنصّـات أصلا، ما جعل نجاح المشروع الجديد مسألة وقت.

 

ما حدث أن إيفان ويليـامز -أحد المؤسسين الثلاثة- كان يعمل في شركة "بلوغـر" حتى استحوذت عليها "غوغل"، فانتقل تلقائيا للعمل لديها. إيفـان قام بتعيين "بيز ستون" معه في "غوغل" على الرغم من أن كليهما يعملان في المجال نفسه وكليهما متنافسين. بمرور الوقت، تحولت علاقة التنافسية بين الطرفين إلى علاقة صداقة كبيـرة لدرجة أن إيفـان عندما رحل من "غوغل" إلى شركة "أوديو" (Odeo)، انتقل معه صديقه "ستون" للعمل معه.

  

في "أوديـو"، كانت الأقدار قد رتّبت لهما اللقاء مع "جاك دورسي" الذي كان يحمـل الفكـرة في رأسه، ودارت بينهما مناقشات بخصوص تطوير منصة للتغريدات السريعة، وباعتبارهم جميعا مخضـرمين في عالم "التدوين" وبناء المنصّـات الرقمية، اتفق ثلاثتهم على جودة الفكـرة من الناحية الفنية والتقنية، وبدأوا في تنفيذها كمشـروع جانبي خاص لهم، حتى تم إطلاق المنصة في العام 2006.

شراكة بين ثلاثة شباب متحمّسين يجمعهم الاحترام المتبادل والخبـرة العميقة في مجال معين وطموح كبير لبدء شركة ناشئة بفكـرة غير مسبوقة، ومع توزيع الأدوار عليهم، تكلل هذا التعـاون على شكل نجاح كبير وشبكة تواصل اجتماعي تعتبر من الأبرز حول العالم. (12، 13، 14، 15)

    

  

في النهاية، اسمها "شركة" أي شراكة في العقل والوقت والمجهود والأرباح والخسائر والخبرات بين المؤسس وشريكه أو شركائه. ومع تعدد الأسباب التي تدفعك إلى البحث عن شريك مناسب لتأسيس شركتك وتشغيلها، يكفي أن روح الجماعة التي يخلقها الشركاء هي القاطرة التي تدفع الشركة إلى برّ الأمان، حتى وإن حدث خلافات محدودة أو مشاكل في الرؤى ووجهات النظر، طالما كانت هذه الخلافات في مصلحة الشركة.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار