انضم إلينا
اغلاق
الأخطاء العظيمـة.. منتجـات ثورية جاءت من رحم المصادفة

الأخطاء العظيمـة.. منتجـات ثورية جاءت من رحم المصادفة

  • ض
  • ض

 "اسم أعظـم المخترعين هو.. المصادفة!"

مارك توين، كاتب أميـركي ساخر (1)

  

ثمة تصوّر شائع عن الاختراعات والمنتجات الثورية التي غيّرت مسار البشرية بشكل جذري، فهذه الاختراعات يقف وراءها مجمـوعة من الرجال والسيدات العباقرة ثائري الشعـر الذين يترددون على المعامل طوال الوقت، أو الذين يقضـون أياما طويلة من حيـاتهم يتأملون ويتفكـرون ويختبرون. حسنا، هذه الصورة قد تبدو صحيحة بالنسبة لبعض الحالات، ولكنها ليست أبدا الصورة الكاملة.

    

التاريخ يؤكد أن بعضا من أهم المنتجات الثورية التي شهدها العالم جاءت وليدة المصادفة البحتة، بل يمكن القول إن بعضها جاء وليد الخطأ، وليس فقط مجرد مصادفة. هذه الحالة -الاكتشافات المذهلة نتيجة الأخطاء- لها وجودها في كل المجالات تقريبا بلا استثناء، بدءا من المجالات الطبية وليس انتهاء بالاكتشافات العلمية. الأمر لا يختلف كثيرا عن المجالات التجارية والاستهلاكية، حيث شهد العالم ظهور مجموعة من أشهر المنتجات وأكثرها ذيوعا وانتشارا فقط بسبب المصادفة أحيانا والخطأ أحيانا أخرى.

     

زبون سمج قد يخلّد اسمك للأبد

     

الأمـر بدأ كطلب عادي من أحد الزبائن الذين يترددون على ذلك المطعـم الأنيق المُطل على بحيـرة ساراتوغا بالقرب من مقاطعة ساراتوغا سبرينجز في مدينة نيـويورك الأميـركية في أحد الأيام في عام 1853. كان الطلب الذي طلبه الزبون ببساطة طبقا من البطاطس المقلية.

    

وبشكل دوري، قام الشيف "جورج كروم" (George Crum) بتجهيـز الطبق سريعا باعتباره وجبة دورية عادية تماما، وقام بإرساله إلى مائدة الزبون، ليفاجأ بالنادل يعود إليه مرة أخرى قائلا إن الزبون رفض الطبق وقام بإرجاعه مرة أخرى طالبا أن تكون البطاطس "أقل سمكـا" ومقلية أكثر. في المرة الأولى، استجاب الشيف وقام بتقطيع البطاطس لشرائح أقل سمكـا، ثم قام بقليها في الزيت بشكـل أكبر تلبية لرغبة الزبون. انتهى من إعداد الطبق، ثم طلب النادل ليقوم بتوصيل الطلب مرة أخرى للزبون.

    

فوجئ الشيف بأن النادل عاد إليه مرة أخرى، قائلا إن الزبون قد رفض تناول البطاطس، وأنه يطلب أن تكون البطاطس مقلية أكثر فأكثر، وأن يكون سمكهـا أيضا أقل. هنا، فقد الشيف أعصابه، فقام بتقطيع البطاطس وجعلها رفيعـة للغاية بشكـل لا يُصدق، ثم قام بوضعها في الزيت وقليها لدرجة أن البطاطس تصلّبت وفقدت مرونتها بشكل كامل، لتصبح متماسكة، ووضع فوقها كمية كبيرة من الملح. ثم طلب النادل، وقدّم إليه الطبق في انتظـار أن يعيد الزبون له الطلب مرة أخرى وتنشب مشكلة كبيرة بينه وبين إدارة المطعم، باعتبار أنه من المستحيل أن يتناول هذه البطاطس.

   

المدهش أن النادل لم يعُد مرة أخرى، وأن هذا الزبون المشاغب أُعْجب جدا بطبق البطاطس الذي تناوله، بل وطلب تناول طبق آخر بعد الانتهاء من طبقه. كانت هذه اللحظة هي بداية ميـلاد "البطاطس المقـرمشة" على يد الشيف جورج كروم، والذي ارتبطت هذه النوعية من البطاطس باسمه للأبد. بدأ جورج كروم تقديم هذه النوعية من البطاطس المقرمشة للمزيد من الزبائن الذين أبدوا إعجابهم بها، وأصبحت البطاطس المقرمشة وصفة أساسية من وصفاته اليومية في إدارة المطعم.

    

لاحقا، قامت صناعات غذائية ضخمة تعتمد على هذا النوع من البطاطس المقـرمشة، واعتُبرت من أكثر الأكلات السريعة التي تُباع في الأسواق والمتاجر والتي يُقْبِل عليها الأطفال بشكل خاص. (2، 3، 4، 5)

    

فقط لأنه نسي أن يغسل يديه ذلك اليوم

   

القاعدة الأولى لأي كيميـائي قبل وبعد دخـول المعمل هي: دائما اغسل يديك. لا يوجد كيميائي في أي مكان في العالم لا يتبع هذه القاعدة، طبعا لأغراض تتجاوز غسل اليدين لمجرد النظافة إلى أغراض الأمان الشخصي والحماية من خطر أي كيماويات قد تسقط على اليدين وقد تتسبب في أزمات صحية كبيرة لاحقا.

   

في عام 1879، وبعد يوم طويل مرهق في معمـل الكيمياء قضـاه الكيميائي كونستانتين فاهلبيـرغ الباحث في جامعة جونز هوبكينز الأميـركية، حيث كان يعمـل على دراسة "قطـران الفحم" (Coal Tar). قرر فاهلبيـرغ أخيرا أن يستسلم لنداء الجوع، فترك معمله الكيميائي وتوجّه لتناول وجبة العشاء ناسيا تماما أن ينفّذ القاعدة الأساسية للكيميائيين: اغسل يديك بمجرد توجهك للخروج من المعمل.

  

بيدين ممتلئتين بآثار المواد الكيميائية في المعمل، بدأ فاهلبيرغ بتناول وجبته بادئا بكسرة خبز وضعها في فمه، فلاحظ مندهشا أن مذاقها سكّــري للغاية بشكل غير مألوف إطلاقا. للوهلة الأولى، اعتقد فاهلبيرغ أن الخبز يحتوي على سكّر ما، قبل أن يمد يده إلى منديل ليمسح فمه، ليلاحظ أيضا أن مذاق المنديل سكّري! التقط كوبا من الماء ليشرب، فلاحظ أن مذاق الماء سُكّــري. هنا، لم يكن أمام الباحث المندهش سوى أن يضع إصبع إبهامه بالكامل في فمه ليتذوقه، ليتذكـر أنه لم يقم بغسل يديه بعد خروجه من المعمل، وأن يديه قد امتلأت بطعم مادة سكّـرية عجيبة غالبا هي السبب في جعل كل شيء على المائدة له مذاق سكّري!

  

عاد فاهليبرغ مسرعا إلى المعمل لمعرفة مصدر هذه المادة السكـرية، ليكتشف في النهايـة مادة "السّكـارين" (saccharin) الشهيـرة المعروفة في التحلية الصناعية لكافة المنتجات كبديل عن السكّر، وهو الأمر الذي جعله يسرع لتسجيلها كبراءة اختراع خاصة له، ومن ثم استخدامها كواحدة من أهم المواد الكيميائية التي تدخل في تصنيع الغذاء والمشروبات حتى الآن.

  

تخيّـل إذا كان فاهلبيـرغ قد غسل يديه قبل تناول وجبته في ذلك اليوم؟! غالبا لم يكن يعرف اسمه أي أحد الآن، وربما لم نكن لنعرف المُحلّيات الصناعية حتى اللحظة. (5، 6، 7، 8)

  

عندما تنفّذ عكس المطلوب.. وينجح

     

في عام 1968، كان العالم والباحث سبينسر سيلفر منهمكا في مشروع كبيـر أطلقته شركة "3M" العمـلاقة لتطوير مواد صمغيـة قوية للغاية تفوق في قوتها كل المواد اللاصقة والصمغية الموجودة في الأسواق، وبالتالي يكون لها الريادة في كل المجالات الصناعية التي تستدعي مواد لاصقة قوية سواء في صيانة السيارات أو الأجهزة أو المركبات الكبير أو متطلبات البناء والدهان في المنازل. كان المطلوب من سبينسر المساهمة في تطوير مادة لاصقة قوية للغاية تضمن الأفضلية لـ "3M".

    

الواقع أنه كانت في انتظار سبينسر مفاجأة مؤسفة -أو هكذا بدت له وقتئذ-، حيث إن المادة التي قام بتطويرها لها خصائص عكسية تماما للمادة المطلوب توفيرها. فبدلا من تطوير مادة صمغية قوية للغاية، قام سبينسر بإنتاج مادة صمغية شديدة الضعف، بالكاد تسمح بالتصاق الأشياء بها. لكن هذه المادة أيضا لا تترك أثرا على الإطلاق عندما تُزال من أي سطح. بالطبع، بدت هذه المادة غير ذات فائدة على الإطلاق وقتها، ولم يتحمّس لها أي مدير من مديري الشركة باعتبارها مادة لا يوجد لها أي تطبيقات يمكن أن تدرّ ربحا على الشركة.

  

بدأ سيلفر في عرض اختراعه على كافة المديرين في الشركة دون جدوى، حتى حدث أنه في أحد المؤتمرات التي تنظّمها الشركة (تعقد شركة "3M" العديد من المؤتمرات بين الأقسام المختلفة لتحفيز التداخل بين قطاعاتها)، استطاع أن يعرض اختراعه على زميل له يُدعى آرت فراي الذي أُعجب بشدة بالمادة اللاصقة الخفيفة، خصوصا عندما ساعدته في حفظ أوراقه داخل أحد السجلّات والتي كانت عادة ما تتساقط وتتطاير منه. هنا فقط، قرر آرت فراي مساعدة سيلفر سبينسـر ودعم اختراعه وإقناع الإدارة بأهميته القصـوى كمنتج قد يكون له مردود إيجابي هائل للشركة.

  

في النهاية تبنّت شركة "3M" الاختراع وقامت بتطويره ليظهـر في الأسواق واحد من أهم وأشهر منتجاتها على الإطلاق باسم "Post It Note"، أو ورق الملاحظات الملتصقة على الحائط الذي استُخدم لعدة عقود في كل المكاتب والشركات في كافة أنحاء العالم تقريبا، والذي ما زال يُستخدم حتى الآن. (5، 8، 9)

  

خطأ ساذج يحافظ على حيـاة الملايين

  

في عام 1956، كان ويلسون غريتباتش يعمل باحثا في جامعة بافالو الأميركية بهدف اختراع جهـاز لتسجيل معدل ضربات القلب. استطاع ويلسون أن يحقق نتائج لا بأس بها، لكنه وفي أحد الأيام قام بالخطأ الكلاسيكي المعتاد الذي يقوم به كل المغفّلين وضعفاء التركيز: قام بسحب الجزء الخاطئ من صندوق الجهـاز، وقام بوضعه في الدائرة الكهربية.

    

بالتأكيد لم يكن ويلسون يتخيّل أن هذا الخطأ الساذج الذي ارتكبه سيحفظ حياة الملايين كل عام لاحقا. فعندما قام بسحب الجزء الخطأ من الجهاز ووضعه في الدائرة وبدأ في استخدامه لاحظ أنه يستمع إلى ضربات قلب منتظمة بشكل طبيعي، مما أعاد إلى ذاكرته النقاشات التي كان يخوضها مع علماء آخرين بخصوص مدى تأثير المحفزات الكهربائية على تحفيز القلب وإعادته للنبض بشكل طبيعي.

    

قبل أن يتوصل ويلسون إلى جهازه، كان جهاز منظم ضربات القلب المعتاد في المستشفيات ضخما بحجم التلفاز. أما جهازه فهو صغير للغاية من عدة إنشات يمكن زرعه بسهولة في أجساد المرضى الذين يعانون من اضطراب في دقات القلب، ويلعب دور المنظّم الدائم له. منذ هذه اللحظة، ساهم جهاز ويلسـون الناجم عن خطأ في توصيل الأجزاء الصحيحة ببعضها في الحفاظ على حياة ملايين البشر سنويا. (5، 8، 10، 11)

      

وصفة لتخفيف الألم تحوّلت إلى أهم مشروب في العالم

   

في عام 1865، أُصيب جون بومبرتون إصابة بالغة في صدره أثناء إحدى المعارك الدائرة في أميـركا إبان فترة الحرب الأهلية. في الأساس كان جون بومبـرتون صيدلانيا، لكن تم تجنيده للخدمة في الجيش بشكل نظامي في القطاع الطبي. كانت إصابة بومبـرتون بالغة، لكنها ولحسن الحظ لم تؤد إلى مقتله، وهو ما جعله يتابع علاج نفسه بنفسه بتناول كميات كبيـرة من المورفين للتغلب على الألم الهائل الذي شعر به في الأسابيع الأولى من الإصابة.

  

بمرور الوقت، بدأ بومبـرتون في اختبار خلط أوراق الكوكا بالكحول بالأفيون بهدف الوصول إلى شراب مهدئ وفي الوقت نفسه يعالج الألم. في النهاية، توصّل بومبـرتون إلى ما يشبه شرابا كحوليا جديدا من صناعته أطلق عليه: مشروب الكولا الفرنسية.

 

في السنوات اللاحقة، وبعد تحسن إصابته، بدأ بومبرتون في الاستعانة بصديق له كان متخصصا في الأدوية أيضا لمساعدته في الوصول إلى أفضل وصفة ممكنة لهذا المشـروب بهدف معالجة آلام المرضى أثناء فتـرة النقاهة. كانت أفضل وصفة عندما قام الاثنان بوضعها -بالخطأ- في ماء مُكــربن أثناء قيامهما بإعداد أحد الأكواب، الأمر الذي كوّن مشروبا بذائقة رائعة. هنا قرر بمبـرتون اعتماد الماء المكـربن في خلطته المخلوطة بالكحـول، ومن ثم تقديمه كمشـروب ترفيهي للعامة بدلا من تقديمه كمشـروب لعلاج آلام المرضى.

  

لاحقا، أُضيفت العديد من التطويرات في تركيب الكولا، ونُزع الكحـول والمخدّرات من تركيبته وتقديمه كمشـروب غازي يمكن للجميع الاستمتاع بشربه سواء الكبار أو الأطفال، ومن ثم تأسيس شركة "كوكاكولا" التي تُعتبر واحدة من أعرق وأكبر شركات العالم في المشروبات الغازية. (5، 12)

         

تقارير متصدرة


آخر الأخبار