انضم إلينا
اغلاق
ميوزيكال لي.. تطبيق فاشل أصبحت قيمته مليار دولار

ميوزيكال لي.. تطبيق فاشل أصبحت قيمته مليار دولار

  • ض
  • ض
إذا لم تكن أنت شخصياً من مستخدميه المخلصين، فالمؤكد أنه من الصعب أن يخلو الهاتف الذكي لأي مراهق في دائرة معارفك من تطبيق " ميوزيكالي Musical.ly ". هذا التطبيق الذي ظهـر بشكل سريع مفاجئ، ليتحوّل إلى ما يشبه شبكة إجتمـاعية موازية خاصة بالمراهقين تحديداً لها عالمها الخاص الذي يختلف عن بقيـة الشبكات الاجتماعية الأخرى المعتادة.

   

العقول التي ابتكرت ميوزيكال لي لا تقطن وادي السيليكون كما جرت العادة، إنما أتت من أقصى الشرق هذه المرة، شانغهـاي تحديداً. ميوزيكال لي تطبيـق صيني ظهـر على الهواتف الذكيـة في العام 2014 ، وهو يعتبر مزيج من تطبيق فيديو وموسيقى وشبكة اجتمـاعية في نفس الوقت. ببساطة ، هو تطبيق يسمح بتسجيل فيديوهات مصغرة مدتها 15 ثانية، ودمجهـا مع مؤثرات صوتية أو أغاني أو موسيقى متطـابقة مع محتوى الفيديو وإرسالها ومشـاركتها مع الأصدقاء في كافة منصـات التواصل الاجتماعي المختلفة. (1)

    

    

ومع ما يبدو من ترفيـه مُطلق يقدمه هذا التطبيق، إلا أن الكثـيرين لا يعرفون أن وراءه رحلة نجـاح ريادية مدهشة عامرة بمفـاتيح النجـاح لروّاد الاعمال ومؤسسي الشركات الناشئة. هذا التطبيـق بكل ما يحمله من رقص وضحكـات وطرائف هو في الواقـع نتــاج قصة مليئة بالنجاحات والاخفاقات والأدرينـاين والعثرات. حكاية ريادية تستحق أن تُروى ، بدأت ملامحها في بدايات العام 2014 تحديداً.

 

طموحات ريادية .. تصطدم بالفشل
 كأي شابّين يعمـلان في شركة تقنيـة ، كان كل من " أليكس زهو Alex Zho " و " لويو يانج Luyu Yang " لديهمـا طموح لتأسيس شركة ناشئة. كان أليكس زهو يعمـل في شركة SAP عمـلاقة البرمجيـات ، وكوّن اهتماماً كبيراً ببرامج التعليم تحديداً. في مرحلة ما ، اعتبر نفسـه بـ " Education Futurist " أي الشخص الذي سيحوّل مسار التعليم في العالم في المستقبل القريب. لذلك كان الصديقان على ثقـة كاملة أن تنفيذ مشروع ريادي في مجال التعليم سيحقق لهم نجاحاً هائلاً، باعتبار أن العالم كله الآن يشهد ثورة كبيرة في التعليم مع انتشـار ثقافة التعليم عبر الانترنت وكورسات الـ Moocs المختلفة.
    
أليكس زهــو، ولويـو يانج Luyu Yang.. مؤسسو ميوزيكالي (مواقع التواصل الإجتماعي)
        

وعلى خطى كل روّاد الأعمال في كل مكان وزمان، قرر كل منهما ترك الوظيفة النظـامية وبدء مشـروعهما الناشئ. في العام 2014 ، ومدفوعين بحماس الشباب إلى فكرتهم التي اعتبـروها فكـرة المليـار دولار ، أطلقـوا مشـروعهم الريادي المنتظـر :  تطبيـق App يتم تحميله على كافة أنواع الهواتف الذكيـة كمنصّـة تعليمية Educational Platform تقوم بتزويد المستخدم بفيديوهات قصيـرة مركزة تتراوح مدتها مابين 3 الى 5 دقائق ، كل فيديو يقوم بشـرحه أحد الخبـراء المتخصصين. هذه الفيديوهات تشمل كل مجالات الحياة، بدءً من الموضة مروراً بالجبر وحساب المثلثات وليس انتهاءً بعلوم الفلك والفضـاء.

    

كانت الفكـرة جيدة جداً بالنسبة لهم، واستطـاعوا أن يضعـو خطة مكتملة لعرضها على المستثمـرين، نجحـوا بعدها في الحصول على استثمـار جيد جداً بقيمة 250 ألف دولار من مستثمـرين مخاطرين Venture Capitalists ، ومن ثم قضوا ستة أشهـر كاملة في صنـاعة وتجهيز التطبيق الذي أطلقوا عليه اسم " سيكـادا Cicada ".

  

وبعد الانتهاء من تجهيزه تم إطـلاق التطبيق في السوق، وجلس الصديقان ينتظـران نتيجة "فكـرة المليار دولار" التي آمنوا بها إيمـاناً مُطلقاً وجهّزوا لها العدة كاملة بما لا يترك مجالاً لأي ثغرات تقريباً. فجـاءتهم النتيجة على هيئة "فشل ذريع" بدلاً من النجاح الساحق الذي كانوا ينتظرونه.

      

أليكس زهـو في إحدى استضـافاته في موقع تيك كرنش (مواقع التواصل الإجتماعي)

  

لماذا فشل المشروع ؟ السبب أنه مع اندفاع الصديقين وفريقهما لصنـاعة التطبيق ذي الفكـرة العبقرية، فاتهم شيء في منتهى الأهمية : صعوبة الانتاج. كان صنـاعة فيديو واحد وتحميله على التطبيق يتطلب وقتاً طويلاً للغاية لم يحسب المؤسسون حسابه، حيث وجد صنّاع المحتوى صعوبة شديدة في طرح خبـرتهم وموضوعاتهم التعليمية خلال 3 دقائق فقط، الامر الذي انعكس بدوره على عملية عشوائية في القص والمونتاج والاختصار الشديد للفيديوهات التعليمية. وعندما تم رفعها ، بدى واضحاً أن الدروس غير متناسقة ، ينقصها الترفيـه بشكل كبير؛ وبالتالي فشلت تماماً في جذب المراهقين والشباب "الفئة الأساسية المستهدفة".

  

ومع فشل المشروع، كانت هناك حقيقـة أخرى أكثر سوءً: المبلغ الذي تم تجميعه لعمل المشروع (250 ألف دولار) نفد بالكامل تقريباً في صناعة هذا التطبيق الفاشل، ولم يعد بحـوزتهم منه سوى 8 % فقط من المبلغ، أي حوالي 20 ألف دولار فقط من الاستثمـار، وهو مبلغ لا يكفي لعمل أي شيء تقريباً. إلا أن "فكـرة ريادية" أخرى عجيبة نوعا ما كانت قد قفزت في عقل المؤسسين.

    

لم ننجح في التعليم .. فلنتحوّل الى الترفيه !


  

لم يكن أمام الشابين خيـارات عديدة، فإمـا أن يغلقـوا الشركة الفاشلة ويعيدوا ما تبقى من مال إلى المستثمـرين مرة أخرى، أو يأتوا بفكـرة جديدة تنقذ مشـروعهم الوليد من الفشل. كان الشرط الوحيد لأي فكـرة جديدة هي أن تراعي مبدأ راسخاً أن الشباب والمراهقين في هذا الجيل أهم ما يمكن مخـاطبتهم به هو الترفيه والسرعة والكفاءة. أي أمور أو تعقيدات أخرى حتماً لن تنجح في جذبهم.

   

ومع بحثهم السريع عن فكـرة جديدة، هبطت الفكـرة أخيراً مثل الوحي. تشكّلت الفكـرة في عقل "أليكس زهو" عندما شاهد في احدى المرات بعينيه عدد من المراهقين الصغار يتحركون معاً في مجموعة كبيـرة. لفت نظر أليكس أثناء مراقبته لهم، أن نصف المجموعة تقريباً من المراهقين كانوا منشغلين بالاستماع إلى الموسيقى الصاخبة والرقص، بينما النصف الآخر انشغلوا بإلتقاط لقطـات السيلفي أو تسجيل الفيديوهات السريعة.

     

هنا فقط قفزت الفكـرة في ذهنه: لماذا لا نقوم بعمل تطبيق يدمج ما بين الموسيقى والفيديوهات والمنصة الاجتمـاعية في نفس الوقت بشكل سريع للغاية - حتى لا يشعر المراهق بالملل - ومرح ويستهدف تماماً فئة المراهقين الذين يهتمون بهذه النوعية من المحتوى دون غيرها؟

  

  

عندما عرض أليكس زهو الفكـرة على فريقه تحمّس لها الجميع، وكان قرارهم سريعاً في التحوّل الكامل من "التعليم" إلى "الترفيه"، عبر صنـاعة تطبيق ترفيهي غنائي يقوم بتسجيل فيديوهات مدتها 15 ثانية فقط مع تزويده بخاصية القدرة على دمـج الأغاني الشهيـرة مع محتوى الفيديو عبر ضبط الأغنية مع حركات الشفـاه مثلاً أو مع طريقة الرقصة بشكل مرح تماما، ويتيح أيضاً مشاركة الفيديوهات القصيرة مع الأصدقاء والمتابعين كشبكة اجتمـاعية.

  

خلال 30 يوماً فقط ، استطـاع زهـو وفريـقه الانتهاء من عمل التطبيق ، وتم طـرحه في الاسواق بإسم "ميوزيكال لي Musical.ly" في يونيـو / حزيران من العام 2014. وجلس الجميع في انتظـار النتائج. ( 1 ، 2 )

    

ذلك النجاح البطيء المثير للتوتر

(فيديو لميوزيكال لي حاز على اكثر من 2 مليون مشاهدة على موقع انستغرام)

    

كانت النتائج هذه المرة مبشّرة بالنسبة لفريق خرج من تجربة فاشلة لتوّه، بدا واضحاً أن الأرقام كانت جيدة جداً، حيث بلغ متوسط التحميلات اليومية للتطبيق حوالي 500 تحميل. لكن الأهم من ذلك كانت نسبة "العودة" من المستخدمين لإستخدام التطبيق، ما يعني أن المستخدم تولّد لديه نوع من الشغف بالتطبيق. كان هذا مؤشراً ممتازاً أن التطبيـق ينجح، أو قل - على الأقل - أن التطبيق لا يفشل!

   

لقد نجى التطبيق من فشل آخر يا شباب! صحيح ان مستوى التحميلات كان متواضعاً - بالنسبة لطموح المؤسسين - إلا أنه تأكد لديهم ان المشروع لن يفشل على الاقل مثل سابقه الذي بدا فشله واضحاً بعد عدة أسابيع من إطلاقه. هذه المرة الوضع مختلف.

   

ومع ذلك بدأ القلق يتسلل مرة أخرى للمؤسسين، فعلى الرغم من النمو التدريجي الذي حققه التطبيق على مدار العشـرة شهور التالية لإطلاقه، إلا أن هذا النمو كان أبطأ من أن يحمي الشركة من الإنهيار. بمرور المزيد من الوقت تحوّل القلق إلى عصبية ، ثم تحوّلت العصبية إلى رعب. التطبيق يحقق النجاح نعم، ولكنه ليس نجاحاً كافياً يعود على المشروع بمردود مالي يبقيـه على قيد الحياة.

   

" بدأنا نشعـر بالعصبية .. ماذا علينا ان نفعل ؟ .. لم يعد لدينا سوى القليل من المال .. صحيح أنه احيانا يكون الفشل السريع - مثل فشلنا الأول في تطبيق التعليم - يعتبر أمراً جيداً لأنه يجبـرك على استخراج افكار جديدة سريعاً .. لكن في المقابل ، تحقيق نمو بطيء هو أمر سيء أيضاً يجعلك لا تعرف هل سينجح المشـروع أم لا بعد كل هذا الوقت الذي أمضيته فيه"

 (أليكس زهـو ، مؤسس Musical.ly)

   

مع هذا النمو البطيء، بدأ الفريق يكثّف جهوده في وضع تحسينات بسيطة لتصميم التطبيق في محاولة دفـع عجلة نمو التطبيق بشكل متسارع، خصوصاً بعد أن حقق قبولاً جيداً جداً لدى المراهقين. ( 2 ، 4 ، 5)

  

التعويذة السهلة لفك العقدة الصعبة

في أبريل / نيسان من العام 2015 ، قامت الشركة بعمل تغييـرات طفيفـة في التصميم ، حيث أدرك الفريق أن ثمة عيب ما في التطبيق قد يكون سبباً أساسياً في إعاقة انطلاقة بشكل كبير بين المستخدمين. كان العيب أن المستخدم عندما يقوم بمشاركة الفيديو على منصـة انستغـرام وتويتـر، يتم عمل قصّ Crop للجزء الخاص باللوغو المكتوب عليه إسم التطبيق، وبالتالي يتم مشاركة الفيديوهات بشكل فيروسي في الشبكات الاجتماعية دون أن يعرف المستخدمون الآخرون اسم التطبيق نفسه.

    

هنا، قام المطوّرون بتحديث التطبيق بحيث يظهر اللوغو الخاصة بـ Musical.ly داخل أي فيديو يتم مشاركته على وسائل التواصل الأخر، وبالتالي يكون من السهل للمستخدمين الآخرين أن يتعرّفوا عليه أثناء مشاهدتهم للفيديوهات على المنصات الأخرى، ومن ثم تحميل التطبيـق والبدء في استخدامه. مجرّد تعديل بسيط صغيـر كما يبدو وقتئذ.

    

رسم بيـاني يوضّح النمو الهائل لميوزيكال لي بعد اجراء التعديل في التصميم ، ليحتل المركز الأول في الـ Apple store ( بيزنس انسايدر ) (مواقع التواصل الإجتماعي)

   

النتيجة: انفجـار هائل كبير في معدلات الاستخدام بشكل غير متوقع وغيـر مسبوق على الإطلاق، فخلال شهرين فقط من إجراء هذا التعديل ، سجل التطبيق عدداً هائلاً من التحميلات اليوميـة ، وبقدوم شهـر يوليو / تموز من نفس العام أصبح التطبيق رقم 1 في متجر الآيتيوز آب iTunes app store ، وأكثر تطبيق مجاني يتم تحميله في 30 دولة حول العالم، بما فيها الدول الكبرى مثل أميـركا والمانيا والبرازيل واليابان وبريطانيا. ( 3 )

   

كـان هذا يعني أن التطبيق قد نجح نجاحاً ساحقاً، وأنه لا خوف من السقوط في مستنقع الفشل بعد الآن. وكان هذا يعني أيضاً أن ميوزيكال لي هو أول تطبيق صيني ينجح في أميـركا بهذا الشكل.

  

ذلك النجاح السريع المثير للدهشة
صورة لمكتب ميوزيكال لي في شانغهـاي (مواقع التواصل الإجتماعي)

     

بمقّـرها الأساسي في شانغهـاي الصينية حيث يتواجد معظم الفريق من المهندسين، إلى جانب تواجد جزء من الفريق خصوصاً من التسويق ومتخصصي المحتوى وتطوير العمل في سان فرانسيسكو الاميـركية. بدأ التطبيق يحقق نمواً هائلاً ، حيث حقق خلال عام واحد من إنطـلاقته الكبيـرة ، وبقدوم يوليو / تموز من العام 2016 أكثر من 90 مليون تحميـل للتطبيق ، إلى جانب ملايين من الفيديوهات الجديدة التي يتم تحميلها بمعدل يومي.

   

خلال العام 2016، تناثرت أخبار عن حصول الشركة على استثمـار بقيمة 16.4 مليون دولار من مستثمـرين، إلا أنه لاحقاً تسربت اشاعات أن التمويل ارتفع ليصل إلى 100 مليون دولار كثقة مطلقة من المستثمرين بنجـاح التطبيق ، رفع قيمة الشركة الى 500 مليون دولار، على الرغم من أنه لم يكن قد حقق معدل مرتفع من الارباح بعد. (6)

  

في نفس العام، بدأت كوكا كولا حملة إعـلانية عبر تطبيق ميوزيكال لي باسم ( شارك الكوك #ShareACoke ) الامر الذي ادّى الى دخول عدد آخر من الشركات للتسويق عبـر المنصة الموسيقية الناشئة. وفي منتصف 2017 وصل عدد المستخدمين للتطبيق أكثر من 200 مليون مستخدم، مما عجّل بمنافسة الشركات على الاستحواذ على التطبيق. وفي التاسع من نوفمبر / تشرين الثاني من العام 2017 تم الاعلان رسمياً عن خبر استحواذ شـركة بايتيدانس التقنيــة الصينية على تطبيق ميوزيكال لي بقيمة مليار دولار في واحدة من أشهر وأكبر صفقـات الاستحواذ التي شهدها هذا العام. (1،7)

   

ربمـا أكثر ما يميّز قصة نجاح تطبيق ميوزيكال لي أنها قريبة جداً من مستوى الصعوبات والتحديات التي يقابلها رائد الاعمال في تأسيس شركته الناشئة. اتخاذ القرار للتخلي عن فكـرة تعتنقها الى حد الإيمان ، وتغيير المسار إلى ما يريده السوق وليس ماتريده أنت. مشاكل التمويل والتطوير فالانطلاق ثم التوسّع. هي تجربة " نموذجية " لكل صاحب شركة ناشئة بغض النظر عن مجالها.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار