انضم إلينا
اغلاق
هل تأسيس شركتك يشترط امتلاكك للخبرة؟

هل تأسيس شركتك يشترط امتلاكك للخبرة؟

  • ض
  • ض

في عام 1974، تم توجيه دعـوة لـ "راي كـروك" مؤسس سلسلة ماكدونالدز لوجبات البرجر السريعـة لإلقاء محاضـرة في جامعة تكساس بمدينة أوستن أمام حشد من طلبة الماجستير والدراسات العليا. وبالفعل، قدم كـروك محاضـرة ممتازة ومؤثرة ومُلهمة للحاضرين، ثم فتح المجال للنقاش بينه وبينهم بإبداء الرأي وطرح الأسئلة في إحدى الساحات الترفيهية المُلحقة بالجامعة بعد الانتهاء من المحاضـرة الرسمية. في منتصف النقاش الموسّع بينه وبينهم، بادرهم راي كـروك بسؤال بدا غريبا إلى حد كبيـر: هل تعرفـون بالضبط ما مجال عملي؟

  

تنوّعت ردود أفعال الطلاب ما بين مبتسم وضاحك، ظنا منهم أن "كـروك" يداعبهم. لكنه صمم على تكـرار السؤال نفسه: في أي مجال تظنـونني أعمل؟ ومع دهشة الطلاب من السؤال، تعالى صوت أحدهم قائلا: من في العالم كله لا يعرف أن مجال عملك هو إدارة مطاعم الهامبـرغر؟

 

ضحك راي كروك طويلا، ثم قال: هذا ما ظننت أنكم سوف تقولونه. الواقع يا سادة أنني لا أُدير مطاعم وجبات سريعة، ولا أعرف كيفية إدارتها، فضلا عن أنني لم أطهُ الهامبرغر مرة واحدة في حياتي. عملي الحقيقي هو العقارات، وليس الهامبـرغر! (1)

    

ما وراء الهامبـرغر  

  

لم يكن راي كروك يبالغ قطعا عندما ذكـر أن مجال عمله الأساسي هو العقارات، وليس إدارة المطاعم فضـلا عن طهي البرجر أو تذوّقه. راي كروك قضى حيـاته العملية كلها مندوب مبيعـات لشركة حليب مخفوق، وبدأ في رحلة الاستحواذ على ماكدونالدز ومن ثم إشهـاره عالميا بعد أن تجاوز سن الثانية والخمسين عاما. وقتئذ، لم يكن لدى كـروك أي معرفة لا بالطهي ولا بالوجبات السريعة ولا حتى عالم العقارات. كل ما كان يعرفه في الحياة هو مبادئ التسويق.

  

ما فعله بعد الاستحواذ على الفرصة من الأخوين ماكدونالدز هو التوسّع في استخدام "حق الامتياز التجاري" لتأسيس سلسلة من المطاعم تحمل الاسم نفسه في الولاية ثم الولايات المتحدة ككل. فشـل في البداية في تحقيق أي نجاح، فاستعـان بخبير في العقارات لأخذ استشاراته بخصوص التوسّع للشركة، وهو الخبير نفسه الذي ضمّه كـروك لشركته لاحقا ليتخذ مناصب قيادية مميزة فيها.

 

بمعنى آخر، لم يكن كـروك يعرف سوى معلومات عامة بخصوص "إدارة العمليـات" في مطاعمه حول طرق إنتاج البرجر وتقنيـاته، وكان كل تركيزه فيما يخص هذا القطاع هو التأكيد على توفير "الجودة والسرعة" دون معرفة فنّية بما يحدث بالفعل. ومن ناحيـة أخرى، عندما قرر أن الفرنشـايز هو أهم ما يجب أن يفعله لنشر العلامة التجـارية، استعان بخبيـر في العقارات لتنفيذ هذا الاتجـاه باعتبار أنه لم يكن لديه خبـرة سابقة في قطاع العقارات أيضا قبل أن يبدأ في تشييد إمبراطورية ماكدونالدز.

 

باختصار: إمبراطورية ماكدونالدز لم يتم بناؤها بواسطة خبير في الطبخ أو خبير في إدارة المطاعم. إمبراطورية ماكدونالدز شُيّدت بواسطة شخص لديه حد أدنى من الرؤية التسويقية قام بالاستعانة بالخبراء في مجالات مختلفة ليؤسس إمبراطوريته التي شُيّدت على قواعد لعبـة العقارات قبل أي شيء آخر. (2، 3، 4)

   

العذراء

      

"أنت لا تستطيع أبدا أن تعرف ما ستؤول إليه الأمور عندما تبدأ بالقيام بعمل ما. الشيء الوحيد الذي يجب أن تفعله هو أن تجرّب" (5)

    

ريتشارد برانسون هو قائل هذه العبارة في معرض حديثه عن عالم الأعمال ومآلاته، ولماذا تنجح مشروعات بعينها وتفشل مشروعات أخرى. برانسـون -لمن لا يعرفه- هو أشهر ملياردير في بريطانيا، حاصل على لقب "سير" باعتباره مؤسس مجموعة "العذراء" (The Virgin) العمـلاقة، والتي تعتبر من أضخم شركات العالم العابرة للقارات ومتعددة المجالات، حيث تضم أكثر من 400 شركة يشغّلها أكثر من 70 ألف موظف حول العالم، يعملون في مجالات الاتصالات والنقل والسياحة والفندقة وتنظيم الحفلات والمشروبات والصناعات الثقيلة والترفيه والموسيقى، إلى جانب مجال الخطوط الجوية الذي أصبح من أكثر خدماتها شهـرة على الإطلاق.

  

ترك برانسون مقاعد الدراسة مبكـرا بسبب أن معدلات ذكـائه كانت منخفضة للغاية، فضلا عن أنه كان يعاني من عُسر القراءة "الديسلسكيا" (Dyslexia)، فبدأ مشوار العمل مبكرا للغاية في هذا العمـر بتأسيس مجلة طلابيـة يقوم من خلالها بإجراء مقابلات مع الطلاب في المدارس، ويفوّض زملاءه بكتابة هذه المقابلات وتدوينها. بمعنى آخر، مراهق لا يجيد القراءة أصلا قام بتأسيس مجلة بغرض القراءة. بعد عام واحد، استطاع برانسون أن يجذب المعلنين لمجلته الصغيـرة المحدودة.

   

لاحقا، بدأ برانسون في تأسيس متجر صغير لبيع التسجيلات الموسيقية. لم يكن لديه أي خبرة على الإطلاق من قبل في مجال التسجيلات الموسيقية، لكنه رأى أن هذا الاتجاه هو المناسب أكثر بالنسبة للمراهقين والشباب في مثل عمره، وهو ما جعله يستعين ببعض زملائه لإدارة المتجـر بالكامل. حتى اسم المتجر الذي أطلقه عليه "العذراء" (Virgin) كان للدلالة على أنه هو ورفاقه لم يكن لديهم أي خبـرة سابقة في هذا المجال.

  

نجح المتجر في تحقيق إيرادات جيدة جدا في السنوات التالية، وهو الأمر الذي جعل برانسون يبدأ حملة توسيع للشركة ثم الانطلاق لمجالات أخرى عديدة، وصلت إلى تأسيس شركة خطوط طيران عمـلاقة حققت نجاحا كبيرا، لتتوسع شركته لاحقا لتعمل في كل المجالات تقريبا.

   

ما وراء العذراء

      

عندما وصل برانسـون إلى سن الخمسين كان قد حقق إنجازات كبيـرة أهّلته ليكون واحدا من أكثر رجال الأعمال شهرة في العالم وأكثرهم ثراء. في أحد الاجتمـاعات، قام أحد مساعديه بتقديم مجموعة من الرسوم البيانية له التي توضح مستوى إنجازات الشركات التي يملكها. عندما التقط برانسون الأوراق، نظـر إلى مساعديه وسألهم: هل هذه الرسومات والأرقام تدل على شيء جيد أم سيئ؟!

    

فوجئ الكل أن مؤسس شركات فيرجن، الملياردير الذي يدير إمبراطورية ضخمة من الأعمال التي تدر المليارات سنويا، لم يكن قادرا على التفرقة بين مُصطلحين شديدي الانتشار والبساطة في عالم الأعمال، مصطلح "صافي الربح" (Net) و"إجمالي الربح" (Gross). حاول بعض مساعديه تبسيط هذه المصطلحات له، لكنه فشل تماما في فهمها في سياقها التجاري، وهو ما جعل أحد مساعديه يلجأ إلى أكثر الطرق تبسيطا لشرحها له.

   

قام المساعد برسم سريع على ورقة، ملأها باللون الأزرق كناية عن البحر، ثم رسم بداخلها شبكة تضم بعض الأسماك، ثم أخبره أن الشبكة التي تحتوي على الأسماك هي "صافي الربح" (Net Profit) بينما السمك خارج الشبكة هو "إجمالي الربح" (Gross Turnover). فقط في الخمسين من عمره، وبعد أن قام بتأسيس عدد كبير من الشركات، استطاع ريتشارد برانسون أن يفهم الفرق بين مصطلحين شديدي البساطة في عالم الأعمال، وأصبح طول الوقت يرددها في اجتماعاته، كما أشار ضاحكا في أكثر من لقاء.

   

هذه القصة من أكثر القصص التي يرددها برانسون في لقاءاته، كإشارة واضحة منه إلى أن الاندماج في المصطلحات والدراسة الأكاديمية لا يعتبر على الإطلاق هو الأساس الذي يحدد نجاح العمل وفشله. وأن نجاح العمل يرتكـز على قاعدة المنفّذين ذوي الكفاءة والخبرة، ولا يرتكز إطلاقا على خبرة مؤسس المشـروع نفسه التي ربما تكون ضحلة لدرجة كبيـرة في بعض الأمور التي تعتبـر حاكمة في هذا المجال. (6، 7، 8، 9، 10)

     

معضلة الخبـرة والتأسيس

   

واحدة من أشهر المعضلات على الإطلاق في عالم الأعمال وتأسيس الشركات حاليا هي تلك المعضلة التي تطرح مستوى تلازم "الخبـرة والتأسيس" من ناحيـة، وترتيبهما من ناحية أخرى. ازدادت هذه المعضلة تعقيدا مع ظهـور نموذج "المدير التنفيذي" المتداخل مع العمليـات بشكل كامل في العقود الأخيرة، كنموذج سيتف جوبز وبيل غيتس اللذين عُرف عنهما انغماسهما الكامل في البرمجة والتجهيز والإدارة وقيادة شركتيهما لقمّـة هرم التقنيـة العالمي.

   

الشائع في عالم ريادة الأعمال الآن أن مؤسس الشركة ومديرها التنفيذي يجب أن يكون مُبرمجا، أو على الأقل لديه خبـرة عريضة في هذا المجال تتيح له المشاركة في تطوير الشركة بنفسه. خصوصا أن مصطلح ريادة الأعمال حاليا مقترن بشكل كامل تقريبا مع الاتجاهات التقنيـة التي تُراعي عالم التطبيقات على الهواتف الذكيـة، وتطوير البرامج والخدمات ذات الطابع التقني التي تتصل بها كل المجالات الأخرى.

   

هذه الحالة تدخلنا في معضلة جديدة تشبه معضلة "البيضة أم الدجاجة". هل الخبـرة هي التي تقود إلى تأسيس شركة ناجحة، أم أن تأسيس الشركة هو الذي يقود صاحبها إلى اكتساب الخبرة ومن ثمّ تحقيق التطور التدريجي في إدارتها؟ من ناحيـة، الكثير من روّاد الأعمال المخضـرمين عبر التاريخ لم يكن لديهم خبـرة فنية في مجالات مشـروعاتهم، واعتمدوا بشكل كامل على توظيف الخبراء. ومن ناحية أخرى، العديد من النماذج في عالم ريادة الأعمال الحالي كان لديهم مخزون كبير من الخبرة الفنية استخدموه في تأسيس شركاتهم بشكل ناجح.

    

بين معسكــرين

     

المناصـرون لمعسكـر "الخبرة قبل التأسيس" يدعمـون رأيهم بالتركيز على مجموعة من المزايا التي تقدمها الخبرة للمهتمين بدخول عالم ريادة الأعمال وتأسيس الشركات، أبرزها:

السـرعة في تأسيس المشروع: كونك خبيرا بالمجال الذي تفتتح فيه شركتك الناشئة سيجعل بناءها في المراحل الأولى أكثر سرعة بدون شك؛ فما يمكن أن تقوم بإنجازه في مجال أنت غير خبيـر فيه خلال عام كامل، يمكنك أن تنجزه خلال شهر واحد إذا كان لديك الخبرة الكافية.

  

أن تفرّق بين العاجل والمهم: واحدة من أهم مزايا أن تكون خبيرا في المجال نفسه الذي تؤسس عليه شركتك هي أنها تتيح لك التمييز بين ما هو مهم وما هو عاجل. امتلاكك الخبـرة الكافية سيجعلك تعرف القرارات التي يمكن أن تقوم بتأجيلها، والقرارات التي يجب أن تتخذها فورا، والقرارات التي تستشير فيها الآخرين، والقرارات التي تفوّض فيها الآخرين أيضا.

 

الثقــة: امتلاكك لخبـرة كافية في المجال سيجعلك أكثر ثقـة في الإقدام على بدء تأسيس شركة ناشئة فيه، والثقة دائما ما تعتبر من أهم عناصر تأسيس الشركات الناجحة على الإطلاق. الثقة هي التي تجلب لك المستثمـر، وهي أيضا التي تجعلك قادرا على إنجاز المهام بهدوء أكبر.

   

من جهـة أخرى، المناصـرون للمعسكر الآخر "التأسيس ثم الخبـرة" يدعمون رأيهم بالتركيز على أبرز العيوب التي تقدمها الخبرات العريضة بالنسبة للوافدين على عالم تأسيس الشركات، أبرزها:

استهلاك الكثير من الوقت: تجميع ما يكفي من خبرات يكون على حساب العمر بلا شك. البعض ينتظر سنوات طويلة في العمل الوظيفي إلى أن يقرر أخيرا أن يفتتح شركته الناشئة بعد أن اطمئن أنه لديه من الخبرة ما يؤهّله لهذه الخطوة، هذا لو قرر أصلا، باعتبار أن التوغل في السلم الوظيفي يزيد تدريجيا من صعوبة اتخاذ قرار تركه والتوجه للعمـل الحر. كان يمكن اختصـار كل هذا التأخير في بدء الشركة الناشئة مباشرة -إذا توافر التمويل- والاعتماد على الخبراء لتشغيلها.

  

تعرقل الابتكـار جزئيا: المدهش أن الخبـرة الواسعة في مجال معين قد تؤدي إلى عرقلة حركة الابتكـار أثناء تأسيس الشركة الناشئة، باعتبار أنها تعطي صاحبها المساحة في الاعتقاد أن لديه الحق المُطلق في اعتماد الحلول والأساليب التي نجحت معه في الماضي، وتطبيقها كما هي في مشروعه الجديد. هذه العقلية المتصلبة قد تؤدي إلى تفويت فرص كبيرة كان من الممكن اتخاذها بواسطة عقل جمعي من الخبراء، وليس الاعتماد على عقل واحد هو مؤسس الشركة "الخبير".

  

الأحكام السابقـة: تراكم الخبرات يؤدي بصاحبها إلى تكوين انطباعات إيجابية أو سلبية بخصوص بعض تفاصيل إقامة المشروعات. الخبير قد يحكم على بعض الأمور أنها صعبة أو غير عمليـة أو غير ممكنة لمجرد أنه قابل هذه الأمور في وظيفته السابقة، وبالتالي قد يُصدر قرارا قطعيا بخصوصها دون العمل على إسنادها إلى خبراء آخرين متخصصين في هذا الإطار. الأمر نفسه بالنسبة للأحكام السابقة ذات الطابع الإيجابي أيضا. (11)

        


         

في النهاية، لا يوجد إجابة قاطعة بخصـوص أفضلية البدء في تأسيس شركة ناشئة سواء بالنسبة للخبراء أو ناقصي الخبرة. لكن المؤكد قطعا أن تأسيس شركات ناشئة ناجحة لا يعتمد أبدا على الجهد الفردي من المؤسس، وأن العمل الجمـاعي هو المطلوب بتوزيع المهام والأعباء والخبرات على الجميع، سواء كان المؤسس خبيرا أم لا، وأن المحدد الأساسي لنجاح وفشل الشركات هو قدرة مؤسسها على الاعتماد على العقل الجمعي للموظفين والعاملين معه، وقيامه بدور المنسّق بين أعضاء الفريق، أكثر بكثير من اعتماده المُطلق على خبرته.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار