هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
محمد يونس.. الطريق لجائزة نوبل للسلام يبدأ بـ27 دولارا

محمد يونس.. الطريق لجائزة نوبل للسلام يبدأ بـ27 دولارا

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
     
كان البروفيسور محمد يونس يغادر مبنى الجامعة في ذلك اليوم من العام 1974، بعد أن فرغ من أداء واجبـاته اليومية المعتادة كأستاذ في علم الاقتصاد بجامعة بنغلاديش. وعلى الرغم من حداثة سنه وقتئذ - كان في منتصف الثلاثينيات من عمـره - إلا أنه كان يشغل درجة أكاديمية واجتماعية ومهنية ممتازة ، ولا ينقصـه أي شيء تقريبا على المستوى الشخصي أو الوظيفي.

     

في ذلك اليوم، وقعت عينـاه بالصدفة على "صوفيا بيغـوم"، امرأة بنغاليـة قروية شديدة الفقـر والخجل، تجلس على قارعة الطريق وتقوم بتصنيع كراس خشبية بسيطة باستخدام أعواد البامبو المنتشرة بكثافة في البلاد. تقدم إليها وسألها عم تفعله بالضبط، أخبرته أن عمـرها 21 عاما وهي أم لثلاثة أطفال، وأنها قامت باقتراض خمس تاكات (عملة بنغلاديش/الدولار يعادل نحو 84 تاكا) من أحد التجار، يحدد هو السعـر الذي يباع به الكـرسي ، ويشترط أن تسدد القرض أولا بفوائده مما يجعلها تجني أرباحا لا تزيد عن سِنْتين أميركيين فقط !

   

عندئذ فقط - بحسب ما رواه في مقابلة صحفية مع الأسوشيتد برس في العام 2004- قال لنفسه: يا إلهي! .. من أجل خمس تاكات فقط فقدت هذه المرأة حريتها، وأصبحت ملزمة بالديون على الرغم من أنها تنتج كراسٍ زاهية؟

   

كان هذا الموقف البائس -تحديدا- لحظـة الإلهام الأولى التي جعلت يونس يقرر أن يفعل شيئا ما. ولكنه حتما لم يكن يتصور أن الشيء الذي سيفعله سيتحول إلى واحد من أهم المشـروعات الريادية العالمية ذات الطابع الاجتماعي، وأنه بعد أكثر من أربعين عاما من هذا الموقف سوف يحصل على جائزة نوبل للسلام في العام 2006. (1،2،3)

    

البدايــة.. 27 دولارا تفك أزمة وتؤسس فكـرة

    

كأستاذ جامعي في مجال الاقتصـاد لم يكن من الممكن أن يتناسى ما رآه في ذلك اليوم. قـرر اليوم التالي أن يصطحب مجموعة من تلاميذه ويحول الأمر إلى ما يشبه نشاطا طلابيا محدودا يقتضي أن يقوم الطلاب بعمل استقصـاء في قرية "غوبرا"، وهي القرية نفسها التي تنتمي إليها المرأة، والبدء بجمع بعض البيانات عن أهالي تلك القرية وأنشطتهم ومحاولاتهم للتغلب على فقـرهم.

    

وكانت في انتظـارهم نتيجة مذهلة. هناك 43 شخصا في هذه القـرية يعملون في مشروعات شديدة البساطة والصغر، ويجنون هامشا ربحيا شديد التدني يجعلهم مدينين للتجـار الذين يقتطعون القدر الأكبر من الأرباح التي يجنونها في تجارتهم البسيطة. كم تبلغ الديـون التي يحملونها على عاتقهم ، والتي تؤدي بهم إلى نوع من العبودية التي قد تعرضهم لمساءلة قانونية تؤدي إلى سجنهم ؟ .. فقط 856 تاكا، أي ما يساوي 27 دولارا فقط عليهم مجتمعين. بمعنى آخر ، 27 دولارا كانت سببا في عبـوديـة 43 شخصا من سكان هذه القرية.

  

لم يتحمل الرجل هذا الموقف ، وقام بإعطائهم 27 دولارا وأخبرهم أنهم يستطيعون تحرير أنفسهم من الديون الهزيلة التي تقض مضاجعهم. وفي الوقت نفسه، وبسبب فكـرته الوليدة التي أراد اختبـارها، أخبـرهم أن هذا المبلغ يعد قرضا بدون فوائد، ويمكنهم تسديد هذه الأموال في أي وقت متى استطاعوا ذلك دون غرامات أو إتاوات أو تهديدات قانونية، وأن لديهم رؤوس أموالهم الآن، ويمكنهم المتاجرة فيها بشراء بعض المواد الأولية.  

المفاجأة: قام جميع القـرويين بإعادة المبلغ، ولم يتخلف منهم واحد. فكانت هذه التجربة الناجحة الشرارة الأولى التي جعلته يفكـر في تعميم التجربة. (3،4)

  

التجربة نجحت.. فلنحارب لتحويلها إلى مؤسسة

    

كان نجاح هذه التجربة دافعا ملهما للاقتصادي المخضـرم في تحويلها من مجرد عمل فردي قام به تجاه عشرات الأفراد ، إلى مؤسسة كبيـرة تقدم الخدمة إلى الآلاف، تقوم بإقراض الفئات الأكثـر فقرا بقروض متناهية الصغـر بدون فوائد ، تتيح للمقتـرضين البدء في عمل مشروعات صغيـرة توفر لهم قوت يومهم ومتطلبات حيـاتهم الأساسية.

   

في العام 1976  وبعد دراسة مكثفة لجدوى المشـروع وطرق تمويله وإدارته ، توجه محمد يونس إلى الفرع المحلي لبنك جاناتا - أحد البنوك الحكومية البنغالية - ، عارضا عليهم بالتفصيل فكـرة مشـروع للقروض المتناهية الصغر الموجهة للفقراء بدون فوائد أو التزامات مشددة ، والتي إذا تم تطبيقها وفقا لخطته سوف تساهم في إحداث طفـرة كبرى للطبقة الفقيرة ، وتحل الكثير من المشاكل المعقدة التي يمر بها المجتمع البنغالي.

   

وكما هو متوقع ، رفضت الفكـرة تماما من البنك بسبب الغرق في البيـروقراطية المعتادة. كانت حجج الرفض المبدئية أن الفقراء غالبا أميين ولن يتمكنوا من ملء الاستثمارات اللازمة للحصول على القروض، فضلا أنه لا يوجد أية ضمانات لإعادة هذه المبالغ وبالتالي هو مشروع ذو مخاطر مرتفعة. وبعد مفاوضات ، عرض يونس على إدارة البنك إجراء مشروع تجريبي يقوم هو شخصيا بضمـان قروض هؤلاء الفقراء بمبلغ 300 دولار ، ويقوم هو بنفسه بتقديم الأوراق اللازمة لكل قرض وملء الاستمارات نيابة عنهم ، لأن البنك لا يريد التعامل مع الفقراء مباشرة.

النتيجة : نجح المشـروع في ضربته الأولى ، واستطـاع أن يحقق نموا ملحوظا عندما أقدم الفقراء على أخذ القروض وثم إعادتها بمعدل استرداد كبيـر جدا ، وهو الأمر الذي شجع كلا من يونس والبنك أن يعملا على تطوير المشـروع بتحويله إلى مصرف فرعي تابع للبنك، أطلق عليه بنك "غرامين" وهو ما يعني " بنك القـرية "، وأسند إلى محمد يونس تأسيسه وإدارته بالكامل. (1،3،4،5)

    

بنــك غرامين.. المبادئ والنتائج

   

استلم محمد يونس مهمة تأسيس وإدارة البنك بشكل مؤسسي على الرغم من عدم امتلاكه لأية خبرات سابقة في إدارة البنوك، وإن كـان متخصصا في تدريس الاقتصاد ومعرفة توجهـاته، إلا أن الأثر الكبير الذي شاهده في تجـاربه الميدانية جعلته يقرر الاستمرار ، والبدء في النظر للطريقة التي تعمل بها المؤسسات المالية الأخرى والتعلم من أخطائها. وبشكل ما ، وجد نفسه يسير في منهجية " عكسية " تماما لما تقوم به البنـوك المعتادة.

  

ركز بنك القـرية على مجموعة من المبادئ ، أولها أن الفقـراء قطعا سوف يسددون هذه القـروض ولن يتهربوا من دفعها ، لسبب بسيط أن القـرض شروطه شديدة السهولة من ناحية ، وأنه هو أيضا فرصتهم الوحيدة للخروج من الفقر من ناحية أخرى ، وأن تخلفهم عن سداد القـروض السهلة يعني فقدانهم فرصة النجاة من مستنقع الفقـر ، لأنهم سيجدون أنفسهم في قبضة التجـار المرابين الذين يشتـرطون فوائد عالية.

  

الأساس الثاني ، هو اعتقاد يونس أن تحميل الفقيــر قدرا كبيرا من الديون هو السبب الأساسي الذي يثبطه عن سداد الدين. لذلك ، عمل على خلق منهجيـة شديدة المرونة والسهولة ، حيث تستمر مدة سداد القرض سنة كاملة ، على أن يسدد المقتـرضون جزء ضئيلا للغاية يوميا. وفي وقت لاحق ، أصبح هذا الشرط أسبوعيا. بمعنى آخر ، قام بتوفيـر منهجية شديدة الراحـة للمقتـرضين تريحهم نسبيا ، وتتيح لهم سداد القـرض بأريحية كاملة.

    

   

أما أهم مبدأ من المبادئ التي اتبعها ، هو أنه قــرر التركيز بشكل كامل على المرأة. سيقوم بنك القـرية بإقراض المال بشكل حصـري تقريبا للنساء، مع مراعاة الاستثناءات من الرجال، وذلك بناء على دراسات موسعة أجراها يونس ميدانيا ، أكدت أن النساء يشكلن نسبة الأغلبية من الفقراء والعاطلين والمحرومين، فضـلا عن أن النساء عادة ما يكن معيلات ومسؤولات عن تحسين مستوى حياة أسرهن أكثر من الرجال ، ويملن لإنفاق الأموال في تحسين حياة أسرهن وأطفالهن وشراء المستلزمات الأساسية لهم، بعكس الرجال الذين يميلون في الغالب إلى إنفاق الأموال المقتـرضة على أنفسهم.

   

خلال النصف الثاني من عقد السبعينيات ، استطاع البنك - وفقا لهذه المبادئ - أن يحقق نشاطا ملحوظا ، حيث استطـاع بنهاية العام 1981 توفيـر قروض متناهية الصغـر بإجمالي 13.4 مليون دولار استفاد منها آلاف القرويين والأسر ، وهو الأمر الذي شجـع البنك لتطوير خطـة للانتقال إلى المزيد من المقاطعات في بنغلاديش بعد أن تلقى مساعدات مالية من مؤسسات عالمية مثل فورد والصندوق الدولي للتنميـة الزراعيـة. ( 3 )

  

بنك لفقـراء بنغلاديش.. والعالم

 

حتى العام 1982 كان مصـرف غرامين يحقق نتائج طيبة للغاية كتابع لمصـرف " كريشي بنك " ، إلا أن البلاد شهدت أزمة سياسية عنيفـة أدت إلى انقـلاب عسكـري أطاح بحكـومة بنغلاديش المدنية. الطريف أن الانقلاب وقع أثناء مؤتمر كان يحضـره يونس برفقة مع الخبراء الاقتصاديين في بنغلاديش ولم يتمكنوا من مغادرته ، فقضى يونس بعض الوقت يشـرح فكـرة غرامين لأحد الشخصيات التي كانت حاضرة المؤتمر وكان محاصرا معه. بعد انتهاء الانقلاب ، تم تعيين هذا الشخص تحديدا وزيرا للمالية في الحكـومة الجديدة ، وهو ما جعله يتبنى أفكـار يونس بعد أن تولى حقيبته الوزارية.

 

بمساعدة حكـومية، وفي العام 1983 قام يونس بإعادة هيكلـة مصرف غرامين بالكامل كمؤسسة مستقلـة هذه المرة ليست تابعة لبنك آخر ، واستطـاع الحصـول على دعم محلي وعالمـي جعله يطلق خطـة طموحة للتوسع في مختلف أقاليم بنغلاديش بتوفيـر القروض متناهيـة الصغر للقرويين ، خصوصا مع افتتــاح عشـرات ثم مئات الفـروع للبنك حول البلاد.

       

محمد يونس يفتتح فرع بنك غرامين في الولايات المتحدة (مواقع التواصل)

   

على مدار الثمانينيات والتسعينيات، حقق بنك غرامين طفـرة مدهشة ، أدى إلى نشوء عدد كبير من المؤسسات الفرعية تصب جميعها في خدمة الفقـراء ، شاملة خدمات الإقراض للتعليم ، وخدمات الإقراض لبناء المنازل ، وخدمات الإقراض للكوارث الطبيعية وخدمات الإقراض للأسرة. وبقدوم العام 2005 بلغ إجمالي القـروض التي منحها البنك على مدار عمله نحو 4.8 مليارات دولار ، ارتفع إلى 7.6 مليارات دولار في العام 2008 كقـروض موجهة للفقــراء.

   

في العام 2017 بلغ عدد فروع بنك غرامين أكثر من 2600 فرع في مختلف المناطق البنغالية ، وبلغ عدد المقترضين أكثر من تسعة ملايين مقتـرض بمعدلات استرداد مرتفعة للغاية تتراوح ما بين 97% إلى 99.6%. هذا النجـاح عد نموذجا مثاليا للعديد من المشـروعات التي تبنتها 40 دولة حول العالم متخذة من بنك غرامين نموذجا تطبيقيا أساسيا ومستخدمة نظامه المؤسسي والمنهجي في الوصول إلى القرى الأكثر فقرا وفي دعمها بالقروض متناهية الصغر.

   

ومؤخرا ، تمدد البنـك في الدول الثرية أيضا ، حيث تأسس في أميـركا 19 فرعا في إحدى عشـرة ولاية ، وقام بتقديم خدمة القـروض لنحو مئة ألف امرأة وفقيـر في هذه الولايات ، بنفس نمطه الأساسي الذي نشأ في بنغلاديش. ( 3 ، 5 ، 6 ، 7 )

      

     

أخيرا، إلى جانب جائزة نوبل للسلام التي حصل عليها في العام 2006 نظيـر مشروع بنك غرامين ، حصد محمد يونس عددا كبيرا من الجوائز تكريما له كأحد أهم رواد الأعمال الاجتمـاعيين (Social Entrepreneurs) حول العالم  الذين استطاعوا تحويل شغفهم الريادي إلى خدمات اجتماعية استفاد منها الملايين من الفقراء والمحتاجين، ليس فقط في وطنه الأم وإنما أيضا على مستوى العالم، إما بتصدير نموذج بنك غرامين للدول الأخرى للاقتداء به، أو عبر توسع البنك نفسه خارج حدود بنغلاديش وانتشاره حول العالم.

   

ولايزال السؤال قائما : هل يمكن تطبيـق نموذج " بنك القـرية " في الدول العربية التي تعاني معدلات عالية من الفقر ؟.. ما نجح في بنغلاديش ، حتما سينجح في مصر واليمن والمغرب وفلسطين وسوريا، فقط إذا توافـر الشخص أو المؤسسة التي تلعب دور محمد يونس في هذه الدول.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار