هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
السلم والثعبان.. لعبة تساعدك على فهم تقلبات "البيزنس"

السلم والثعبان.. لعبة تساعدك على فهم تقلبات "البيزنس"

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
      
غالبا أنت قمت بممارسة لعبة السلم والثعبان في مرحلة ما من مراحل طفولتك. في هذه اللعبة، أنت تحرّك قطعـة اللعب خطوة خطوة أفقيا بوتيـرة بطيئة ثابتة وفقا للرقم الذي ظهر لك على النرد، إلى أن تقف قطعـة اللعب -إذا كنت محظـوظا بما يكفي- على "سلم" يرفعها عدة درجـات طوليا مختزلا الكثير جدا من الخطـوات الأفقيـة. أو العكس، أن تقف قطعـة اللعب على درجة الثعبـان التي تهوي بها عدة درجـات إلى أسفــل.

   

عالم الأعمال هو نسخة مطابقة تماما لعالم السلم والثعبان. في البداية، تبدأ مشـوارك الريادي بتأسيس شركتك والسعي خطـوة بخطـوة أفقيـا لتصل إلى آخر الصف، لتبدأ في تسلقّ صف جديد. رحلة طويلة من التخطيط والتنفيذ والعمل والتطوير والتحديث يحفّها الصبر واتساع الرؤية. وفي مرحلة ما، يُصادف أن تقف على خانة السلم، فيقذفك عدة صفوف إلى الأعلى ويتيح لك ظهـورا وانتشارا سريعا خارج ما كنت تتوقّعه في سعيك الأفقي الحثيث البطيء. وربما أيضا يصادفك ثعبـان يهوي بك من القمة نحو القاع.

    

هذا بالضبط هو ما يحدث كل يوم في عالم المال والأعمال، شركة صغيـرة ناشئة تطأ سلّمـا يجعلها تصعد بسرعة الصاروخ لتستحوذ على أسواق عالمية. وعلى النقيض، شركة عمـلاقة تطأ خانة رأس الثعـبان الذي يجعلها تهـوي من مكـانتها العالمية، لتجد نفسها في القـاع كما خُلقت أوّل مرة، وربمـا أسفل القاع كذلك.

     

سُلم يظهـر أثناء جولة استشرافية

"جون وليـارد ماريـوت".. رجل أعمال ومؤسس شركة ماريوت الدولية

مواقع التواصل
   

عندما جاء عام 1937، كـان "جون وليـارد ماريـوت" يعيش أزهى أيام عمـره. كان اسم "مـاريوت" قد بدأ بالانتشار التدريجي في الولايات المتحدة، بعد أن افتتـح سلسلة من عشـرة مطـاعم موزّعة في عدة ولايات تدرّ ربحا كافيا للغاية لإدارة وتدريب مئتي موظّف الذين كانوا يعملون في الشركة، مع طموحات ممنهجـة إلى زيادة عدد المطـاعم خلال سنوات وفقا للخطـة.

   

وكعـادته، قضى جي ماريوت تلك الفتــرة في المرور على كافة أفرع مطاعمه العشـرة للإشراف والتدريب ورفع كفاءة موظفيه، حتى جاء الدور على المتجر رقم 8 من سلسلة مطـاعمه والذي كان قريبا للغاية من مطار هوفر واشنطن. لاحظ ماريوت أن أكثر الزبائن الذين يترددون على المطعم يطلبون تغليف وجبـاتهم الغذائية حتى يمكنهم تنـاولها على متن الطائرة لاحقا -في ذلك الوقت لم تكن هناك وجبـات غذائية تقدم على متن الطائرات-، خصوصا في الرحلات الطويلة.

  

يقول "روبرت أوبريان" في كتابه "ماريوت" الذي يؤرخ للسيرة الذاتية للشركة، أن ماريوت ظل طوال الليل يفكـر بعد عودته من هذا المطعم حتى فارقه النوم تماما، ولم تكد شمس صباح اليوم التالي تشرق حتى توجّه مباشرة إلى شركة "إيسترن" للنقل الجوي عارضا عليهم عرضا فريدا: سيقوم مطعمه بتوفير وجبـات معلّبة على ممر الطائرة مباشرة تتيح للزبائن الشراء منها عبر سيارة نقل أطعمة كبيـرة تحمل شعار "ماريوت". وافقت الشركة لتمتد خدمته إلى شركة طيـران أخرى، حتى أصبحت ماريوت مسؤولة عن تقديم وجبات لـ 22 رحلة طيران يوميا.

    

كانت هذه الخطوة غير المدروسة سلفا سببا في إحداث نقلة تطويرية كبـرى لشركة ماريوت ساعدتها بشكل كبير في التوسع من فكـرة المطاعم التقليدية إلى شركة كبرى مزوّدة بالطعام لشركات الطيران، ومن ثمّ تأسيس لمنظومة "خدمة المطارات والخطوط الجـوية" بالمعنى العصري. لم تكن خطوة مدروسة، ولم يقم ماريوت بعقد عشرات الاجتماعات مع فريقه لدراسة هذه الفرصة، هو فقط لمح أن هناك فرصة تحمل تطورا نوعيا كبيرا في شركته، فكان من الطبيعي أن يفترسها دون تفكيـر. (1، 2)

   

سلم نتفليكس وثعبان بلوكباستر

    

في فترة الثمانينيات، لم يكن هناك صوت يعلو فوق صوت "بلوكباستر" (Blockbuster)، واحدة من أكبر شركات العالم في صناعة وإنتاج وتوزيع أفلام الفيديو المنزلي الذي كان صنـاعة متكاملة في تلك الفترة. في هذا العقد، كان فيلم السينمـا يصدر في دور السينما، ثم يُوزّع على شكل شرائط فيديو تحقق بدورها تجـارة رابحـة كبـرى تتنافس عليها مئات الشركات.

      

الشركة وصلت من الضخامة إلى درجة أن إجمالي متاجرها حول العالم زاد عن عشـرة آلاف متجر يرفع شعـار "بلوكباستر" التي تُوزّع الأفلام السينمـائية حول العالم، مع مستوى إيرادات سنـوي يقدر بنحو ستة مليارات دولار، فضلا عما يبدو أنه احتكـار كامل تقريبا لهذا السوق خلال الثمانينيات تحديدا، والسنوات الأولى من التسعينيات.

    

وعندما جاء عقد التسعينيات، جاء ومعه تمدد كبير لأهم اختراع غيّـر الحياة على وجه الأرض تماما، شبكة الإنترنت. كانت الشبكة حديثة، لكن تمددها السريع بدا من الواضح أنه سيغيـر قواعد اللعبة التقليدية تماما، ويحلها بأنماط جديدة من الأعمال خصوصا في عالم الأفلام والسينما والمرئيات. مع هذه الموجة نشأت شركة صغيرة لتوزيع الأفلام عبر شبكة الإنترنت بوسائل مختلفة، هذه الشركة اسمها "نتفليكس" (Netflix) التي لا يجهلها أي أحد في أيامنا هذه.

   

في عام 2000، ومع النجاح الذي حققته نتفليكس في عالم بيع وتوزيع الأفلام رقميا، تقدمت الشركة بعرض إلى شركة بلوكباستر تقوم على إثره الشركة العملاقة بدفع مبلغ 50 مليون دولار مقابل الاستحواذ الكامل على نتفليكس، وبالتالي مساعدتها في تطوير نظام جديد متكامل لبيع الأفلام ومشاهدتها عبر الإنترنت. المذهل أن بلوكباستر رفضت أن تدفع هذا المبلغ، ورفضت الاستحواذ على نتفليكس من الأساس باعتبارها شركة ناشئة متواضعـة.

       

     

بعد 10 سنوات بالضبط، وبقدوم عام 2010 كانت بلوكباستر قد هوت من رأس الثعبان إلى أسفل سافلين، حيث أعلنت إفلاسها الكامل وقامت على إثر ذلك بإغلاق معظم متـاجرها المنتشر حول العالم باستثناء بعض المتاجر التي اشترتها شركة "ديش نيتورك". في الوقت الذي صعدت فيه نتفليكس من قاع السلم إلى قمته بقيمة سوقية تجاوزت عشـرين مليار دولار في عام 2014، وتعـاظمها لتصبح أكبر من أهم شركات توزيع وإنتاج الأفلام على الإطلاق حول العالم. (3، 4، 5)

    

عندما ترفض السلم وتختار الثعبان

     

   

عندما تقوم شركة بتطوير منتج ثوري جديد، فإنها تضع في اعتبارها توظيف كافة مواردها وطاقاتها لدعم هذا المنتج وقيادة السوق به. هذا هو الطبيعي، حتى لو كان هذا المنتج الثوري سيؤثر على منتجات أخرى تنتجها الشركة نفسها، ولكنه من ناحية أخرى يوفـّر لها الريادة، وهذا يكفي تماما في أسواق العالم اليوم التي تعتبر الريادة التقنيـة هي أهم معالمها.

    

في منتصف السبعينيات، كانت كوداك تقود العالم الرقمي في العالم كله كأعرق شركة في مجال التصوير تحديدا. في هذا التاريخ، استطـاعت الشركة أن تحقق ثورة أخرى تضاف إلى ثوراتها في مجال التصوير، عندما استطاعت تطوير أول كـاميرا رقمية على مستوى العالم، بالتحديد في عام 1975. كانت كل الدلائل تشير إلى أن الشركة قامت بإنتاج منتج ثوري سيمثل لها سلّمـا أسطـوريا إلى سماء الأسواق، يضمـن لها البقاء على القمـة لعقـود طويلة.

    

الكاميرا الرقمية التي أنتجتها كوداك في تلك الفتـرة كانت تملكها ببراءة اختراع حصرية، مما يعني أن بيع حقوق هذه الكاميرا لأي شركات أخرى ستنال من ورائه أموالا طائلة، إلى جانب استخدامها في تطوير منتجـاتها الرقمية. ومع ذلك، كل هذا لم يحدث، قامت كوداك باتخاذ أخطر وأغرب إجراء ممكن وهو "إخفاء" الكاميرا وعدم تطويرها وطرحها في الأسواق بدعوى أن وجود هذه الكاميرا سيكون سببا في انهيار صنـاعتها الضخمة التي تقوم على تجارة الأفلام التقليدية ووسائل التصوير المعتادة التي كانت تقريبا تستحوذ على 90% من السوق الأميركي وقتئذ، الأمر الذي جعل الشركة تقرر تأجيل الإعلان عن هذا المنتج قليلا.

          

      

ولكن السوق لا ينتظر. خلال سنوات، استطـاع المنافسـون البدء في إنتاج كاميرات رقمية وتطويرها سريعا، وهو الأمر الذي أفقد كوداك الريادة قطعا وجعل كل يوم من أيام تأخيرها في إعلان منتجها الثوري يفقدها قيمته، إلى أن اضطـرت كوداك الإعلان عن منتجها بعد أن تشبّع السوق بمنتجـات شبيهـة تقدم مزايا تنافسيـة، قادت جميعها إلى الوصول إلى تقنية التصوير عبر الهواتف الجوّالة. كـان بإمكـان كوداك أن تكون محتكـرة بشكل مُطلق تقريبا قسما هائلا من صناعة الهواتف الذكية لعشرات السنين.

  

بمعنى أكثر دقة، فرّطت كوداك في خطـوة الصعود إلى السلم، وتجاوزته بعدة خطوات لتجد نفسها في خطـوة الثعبان الذي هوى بها إلى هوة سحيقة امتدت على مدار عدة سنوات، إلى أن انتهت رحلتها بالكـامل في عام 2012 عندما أعلنت إفلاسها التام في واحدة من أبرز وأشهر انهيـارات الشركات العالمية الكبـرى التي شهدها هذا القرن. (6، 7)

   

سُلّم آبل صغيــر الحجم عظيم الأثر

في نهايـة التسعينيات، كانت شركة آبل تعاني من مشاكل جمّة يمكن وصفها بالوجودية استدعت إعادة تعيين مؤسسها "ستيف جوبز" في منصب المدير التنفيذي بعد عدة سنوات من طرده من الشركة، وكانت المهمـة الموكلة إليه محددة وبسيطة: أعِد الشركة إلى الحيـاة على الأقل، وليس إلى سابق عهدها.

   

        

كانت مهمة جوبز أن يسير بخطوات حثيثة مرة أخرى تعمل على تقدم الشركة بعمل إصلاحات كبيرة، منها التخلي عن بعض منتجات الشركة، فتح أسواق جديدة، العمل على تطوير منتجـات جديدة. كان أحد هذه المنتجات الجديدة ذلك المنتج الذي أظهـره "ستيف جوبز" للجمهــور في عام 2001 على شكل جهاز صغير غير مسبوق في ذلك الوقت يعتبر وسيلة إعلامية متنقلة توفّر لحاملها الموسيقى والترفيه وتخزين المعلومات. كان اسم هذا الجهـاز هو "آيبـود"، واحد من أهم وأبرز منتجـات آبل التي أطلقتها مع مطلع الألفية الجديدة.

   

كان هذا المنتج تحديدا بمنزلة السلم الذي أعاد آبل إلى المنافسة العالميـة من جديد، وقفــز بها عدة صفوف إلى أعلى، حتى تبوأت مكـانتها كأضخم شركة تقنية في العالم، حيث مَثّل مرحلة تمهيدية لظهـور أهم منتجـات آبل خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وعلى رأسهم جهـاز الآيفون الشهير الذي ظهر في عام 2007، ثم جهـازها اللوحي الآيباد الذي ظهـر في 2010. كانت هذه المنتجـات خطـوات متتالية لسلّم عالٍ استطـاع أن يأخذ آبل إلى القمّة مجددا في زمن قياسي بعد سنوات عجـاف من ركـوب الثعابين التي تهوي بها إلى الأسفل، طوال فتـرة التسعينيات تقريبا. (8، 9)

   

أخيرا، ما بين سلم يرفع إلى الأعلى وثعبان يهـوي إلى الأسفل، يتأرجح مصيـر الشركات في عالم الأعمال بلا استثناءات تقريبا، بغض النظر عن مجال الشركة أو سوقها. في كل الأحوال يبقى "رد الفعـل" هو الأساس، فكم من شركة أوصلها السلم إلى القمّــة ثم سقطـت، وكم من شركة انهارت إلى القــاع ثم عادت إلى قمّــة أعلى مما كانت عليها سابقا.

   

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار