انضم إلينا
اغلاق
عمل بلا حب.. كيف صاغت شخصية "تشاندلر بينغ" حقيقة الوظيفة؟

عمل بلا حب.. كيف صاغت شخصية "تشاندلر بينغ" حقيقة الوظيفة؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

في إحدى حلقات الموسم الرابع من مسلسل "فريندز"، يبدأ نقاش بين مونيكا، ورايتشل، وتشاندلر، وجوي، حيث يدَّعي تشاندلر وجوي أنهما يعرفان مونيكا ورايتشل أفضل مما تعرفانهما هما، ولا يلبث النقاش أن يتطور إلى لعبة على طراز برامج الألغاز التلفزيونية. المقدِّم هو روس، الذي يؤدي المهمة بسرور بالغ. أما الموضوع، فكان معلومات من وحي حياتهم اليومية. والجائزة (والتي أصبحت، عبر سلسلة من الأحداث التهريجية كما هو متوقع، باهظة جدا) هي التالي: وافقت مونيكا ورايتشل، في حال كانتا الطرف الخاسر في اللعبة، على تبادل الشُقق مع تشاندلر وجوي.

    

وتوالت الإجابات الصحيحة؛ بما أنهم عاشوا معا كعائلة، فقد عرفوا بعضهم بعضا حق المعرفة. "جوي كان لديه صديق طفولة متخيل. واسمه كان...؟"/ "موريس"/ "صحيح. وكان يعمل...؟"/ راعي بقر فضائي!"؛ "وفقا لتشاندلر، ما الظاهرة التي تخيفه أكثر من أي شيء آخر؟"/ "إنها Lord of the Dance، لمايكل فلاتلي!"؛ "رايتشل تدّعي أن هذا هو فيلمها المفضل…"/ "Dangerous Liaisons"/ "صحيح. لكن فيلمها المفضل حقا هو...؟/ "!Weekend at Bernie's". في جولة الإجابات السريعة، وعند ختام الأسئلة ذات المدة الزمنية المحددة، كانت مونيكا ورايتشل متأخرَّتين بنقطة. مع نفاد الوقت، فيما اللعبة وبيتهما على المحك، يسألهما روس السؤال الأخير: "ما وظيفة تشاندلر بينغ؟".

    

تتسمّر مونيكا ورايتشل من الصدمة. تحاول رايتشل قائلة: "يا إلهي. إنها تتعلق بالأعداد". وتضيف مونيكا: "والمعالجة!". تشير رايتشل إلى أن تشاندلر عادة ما يحمل حقيبة يد. لكن هذا الدليل لا يفي بالغرض. يقول روس: "عشر ثوان.. أنتما بحاجة إلى الإجابة وإلا خسرتما اللعبة". تهتف مونيكا مذعورة: "إنه شيء يتعلق بإرسال الشفرات!". توافقها رايتشل، قبل أن تضيف: "إنه يقوم بإرسال الشفرات، لا بد أنه يعمل ناقل شفرات (Transponster)". وهذه، كما قالت مونيكا، ليست بكلمة حتى. وهي بلا شك ليست وظيفة تشاندلر بينغ. خسرت رايتشل ومونيكا اللعبة، بالإضافة إلى الشقة.

    

  

هذه الكلمة كانت نكتة من الموسم الرابع لمسلسل "فريندز" الذي تطلّب إعداده الكثير من السنوات، وهي إحدى النكات التي واصلت انتشارها منذ ظهورها لأول مرة في سبتمبر/أيلول من عام 1994. لا أحد يعرف من أين يكسب تشاندلر بينغ رزقه. بما فيهم، تشاندلر نفسه. لقد أجابت مونيكا ورايتشل عن عدد من الأسئلة العميقة حول طفولة الرجلين وتجاربهما الجنسية ومميزاتهما الشخصية، لكن هناك مغزى لحقيقة أنه عندما يتعلق الأمر بتشاندلر بينغ فهما عاجزتان عن الإجابة عن سؤال بسيط: ما وظيفته؟

  

كانت كل حلقة من حلقات المسلسل تحمل وجهين للحياة. تُشير الكلمات الأولى من شارة المسلسل الدافئة، "لم يخبرك أحد أن الحياة ستكون هكذا"، إلى نوع من خيبة الأمل. لكن المسلسل نوع من كوميديا الحياة اليومية التي تتناول هزلية الحياة وجدّيتها بالدرجة نفسها من خفة الظل. وفي عام 1994 تحديدا، كانت هذه السطور تعني أن مسلسل "فريندز" قد يكون إعادة صياغة كوميدية لفيلم "الواقع مؤذٍ" (Reality Bites)، وهو عمل مرجعي لدى أبناء الجيل X (مواليد فترة بدايات الستينيات حتى بدايات الثمانينيات)، وكان قد عُرض في وقت سابق من العام نفسه، حيث تناول حكاية مجموعة من الشباب الذين يحاولون القبض على معنى لعالم لم يمنحهم أيًّا منه.

     

  

قامت شخصيات "فريندز"، في تلك الأيام، بارتداء الفانيلات من حين لآخر أسوة بشخصيات الفيلم، لكن فيما عدا ذلك، كانت المحاور التي اشتبك فيها الفيلم مع المسلسل قليلة جدا. كان "فريندز" مفتونا للغاية بفرضياته الخاصة، عن نيويورك والشباب وكل السحر الذي يمكن أن تجده في المزج بينهما، بحيث تجنب تشاؤمية الفيلم. لقد أبرز المسلسل الإمكانيات الاعتباطية لتلك المرحلة من الحياة، بحيث كاد يحظى بتصنيف خاص به أول ظهوره هو "أول النضج". وبالتالي لم يكن "فريندز"، وهي الكوميديا اليومية العائلية التي احتفت بالعائلة التي تختارها، يتمحور حول الخيانات، وإنما حول أسباب السعادة.

   

وبدا أن تشاؤميات العالم المحيط بهم تزول بمقطع يغنيه الكورس: "سأكون هناك من أجلك… لأنك ستكون هناك من أجلي أيضا". وكانت التفاؤلية واضحة جدا منذ بداياته بالنظر إلى باقة المهن التي خصصها المسلسل للأبطال. فالعالم الصغير للمسلسل تسكنه طاهية وممثل وموسيقية وأكاديمي ومديرة تنفيذية في مجال الأزياء. يسكنه أشخاص تشي وظائفهم بالحاجة إلى الإبداع، والذين يمتلكون كوكبة من الامتيازات التي تتضمن القدرة الفائقة على ربط الكدح بالإشباع الروحي.

  

كان مسلسل "فريندز" يكترث بشدة، بأسلوبه الجاد الساخر، بشأن المهن التي مُنحت لأبطاله. فعمدت حبكاته إلى رعاية وتعقيد ومساءلة وظائف الأبطال بكثافة يمكن لها أن تكون سابقة على برامج أخرى لشبكة "NBC"، مثل "المكتب" (The Office)، و"حدائق ومنتزهات" (Parks and Recreation)، إلى درجة أنها اعتنقت أقصى افتراضات القرن الحادي والعشرين بشأن الوظيفة التي تتعدد تماما مثلما تتعدد الهويَّات. لكن كان هناك وهمٌ باعهُ "فريندز" للجمهور: المسلسل خلق عالما كان سكانه قادرين على الاستفادة من وظائفهم، لا العكس.

    

تشاندلر بينغ في مسلسل "Friends" (مواقع التواصل)

    

لكن ليس عندما يتعلق الأمر بتشاندلر. تشاندلر، الذي لا يأبه بعمله إلى حدّ أنه لا يكرهه، بهيئته الرثة والأنيقة في آنٍ واحد، والذي يلخص عمله في شركة أشياء تخص الكمبيوتر مؤرقات العصر الرقمي القادم. (ربما كان يعمل كناقل شفرات، هل يهم الأمر حقا؟ هل يمكن أن يكون أكثر تعاسة في عمله مما هو عليه؟). من خلال تشاندلر، في النهاية، يتمكن "واقع مؤذٍ" (Reality Bites) من إيجاد طريقه إلى عالم "فريندز" التشاؤمي.

  

إن عمله موجود هناك فحسب، إنه مبهم، ومستنزِف، وتكراري بلا داعٍ. واستياؤه منه يستدعي الإنهاك ذاته الذي كان قد وصفه الروائي ابن الجيل X سابقا، دوجلاس كوبلاند، في بداية هذا العقد، عندما قال: إنه عصر انعدام الثقة في المؤسسات، وانعدام الثقة في المهن، وانعدام الثقة في المعنى ذاته. تشاندلر هو تجسيد أغنية الشارة إنما بتوزيع درامي حزين، وهو الاستثناء الذي يبرهن على قاعدة المسلسل. ما وظيفة تشاندلر بينغ؟ وهي نكتة بالفعل لأن "فريندز"، وعبر كل شخصية أخرى، يصر على رمنسة العمل.

  

لقد بدأ تشاندلر بينغ سيرته المهنية بأكثر الطرق انتشارا: حصل على عمل لأنه كان مرغما على ذلك، ولأنه فشل في الحصول على عمل أفضل، وهذا الفشل امتد لسنوات وسنوات، وبفعل حتميات البلادة الناجمة عن عدم المقاومة، سرعان ما أصبح عمله هو سيرته المهنية. وإكراه تشاندلر على الاستمرار في مسار لم يختره يسمح له أن يلعب في "فريندز" دور الشخصية التي تربح أكبر قدر من المال وتكسب أقل قدر من الأشياء الأخرى. في بدايات المسلسل يقول تشاندلر لأصدقائه: "حسنا، عليّ الذهاب للعمل، فما لم أقم بإدخال تلك الأرقام…"، فيتوقف متأملا ثم يتابع: "لن يُشكّل الأمر أي فارق".

    

  

ومما لا شك فيه أن الأصدقاء الآخرين يستاؤون من وظائفهم أيضا. لكن الرومانسية، كما سيخبرك أي مسلسل رومانسي/كوميدي، تكون أكثر حدة كلما زادت التحديات التي تواجهها على مدار الطريق. ولذا نجد مونيكا تنتعل حذاء التزلج وتضع النهود البلاستيكية لكي تعمل في مطعم يقدم البرجر على طراز الخمسينيات. ونجد ريتشل تسعل مدعية أنها تعاني إدمان النيكوتين لكي تحصل على لقاء مع مديرتها المدخّنة. ونجد جوي وهو يشق طريقه في منعرجات صناعة الترفيه، ويقبل بوظائف من قبيل فتى ملصقات لإعلانات مرض السيلان.

  

وهذه أثمان يدفعها الأصدقاء بسرور، لأن وظائفهم تمنحهم الكثير في المقابل. وظائفهم تؤسس سيرتهم المهنية، وسيرتهم المهنية تؤسس أحلامهم، وأحد أكبر معتقدات "فريندز" أن الطموح يستحق نهايته السعيدة. كانت الفكرة التي قام عليها المسلسل في البداية هي أن السعادة ترتبط بالجنس، بالحب، بالعلاقات الإنسانية، والسيرة المهنية، بفترة من حياتك يبدو فيها كل شيء ممكنا. ولا عجب إذن أن مونيكا، وروس، وفيبي، وجوي، ورايتشل، جميعهم لا يمانعون أن تقترن السعادة لديهم بالعمل. إنهم يتمتعون بترف الإجابة عن العديد من الأسئلة المتعلقة بالعمل دون الحاجة إلى التشكيك بالفرضية التي تقوم عليها.

  

ولدينا رايتشل كمثال. في الحلقة الأولى من المسلسل، تنضم إلى المجموعة بعد أن تركت خطيبها يوم الزفاف، لكي تترك، كما يخبرنا المسلسل لاحقا، حياة النعيم المالي المؤكد بذريعة خشيتها من الفراغ الروحي في حال بقيت في لونغ آيلند. تنتقل للسكن مع مونيكا وتنقطع عنها أموال عائلتها (وسنعرف لاحقا، أن والدها أهداها ذات مرة قاربا بحريا، فتقول: "لقد كان يحاول أن يرفع معنوياتي، كان حصاني الصغير مريضا!").

  

هكذا، تحصل رايتشل على وظيفة ميزتها الوحيدة هي القرب الجغرافي، وتصبح نادلة في مقهى يُدعى "سنترال بيرك". تسألهم وهي تفتح مغلف راتبها الأول: "أليس هذا رائعا؟، لقد استحققت ذلك! لقد قمت بمسح الطاولات لأجله. قمت بغلي الحليب لأجله، وكان هذا كليا"، بينما هي تفتح المغلف، "لا يستحق العناء. مَن هو "FICA"؟ ولماذا يحصل على كل أموالي؟".

    

  

وهنا يُطلّ "فريندز" بوجهه الكلاسيكي، فهو يقر بوجود الصعوبات المالية، بالترافق مع تطهير عالم الشخصيات من القلق المؤرق بشأن المال. صحيح أن الوضع الاقتصادي لرايتشل يتغير، لكن الطبقة التي تنتمي إليها ثابتة. إلى الحد الذي نرى معه أن ذلك الراتب القليل الذي كان ليفزع الكثير من الأشخاص ويُورثهم القلق يُمثل لرايتشل انتصارا روحيا. إن استياءها من الرقم الضئيل موجود كنوع من الرومانسية الخرقاء: إنه يُمثّل الدرب الذي ستسلك من خلاله رايتشل غرين، التي لم تعد أميرة بعد الآن، طريقها نحو التألق المهني. إنه يُمثّل الحرية والتخيلات. في تلك الحلقة الأولى، ووسط هتافات أصدقائها المتفرجين، تقوم رايتشل بقص بطاقتها الائتمانية التي وفّرت لها الامتيازات السابقة. وتقول لها مونيكا: "أهلا بك إلى العالم الحقيقي، إنه مقرف لكنك ستحبينه".

    

  

في بداية هذا العام، وصف زميلي ديريك تومبسون فكرة كانت قد بدأت بالانتشار في أوساط النخب الأميركية المتعلمة: فكرة أن العمل بمنزلة نوع من الدين العلماني. وقد سمّى هذه الظاهرة، وهي فرضية اقتصادية وحالة روحية، بـ "العملوية" (Workism). وكتب تومبسون: "ما العملويّة؟ إنه الاعتقاد بأن العمل ليس ضروريا فقط للإنتاج الاقتصادي، إلا أنه الركيزة الأساسية في هوية المرء وغايته من الحياة والاعتقاد بأن أي سياسة لتعزيز الرفاه الاجتماعي يجب أن تحث على المزيد من العمل".

  

قبل خمسة وعشرين عاما، كان "فريندز" قد اعتنق أكثر افتراضات العملويّة تطرفا. لقد آمن بالإمكانيات الروحية للكدح. لقد عامل المسارات المهنية على أنها حكايات رومانسية. وإن كان قد عرض لأميركا، المنهكة من سنوات الفساد الصارخ في عهد ريغان، رسالة بيل كلينتون عن تساوي الفرص والأجور الأكثر إنصافا. لقد عُرض المسلسل ضمن ثقافة محقّة في شكوكها إزاء الوعود المعتادة التي أُلقيت في طريقها. ولذا فقد حاول "فريندز" كسب ود الطرفين. فقد احتفى بالمذهب التفاؤلي. وأصر على أن التخيلات لها جذورها الواقعية. لقد تحدث عن الوظائف التي كانت مهزلة، وتحدث عن الإفلاس، وتهكم على ضريبة مساهمات التأمين "FICA".

  

لكن "فريندز" أيضا هادن العالم المحيط به: لقد قدّم تشاندلر قربانا للواقع. وأسرج إحدى الشخصيات الست التي أحببناها لوظيفة جعلتها أسيرة للرأسمالية ذاتها. عبر تشاندلر، كان "فريندز" يُشكّك بفرضياته الخاصة، أو هكذا زعم. من خلاله، اعترف. ومن خلاله، رثى. في حين تمكنت الشخصيات الأخرى من إيجاد تحقيق الذات في طموحاتها، كان تشاندلر يجد العكس. إنه مخذول لكي يكون بوسع الآخرين أن ينهضوا. الإجابة عن وظيفة تشاندلر بينغ، كما يكشف كتّاب المسلسل في النهاية، هي أنه يعمل في "التحليل الإحصائي وإعادة تشكيل البيانات". وهذه نكتة أخرى.

   

  

وبالتالي نرى تشاندلر، وفي معظم حلقات المواسم العشر من المسلسل، ماثلا كمُفارقة: إنه تشخيص لامتياز يبدو في الوقت ذاته تجسيدا للاستغلال. إنه ينجح في الصعود بمقدار ما يصيبه من أذى. والأمور تتطور إلى مرحلة يغرق فيها تشاندلر في النوم وسط اجتماع، ليستيقظ ويجد أنه قد وافق بطريقة ما على الانتقال إلى فرع أوكلاهوما. الخمول يسقط السهم الطائر حتى. وهو ما يجعل اللحظة التي يستقيل فيها من عمله كنائب لإحدى شركات التكنولوجيا الرقمية فجأة، عند نهاية المسلسل، لحظة مميزة. ليس لديه شركة أخرى. إن ما لديه الآن هو اكتشاف متأخر: تشاندلر بينغ يريد العمل في الإعلانات. لديه أحلام أيضا، كما يتضح، وهو يرغب بتحقيقها، وهو عازم على البدء من جديد كمتدرب، ليقايض نوعا من الأمان بآخر. وبما أنه لم يعد لدى "فريندز"، عند هذه المرحلة، المزيد من المهادنات للمشاهدين، فقد اعتنق المسلسل رومانسيته الناعمة الخاصة، حيث طرق وهمه أبواب تشاندلر، الذي أراد أن يجرب شعور أن يُسأل: "ما وظيفتك؟" ويجد السعادة، أخيرا، في الإجابة.

----------------------------------------------------------

ترجمة: فرح عصام.

هذا المقال مأخوذ عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار