انضم إلينا
اغلاق
قد تكون أنت السبب.. لماذا يرفض مستثمر ما تمويل مشروعك؟

قد تكون أنت السبب.. لماذا يرفض مستثمر ما تمويل مشروعك؟

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

    

"واحدة من أسوأ النصائح التي حصلت عليها في حياتي كانت من أحد المستثمرين الذي قال لي ذات مرة: قم بزيارة عشرة مستثمرين مخاطرين (Venture Capitalists) للحصول على تمويل، فإذا لم يُبدِ أيٌّ منهم اهتماما بالاستثمار في شركتك، فعليك حينئذ أن تتوقف وتغلق شركتك! حسنا، أنا سعيد للغاية أنني تجاهلت هذه النصيحة التي تبدو عميقة، لأنني لم أكن لأحصل على أي تمويل لشركتي الناشئة لو استسلمت بعد لقاء 10 مستثمرين قاموا برفضي"

  

كانت هذه الكلمات هي مقدمة إحدى إجابات رائد الأعمال والمستثمر "بريت فوكس" الرئيس التنفيذي الأسبق لشركة "Touchstone semiconductor" الأميركية على موقع "كورا" (Quora) المتخصص في الأسئلة والإجابات. الشركة التي ترأس فوكس إدارتها التنفيذية تأسست في العام 2010 وحصلت على جولة تمويلية A بقيمة 12 مليون دولار بعد شهور من تأسيسها، وهو ما قاد للاستحواذ السريع عليها في وقت لاحق في العام 2014.

 

يقول "فوكس" في إجابته إن خوض تجربة كهذه جعلته يتعلّم بشكل سريع ما يدور في كواليس هذا العالم -عالم التمويل- وأنه يتمحور حول أمرين أحدهما مهم والآخر سيئ. الأمر المهم هو أن عزوف مستثمر ما -دوره الأساسي تمويل المشروعات- عن تمويل شركتك أنت تحديدا غالبا ليس وراءه دوافع شخصية؛ لأن الدوافع الشخصية هي آخر ما يهم المستثمر. أما الأمر السيئ فهو أنك في معظم الأحوال لن تحصل على أي تعليقات جيدة أو مفيدة -بشكل جاد وعميق بعيدا عن المجاملات- بخصوص أسباب رفض هؤلاء المستثمرين تمويل شركتك أنت تحديدا، وسوف يتركونك لتخمين الأسباب بنفسك! (1، 2)

   

    

مستثمر ومؤسس.. بحث مستمر لا يضمن نهايات سعيدة

في الأصل، يهدف أصحاب المال إلى البحث عن الشركات الناشئة الواعدة لتمويلها في إطار خطة لتحقيق أرباح أكبر. هذه القاعدة تسري على المستثمر الملائكي (Angel investor) الذي يقوم بالاستثمار بمفرده في مشروع ما، أو على صناديق رأس المال المخاطر (Venture capital) التي تقوم بجمع الأموال من المؤسسات والأشخاص ويقومون بوضعها في صندوق استثماري، ويستخدمون الأموال في هذا الصندوق للاستثمار في الشركات الناشئة التي يعتقدون أن قيمتها سوف تزداد بمرور الوقت.

  

إذا اتضح أنهم كانوا على حق، وكانت استثماراتهم في شركات ناشئة واعدة بالفعل، فإنهم سوف يحصلون على نسبة من العائدات، ويحققون أرباحا عندما ترتفع قيمة الشركات المُدرجة في الحافظة الاستثمارية لصندوق رأس المال المخاطر، وبالتالي ترتفع نسبة أرباحها إما من خلال بيع أسهمها في هذه الشركات، أو من خلال استحواذ شركات كبيرة على الشركات الناشئة التي تم الاستثمار فيها، وبالتالي الحصول على أضعاف أضعاف المبلغ الذي تم إنفاقه على التمويل.

    

   

لذلك، يستيقظ المستثمر -سواء كان مستثمرا ملائكيا (Angel investor) أو مسؤولا عن رأس مال مغامرا (Venture capitalist)- كل يوم صباحا وهو لا يسعى إلا لهدف واحد: تحديد شركات ناشئة جديدة واعدة لتمويلها، ويستيقظ رائد الأعمال كل يوم صباحا -خصوصا في بداية مشروعه الريادي- وهو لا يسعى إلا لهدف واحد: إيجاد المستثمر الذي يموّل مشروعه الناشئ. وكلاهما المستثمر ورائد الأعمال يطمح لمصالح مختلفة وإن كانت أرضيتها مشتركة.

  

ومع ذلك، لا تكون الأمور بهذه السهولة عندما يجلس الطرفان على الطاولة ليبدأ الحديث بينهما للتفاهم بخصوص تمويل الشركة. هذه الطاولة تشهد كل المواقف الممكنة التي قد تخطر على البال؛ تشهد صرخة حماسية عالية من المستثمر بخصوص ما يسمعه من رائد الأعمال وإعلانه موافقته تمويل المشروع، وتشهد صياحا عاليا بين المستثمر نفسه ورائد الأعمال نفسه في مرحلة متقدمة لاحقة من المشروع لا تبدو فيها الأمور تسير على ما يرام، وتشهد مفاوضات وجولات وانتقادات وإعادة ترتيب الأوراق، وتشهد أيضا -وهذا شائع للغاية- صوت المستثمر المقتضب الذي يجيب على طلب رائد الأعمال للتمويل بكلمة واحدة: لا! (3)

   

لماذا يقول المستثمر: لا؟

  

في محاضرتها على مسرح "تيد" (Ted) بعنوان "لماذا يرفض المستثمرون تمويل مشروعات رواد الأعمال؟" التي ألقتها في العام 2018، تشرح السيدة أليشيا سايريت ذات الخبرة الطويلة في مجالات الاستثمار في المشروعات الناشئة -اسمها ضمن قائمة تحتوي 25 مستثمرا مهما في مدينة نيويورك- مجموعة من أهم الأسباب التي تجعل مستثمرا يرفض تمويل مشروع ناشئ حتى لو كان يبدو واعدا للوهلة الأولى.

  

حدّدت سايريت خمس أفكار رئيسية قد تؤدي بالمستثمر إلى أن يقول لا لتمويل مشروع ناشئ عرضه عليه رائد أعمال:

أولا: الأخطاء البدائية التي يرتكبها رائد الأعمال نفسه. هذه الأخطاء تتراوح ما بين عدم إلمامه بتفاصيل مشروعه وعدم قدرته على عرض مشروعه بشكل جيد، ومرورا باختياره المستثمرين الخطأ أصلا لعرض مشروعه عليهم، وليس انتهاء باختيار أوقات خاطئة لعرض مشروعه على المستثمرين أو استهداف مستثمرين في مجالات مختلفة عن مجاله.

  

ثانيا: شخصية رائد الأعمال غير مريحة. تشيع مقولة إن المستثمر لا يستثمر في المشروعات نفسها بل يستثمر في الأشخاص الذين يؤسسون هذه المشروعات ويديرونها. الكثير من رواد الأعمال يظهرون أمام المستثمرين بشخصيات منفّرة لا تشجّعهم على الاستثمار معهم، سواء بشخصيات قلقة مضطربة غير واثقة من جهة، أو شخصيات يظهر عليها الكذب والتلفيق والتفاهة والغرور. يُفضِّل المستثمرون دائما التعاون مع الصادقين والنزيهين وذوي الطموح والثقة والخبرة.

   

  

ثالثا: الانسجام الغائب. صحيح أن العلاقة بين المستثمر والمؤسس لا ترقى لمستوى علاقة شخصية كاملة، إلا أنها بدون شك علاقة طويلة قد تمتد لعدة سنوات تتطلب انسجاما في التعامل. شيوع الكراهية والصوت العالي والأزمات بين الطرفين سوف يتسبّب حتما في توتر العلاقة المهنية بينهما، ويؤدي إلى أخطاء قاتلة. لذلك يبحث دائما المستثمر عن فكرة "الانسجام" المحتملة بينه وبين المؤسس التي تكفي لإنجاح المشروع.

  

رابعا: أساسيات عمل ضعيفة. وهو السبب الأهم بلا شك؛ فإذا لم تكن أساسيات العمل قوية ومثيرة للاهتمام، وفكرة المشروع مميزة ولها سوق حقيقي أو سوق محتمل قريبا، ولها مزايا تنافسية تضمن تدفق الأرباح بشكل كبير، فالمؤكد أن المستثمر لن يخاطر بوضع أمواله في شركة لا تراعي أساسيات العمل القوية تضمن له الحصول على أرباح مميزة.

  

خامسا: المستثمر نفسه يخطئ. فالمستثمرون ليسوا معصومين من الخطأ، في الواقع هم يخطئون كثيرا في تمويل عشرات المشروعات التقليدية والفاشلة، ويطمحون أن يحصلوا على بعض المشروعات الجيدة التي تضمن لهم تغطية خسائرهم في مشروعات أخرى. قد يقول مستثمر ما "لا" لمشروع ريادي واعد مميز يؤسسه ويديره شباب طامحون، لا لشيء سوى ببساطة أنه "مخطئ"!

  

يمكنك أن تشعر بها قبل أن تأتي!

بالإضافة إلى ما ذكرته السيدة أليشيا سايريت في محاضرتها، فإن الأمر في السنوات الأخيرة لم يعد مرتبطا بخبرة المستثمرين ورواد الأعمال في التفاهم لتمويل المشروعات فقط، بل تحوّل الأمر إلى ما يشبه "الدليل" متكامل العناصر الذي يُمكّن رائد الأعمال من معرفة ما إذا كان مشروعه سوف يتم قبوله من المستثمر أو رفضه، قبل حتى أن يشرع في التواصل مع المستثمرين.

   

 من الضروري أن يكون لدى المشروعات الريادية الناشئة أكثر من مؤسس بتوزيع أدوار جيد على الجميع.

مواقع التواصل
  

سوف تسمع كلمة "لا" قادمة من طرف المستثمر بشكل شبه مؤكد، إذا لم تُقدِّم للمستثمر خطة عمل تتضمّن وسائل الربح (Revenue streams). لا أحد سوف يستثمر في مشروعك الذي لا يحقق أرباحا، إلا في حالات نادرة للغاية بأن يكون مشروعك سيحقق ارتفاعا هائلا في قيمته مستقبلا، وهو المبدأ نفسه لشركات مثل فيسبوك وتويتر التي كانت الاستثمارات فيها تراهن على ارتفاع قيمة الشركة وليس أرباحها -في بداية إطلاقها-. هل من السهل إقناع المستثمر أن مشروعك سيُعتَبر "فيسبوك" آخر؟

  

وفي أحيان كثيرة سوف تسمع كلمة "لا" حتى لو كانت مشروطة عندما تكون المؤسس الوحيد لمشروعك ولا يوجد مؤسسون مشاركون (Co Founders). السبب بسيط: ماذا سيحدث إذا ارتطمت بك سيارة غدا وأنت تعبر الطريق؟ هل هذا سيعني أن مشروعك الناشئ الذي تلقّى تمويلا كبيرا قد تعطّل تماما لمجرد أنه قائم على وجودك بشكل كامل؟ في معظم الحالات، من الضروري أن يكون لدى المشروعات الريادية الناشئة أكثر من مؤسس بتوزيع أدوار جيد على الجميع.

  

"أكثر من لا" أخرى سوف تأتي عندما يكون نموذج العمل (Business model) ساذجا وغير عملي، أو أن طريقة عرض المشروع على المستثمر لا تشمل النقاط التي تهمه، أو أن فريق العمل معدوم الخبرات. وأحيانا توضع كلمة "لا" كبيرة لشركة ناشئة بسبب ضعف مسار العمليات فيها وعدم تغطيتها للمتطلبات الأدنى الأساسية لمستويات الكفاءة التي يحددها المستثمر لنجاح المشروعات الناشئة. (4، 5)

   

وفي حواره مع "ميدان" يرى المهندس أحمد حسام خضر، رائد الأعمال والمستثمر والمتخصص في إرشادات الأعمال، أن أهم ثلاثة أسباب تستدعي رفض المستثمر لتمويل شركة ناشئة تتمحور في: فكرة لم يتم التحقق من جدواها واحتياج الجمهور إليها، وفريق عمل غير مؤهل لتنفيذ هذه الفكرة، أو سوق كبير متشبّع بالفكرة بالفعل ويمتلئ بالمنافسين الكبار بشكل يجعل فرص نجاحها ضئيلة جدا. (**)

  

أهم ما يبحث عنه المستثمر في مشروعك

  

عندما أسس "جيف لاوسون" شركة "تويليو" (Twilio) للاتصالات السحابية في بداية العام 2008 كان في انتظاره أقسى مفاجأة ممكنة على الإطلاق: الأزمة المالية العالمية. جعلت هذه الأزمة الكثير من الشركات الأميركية تُعلن إفلاسها، وهو ما أدى إلى عزوف الكثير من شركات الاستثمار المخاطر عن تمويل الشركات الناشئة، ومن بينها شركة "تويليو" الذي وجد مؤسسها نفسه بلا تمويل على الإطلاق على الرغم من تحمّس العديد من المستثمرين لدعمه قبل حدوث الأزمة.

  

ما فعله "جيف لاوسون" لمعالجة هذه الأزمة يعتبر نموذجا من أهم نماذج جذب الاستثمارات لرواد الأعمال، عندما قام بوضع أمواله الخاصة وأموال أصدقائه وزوجته وعائلته في مشروعه الريادي، حتى إنه قام ببيع هدايا الزواج التي ابتاعها لزوجته -بعد أن أيّدته في هذه الخطوة بالطبع- وضخّ هذه الأموال في سبيل تطوير مشروعه كبديل عن الحصول للاستثمار.

  

هذه الشجاعة من رائد الأعمال لتمويل مشروعه ذاتيا جعلت المستثمرين يتشجّعون لصب استثماراتهم في شركته الناشئة باعتبار أن "جلده في اللعبة" (Skin in the game) بالفعل ويضحّي بممتلكاته وأمواله الشخصية في سبيل تطوير شركته، ما يعني التزامه الكامل وجدّيته التامة في تحقيق النجاح له ولشركته. النتيجة أن الشركة حصلت على جولات تمويلية تزيد على 250 مليون دولار، وارتفعت قيمتها اليوم لتصل إلى 14 مليار دولار كواحدة من أهم شركات الحوسبة السحابية في وادي السيليكون.

  

أن يكون جلدك في اللعبة، هذا هو أهم ما يبحث عنه أي مستثمر أولا قبل اتخاذ قرار تمويل أي شركة ناشئة بحسب مجلة "Inc." للأعمال، أن يرى مؤسسي الشركة غارقين في إدارتها والالتزام بنموّها وخوض المخاطر كافة حتى بالتضحية بأموالهم الخاصة لإنشائها من الصفر. بمعنى آخر، شعور المستثمر بأن رائد الأعمال الذي يطلب تمويل شركته هو نفسه شخصية مخاطرة وملتزمة بتحويل أفكاره إلى واقع بكل الطرق الممكنة، وليس مجرّد عارض أفكار ويراهن على أموال الآخرين لنجاح شركته من عدمه بشكل يبدو أقرب للمقامرة بأموال غيره. (6، 7، 8)

    

   

في النهاية، يبقى الطريق الأسهل لأي رائد أعمال يريد أن يحصل على استثمار لشركته الناشئة هو أن يضع نفسه مكان المستثمر وينظر بعينيه إلى الفرص والأفكار التي قد تجذب اهتمامه، ويحلل بنفسه الفرص والأفكار والأدوات التي تدفعه إلى الموافقة سريعا، بدلا من التعامل معه باعتباره مجرد "صنبور أموال مفتوح" يغيب عنه التدقيق في كل مشروع ناشئ يُعرَض أمامه.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار