هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
رغم المعاناة والمرض.. رواد أعمال أسسوا شركات بمليارات الدولارات

رغم المعاناة والمرض.. رواد أعمال أسسوا شركات بمليارات الدولارات

  • ض
  • ض

إذا كنت تقرأ هذه السطور وتستوعبها بلا مشكلة، فأنت محظوظ بالنسبة للبعض. واحد من أشهـر الاضطرابات التي يمرّ بها عدد كبيـر من الأشخاص حول العالم، ويكون ملحوظا بشكل أساسي في فتـرة الطفـولة هو اضطـراب عُسـر القراءة أو "الديسلكسيـا" (Dyslexia)، والذي يكون مرتبطا في الأغلب بقصــور الانتبـاه وفرط النشاط (ADHD).

      

هذا الاضطـراب واسع الانتشار يصيب نحو 5% من مجموع دول العالم، يتسبب في جعل الطفل يعاني من صعوبة بالغة في استيعاب ما يقرأه من كلمات، ويتجاوز الأمر إلى صعوبة القدرة على استيعاب الأرقام ومدلولاتها وحفظها؛ مما يؤدي عادة إلى تدهور حاد في الأداء المدرسي، أو اعتبـارهم غير أذكيـاء أو غير منتجين في مجتمعـاتهم وحيـاتهم، وربما يصل الأمر إلى الطرد من المدرسة. (1، 2)

 

في الواقع، وعلى الرغم مما يمثّله هذا الاضطـراب من تحدٍّ كبير للمصابين به يتمثل في مصاعب ومشاكل جمّة في سرعة الفهم والتعامل مع الآخرين، فإنه كـان سببا أيضا في إنتاج مجموعة من أفضل عباقرة وأذكـياء العالم، ليس العالم العبقري ألبرت أينشتاين أولهم، وليست الروائية الأشهر أغاثا كريستي آخرهم. التاريخ يعج بعدد كبيـر من المصابين بعُسر القراءة الذين استطـاعوا أن يحققوا إنجازات علمية وأدبية وإنسـانية مميزة حفظها التاريخ في أعظم سجلاته. (3)

   

في العالم الريادي، الأمر لم يختلف كثيرا. فعلى الرغم من أن هذا العالم يعج بالأرقام والحسابات والملحوظات التي تتطلب سرعة بديهة، فإن الكثير من الروّاد الذي شُخِّصوا باضطـراب عُسر القـراءة ونقص الانتباه في طفولتهم استطـاعوا أن يحوّلوه من عائق لهم إلى نقطة انطـلاق أهّلتهم لبناء شركات وثروات مليـارية ضخمة.

  

أفكـار "عذراء" رغم صعـوبة التعلم

  

"كنت مُشخصا باضطـراب صعوبة التعلم "الديسلكسيا" (Dyslexia)، لم أكن أفهم الدروس المدرسية ولم أكن أستطيع إنجاز واجباتي. بالطبع كنت أفشل في أي اختبار ذكـاء (IQ) فشـلا ذريعا، وهذا أحد الأسباب التي جعلتني أترك المدرسة تماما وأنا في سن الخامسة عشرة. إذا لم يكن لدي اهتمام بشيء معيّن، لم أكن أفهمـه على الإطلاق!" (4)

(ريتشارد برانسون)

       

من أهم وأشهـر مليـارديرات بريطانيـا على الإطلاق، سير ريتشارد برانسـون مؤسس مجمـوعة فيـرجن (The Virgin) العمـلاقة متعددة المجـالات التي تعتبـر من أكبر وأضخم الشركات العابرة للقارات في العالم. المجمـوعة لديها أكثر من 400 شركة تضم أكثر من 70 ألف موظف تعمـل في مجالات الاتصالات والنقل والسياحة والفندقة والخدمات المالية والمشـروبات والصناعات الثقيلة والترفيه والموسيقى والتجزئة، وبالطبـع في مجال الخطـوط الجوية التي تعتبر من أشهر شركاتها على الإطلاق.

     

في سن الخامسة عشرة، ترك برانسـون مقاعد الدراسة باعتبار أن مُعلّميه كلهم أدركوا أنه لا يصلح في هذا المجال، كما أن معدلات ذكائه وإدراكه كانت منخفضة للغاية. المدهش أنه عندما ترك الدراسة بدأ أول مشـروعاته وهو في سن السادسة عشـرة بتأسيس مجلة طلابية أطلق عليها اسم "الطالب" (Student)، وكان يقوم بإجراء مقابلات مع الطلاب في المدارس والجامعات، ويستعين بزملائه لكتابة هذه المقابلات. بعد عام واحد، استطـاع برانسـون أن يبدأ في جذب المعلنين إلى مجلته الصغيـرة، وهو ما كان انتصـارا معنـويا كبيرا له.

    

لاحقا، ومع النجاح المحدود الذي حققته المجلـة بدأ برانسـون في تأسيس متجر لبيع التسجيلات الموسيقية، ولم يكن لديه أي خبـرة سابقة في هذا المجال، فاقترح أحد موظفيه أن يتم تسمية الشركة "العذراء" (Virgin) باعتبار أنهم جميعا ليسوا من ذوي الخبرة. حقق المتجر نجاحا كبيرا، الأمر الذي جعل برانسـون يبدأ في حملة توسّع للشركة، ثم الانطـلاق في مجالات أخرى متعددة، منها شركة الخطوط الجوية الشهيرة فيرجن أتلانتيك التي حققت نجاحا كبيرا منذ تأسيسها في منتصف الثمانينيات، ولاحقا توسعت الشركة لتشمل كل المجالات الممكنة تقريبا. 

    

ريتشارد برانسون يحكي عن طريقة معاملة الموظفين في شركاته

        

يحكي برانسـون أن صعوبة التعلم والفهـم لازمته طوال عمـره حتى عندما أصبح بليـونيرا، ولم تكن مقتصـرة فقط على فتـرة طفولته أو مراهقته. في عيد ميلاده الخمسين، وكان قد حقق إنجازات كبـرى جعلته من أثرى أثرياء العالم، قام أحد مساعديه في أحد الاجتماعات بتقديم مجموعة الرسومات البيانية التي توضّح له مستوى إنجازات الشركات التي يملكها، عندما نظـر برانسون إلى الأوراق لم يتمكن من فهمها، وسأله: هل هذه الرسومات والأرقام تدل على شيء جيد أم سيئ؟!

     

فوجئ الجميع أن مؤسس شركات "فيرجن" (Virgin) الذي يديـر حرفيا إمبـراطورية ضخمة من الأعمال التي تدرّ المليـارات سنويا لم يكن قادرا على التفرقة بين مصطلحي "صافي الربح" (Net) و"إجمـالي الربح" (Gross). ومع عدة محاولات من موظفيه لتبسيط المصطلحات له، وفشله في فهمها بشكل عملي ذي لغـة تجارية، قام أحد مساعديه برسم سريع على ورقة باللون الأزرق ككناية عن البحر، ورسم بداخلها شبكـة تضم بعض السمك، أخبـره المساعد أن الشبكة التي تحتوي على الأسماك هي صافي الربح (Net profit)، بينما السمك خارج الشبكة هو إجمالي الربح (Gross turnover).

    

فقط في الخمسين من عمره استطاع ريتشارد برانسون أن يفهم الفرق بين (Net) و(Gross)، وأصبح يرددها طوال الوقت بعد أن فهمها أخيـرا. اليوم ثـروة برانسون تزيد عن خمسة مليارات دولار، ونال لقب "Sir" ويعتبـر من أشهر رجال الأعمال في بريطانيا على الإطلاق. (4، 5، 6، 7)

     

إمبـراطورية إعـلامية مؤسسها يعـاني من صعوبة القراءة!

  

لا يوجد في عالم الإعلام من يجهل اسمه كواحد من أكبـر أقطـاب العالم في صنـاعة الإعلام والدعاية والإعلان. تيد تيـرنر رجل الأعمال الأميـركي الشهيـر مؤسس شبكة قنـوات "سي إن إن" (CNN) الإخبـارية التي تعتبر من أكبر وأكثر المحطّات الإعلامية تأثيرا في أميـركا والعالم، إلى جانب تربّعه على إدارة وتأسيس العديد من المؤسسات العملاقة الأخرى معظمها في عالم الأعمال. الرجل الآن في الثمـانين من عمره ويملك ثـروة ضخمة تقدرها فوربس بحوالي 2.2 مليار دولار في آخر تحديث لها في مارس/آذار من عام 2018.

   

المدهش، ولسخـرية القدر، أن مؤسس هذه الشبكـات الإعلامية الضخمة كان يعـاني في طفولته من مرض صعوبة القراءة والتعلم، وعدم قدرته السريعة على الاستيعاب. عندما بدأ في حضور المدرسة، أدرك تيـرنر أن لديه معاناة حقيقيـة في فهم بعض المواد وعدم قدرته على استيعابها بشكل طبيعي مثل بقية أقرانه، خصوصا مادتي الرياضيـات وأي مادة تستلزم منه القراءة. هذه الصعوبات جعلته يهتم بمواد دراسية أخرى مثل الرياضة والتدريبات العسكـرية، التي أثّـرت في مستوى انضبـاطه لاحقا في ممارسة أعماله.

    

وعلى الرغم من المصاعب التي مرّ بها في الدراسة، فإنه في الوقت نفسه أبدى تميزا ملحوظا في إدارة الأعمال والمشروعات، حيث حقق نجاحا مدهشا في إدارة أحد القطاعات في شركة والده واستطاع أن يضاعف الأرباح في عام واحد. لاحقا، تولى تيرنر قيادة شركة والده بالكامل -بعد انتحـاره- وقادها إلى بناء أكبر حملات دعائية في أميـركا في السبعينيات، ومن ثمّ التمدد في عالم الدعاية والإعلان ليصبح واحدا من أهم أقطاب هذه الصناعة في العالم.

   

كان الأسلوب الأساسي الذي اتبعه تيد تيرنر في الإدارة والأعمال هو استهداف أمرين، الأول هو أنه قام بتطوير تكنيكات خاصة لحل المشاكل وفهم الأزمات تساعده على تخطّي أعراض الـديسلكسيا التي يعانيها من صعوبة الفهم والقراءة، مما جعله بالتدريج يتفهم الأشياء بشكل مختلف وربما أكثر نجاحا من غيره. والثاني هو أنه استهدف دائما طوال رحلته في عالم الأعمال إحاطة نفسه بالمستشارين الأكفاء الذين يمكنهم تبسيط كافة الأزمات والمشاكل ليتمكن من استيعابها بشكل سريع، ومن ثم يبدأ العمل على علاجها. (8، 9، 10)

   

صعـوبات التعلّم قادته إلى أكبر شركة أثاث في العالم

     

رغم رحيـله في مطلع عام 2018 عن عمـر يناهز واحدا وتسعين عاما -مواليد عام 1926-، فإن رائد الأعمال السويدي الأشهـر "إينغفـار كامبـراد" يحجز مكانا خاصا في السيـر الريادية المُلهمة، حيث جسّدت قصـة نجاحه في تأسيس شـركة "إيكيــا" (IKEA) الشهيرة العالمية للأثاث جوانب عديدة للإصرار والعمل الجاد الذي أوصلها إلى هذه المكـانة.

     

إينغفـار كامبراد ترك الدنيا وهو يشغل منصبا شبه دائم في قائمة الأوائل لأثرى أثرياء العالم بثروة مليارية ضخمة غير محددة القيمة بالضبط، قدّرتها فوربس بـ 3 مليارات دولار، وقدرتها بلومبيرغ بـ 58 مليار دولار، وسط تقديرات أخرى مختلفة. في جميع الحالات، شغل رائد الأعمال السويدي مكانة عالمية متقدمة كرجل أعمال مخضـرم تنتشر شركـاته حول العالم دون استثناءات تقريبا.

     

هذا الرجل الذي كان يعتبر في حد ذاته مؤسسة مالية هو نفسه كان يعـاني من الديسلكسيا، أو صعوبة التعلم والفهم في طفـولته. والحقيقة أن هذه الأزمة لم تتوقف فقط عند مرحلة الطفولة والمراهقة، بل رافقته طوال حيـاته الطويلة، وكانت هي السبب في جعله يميل إلى اختيار أسماء سهلة للغـاية لمنتجاته وشركاته يمكنه أن يحفظها دون مجهود، بدءا من اسم شركته "إيكيـا" (IKEA) التي هي في الواقع اختصـار لأوائل الحروف من اسمه (Ingvar Kamprad)، وأول حرف لاسم المزرعة التي تربى فيها (Elmtaryd)، والقـرية المجاورة له (Agunnyard).

     

كانت صعوبة التعلم أيضا تسبّب عائقا كبيرا له في تذكـر الأسماء وتحليلها بشكل سريع، فما بالك عندما يكون الأمر مرتبطا بأكواد أو أرقام معينة. لذلك، عمد إينغفـار إلى اختيار أسماء بسيطة للغاية للمنتجات التي تقوم شركته بإنتاجها، حيث شعر بصعوبة بالغة في استخدام الأكواد لترميز أنواع الأثاث الذي تنتجه الشركة والذي لم يكن يستطيع أن يتذكـره، فقـام باستبداله بأسماء رجال ونساء من السويد، وأسماء جزر سويدية ونرويجية سهلة بالنسبة له للتذكر.

      

صورة لإينغفار كامبـراد (على اليسار) أثناء طفـولته التي بدأ فيها رحلته الريادية ببيع أعواد الثقاب

     

هذه الأسماء البسيطة التي أطلقها على منتجات الأثاث الذي تنتجه "إيكيا" (IKEA)، هو ما جعلها سهلة ومتداولة على الألسن بشكل عام؛ الأمر الذي جعل "صعوبة التعلم" التي عانى منها سببا جوهريا في تأسيس نظام خدمة عمـلاء شديد البساطة والسهـولة يمكّن العمـلاء أيضا من الوصول إلى المنتجات التي يرغبـونها من الأثاث بسهولة تامة. بمعنى آخر، كانت أزمته مع التعلم دافعا لأن يجعل شركته وإدارتها أكثر بساطة، وهو السبب الأساسي لنجـاحها عالميا.

       

قدّم إينغفار نموذجا مبدعا لرائد الأعمال العصامي، حيث بدأ حياته كبائع لأعواد الثقاب لأهل البلدة التي عاش فيها، ثم انتقل إلى تجارة الأسماك وأشجار الزينة، الأمر الذي مكّنه من افتتاح شركة صغيرة وهو في سن المراهقة أسماها بهذا الاسم الذي خلّده التاريخ "إيكيا" (IKEA) وهو في السابعة عشرة من عمره. في البداية كانت الشركة تعمل في بيع المنتجات الكمالية الصغيرة، ثم بدأ لاحقا في العمل على تجارة الأثاث والمفروشات وتحوّلت إلى "إيكيـا" التي نعرفها اليوم. (11، 12، 13، 14، 15)

   


تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار