انضم إلينا
اغلاق
انهيار "توماس كوك".. لماذا أفلست أقدم شركة سياحية في العالم؟

انهيار "توماس كوك".. لماذا أفلست أقدم شركة سياحية في العالم؟

  • ض
  • ض

عندما قرر كلٌّ من "لي غرانت" و"لورا ثورون" من مدينة سويندون البريطانية الزواج أخيرا، خططا لبرنامج سياحي رائع يضمن لهما أن يعيشا أجمل أيام العمر. الخطة أن يغادر كلاهما إلى قبرص يوم الأحد 29 (سبتمبر/أيلول) للتحضير لحفل زفافهما هناك في الرابع من (أكتوبر/تشرين الأول) الذي سيحضره أكثر من 60 مدعوا من الأقارب تمّ تأمين سفرهم جوا عبر رحلات شركة "توماس كوك" السياحية العريقة، ودفعا بالفعل مبلغا كبيرا نظير هذه الرحلات قُدِّر بنحو 80 ألف جنيه إسترليني.

  

هذه الخطة التي كانت مقررة من عامين تقريبا تلاشت في لحظة واحدة، عندما أُعلن عن انهيار شركة "توماس كوك" فجأة يوم الاثنين 23 (سبتمبر/أيلول) وإعلان إفلاسها، وتبع ذلك توقف معظم رحلاتها السياحية لوجهات العالم كافة، وهو الأمر الذي أدّى إلى تكدّس آلاف المسافرين في المطارات، وإلغاء مئات الآلاف من الرحلات، من بينها رحلة زفاف غرانت وثورون اللذين لن يتمكنا قطعا من توفير بدائل لخطتهما خلال أيام قليلة، والأسوأ أنهما غالبا لن يكونا قادرين على استرجاع المبلغ الكبير الذي دفعاه قبل عدة شهور من الآن. (1)

  

ما الذي يحدث يا "توماس كوك"؟

  

منذ أن تأسست على يد "توماس كوك" في العام 1841 في بريطانيا، تحوّلت الشركة إلى واحدة من أهم وأبرز وأعرق شركات السياحة البريطانية ذات التأثير العالمي الواسع، حيث تحوّلت إلى عملاق في صناعة السياحة والسفر تدير عشرات الفنادق والمنتجعات وشركات الطيران حول العالم، وتخدم ما يزيد على 19 مليون مسافر في العام الواحد. لذلك، كان خبر انهيار "توماس كوك" وإعلان إفلاسها بعد 178 عاما من التفوّق العالمي في هذا المجال خبرا مفاجئا للمتعاملين مع الشركة، إلا أنه قطعا لم يكن مُفاجئا للعاملين في هذه الصناعة، بل ربما كان خبرا عاديا ومتوقّعا.

السبب المباشر لإفلاس الشركة هو السبب نفسه الذي يؤدّي إلى إفلاس أي شركة أخرى: تراكم الديون. بلغت الديون المتراكمة على "توماس كوك" 1.7 مليار جنيه إسترليني، وهو ما جعل الشركة تدخل في أزمة حادة طلبت على إثرها قرضا بقيمة 900 مليون جنيه إسترليني لسداد مستحقاتها للفنادق والخدمات المختلفة، ثم عادت وطلبت قرضا إضافيا بقيمة 200 مليون جنيه إسترليني، إلا أن طلبها لم يُستجب له، وهو ما أدّى إلى إعلان الإفلاس في صباح يوم الاثنين 23 (سبتمبر/أيلول) بعد سنوات من التعثّر المالي ومحاولة تجنّب حتمية الإفلاس.

  

الشركة التي من المتوقّع أن تتجه إلى تسييل أصولها الآن، يعمل بها نحو تسعة آلاف موظف في بريطانيا فقط، وأكثر من 21 ألف موظف حول العالم من المقرر أن يتم تسريحهم بالكامل بعد إعلان الإفلاس، بينما يتبع للشركة الآن أكثر من 600 ألف عميل يقضون إجازاتهم في الخارج وهو الذي أدّى إلى حركة ارتباك عالمية في المطارات، من بينهم نحو 150 ألف عميل بريطاني متعثّر في وجهات مختلفة من العالم غير قادر على العودة. هذا التكدّس جعل هيئة الطيران المدني البريطانية تطلق أكبر حملة إعادة لمواطنين بريطانيين من الخارج في تاريخها في أوقات السلم. (2، 3، 4)

    

الربيع العربي والتقلبات المناخية.. والبريكست

  

الخسائر هي السبب المباشر الذي أدّى إلى هذا الانهيار الهائل في شركة عريقة يقترب عمرها من القرنين، والخسائر هي التي قادت الشركة إلى الدخول في دوّامة طاحنة من الديون تكالبت عليها حتى وصلت إلى مستوى بدأت الشركات والبنوك الكبرى العزوف عن المغامرة بإقراضها، ومن ثم الوصول إلى الحل الأخير بإشهار الإفلاس والبدء في إجراءات التسييل (Liquidation) لأصول الشركة، للبدء في بيعها كاملة أو بيعها على أجزاء.

  

الأسباب التي أدّت إلى هذه الخسائر عديدة، يأتي في بدايتها التغيرات الكبرى العالمية في المناخ السياسي والبيئي التي حدثت في بداية العقد الحالي والتي كانت قد أوشكت بها إلى الانهيار الذي استطاعت أن تتجنبه بصعوبة آنذاك. فمع اندلاع ثورات الربيع العربي في بداية العقد الحالي، تعرّضت "توماس كوك" لضربات مؤلمة بإلغاء عدد كبير للغاية من رحلاتها المتجهة إلى الشرق الأوسط في دول سياحية مهمة مثل تونس ومصر وتركيا وغيرها من الدول التي كانت تستضيف السياح الأوروبيين، وتحوّلها لفترة طويلة إلى "مناطق لا ذهاب" (No Go Zone) بالمعنى السياحي لعدة سنوات. جاءت هذه الأحداث تالية لبركان أيسلندا الشهير الذي أدى إلى تغييرات هائلة في مسار الرحلات في شمال أوروبا، والذي أثّر بشكل هائل أيضا على عائدات الشركة. ومع ذلك، نجت الشركة بقرض قيمته 200 مليون جنيه إسترليني في ذلك الوقت.

  

ومع تجاوز "توماس كوك" لهذه الضربة، وقدرتها على جدولة ديونها في العام 2013 بعمل خريطة طريق يتم تسديدها بالكامل في العام 2020، فإن السنوات اللاحقة أثبتت أن الشركة العريقة تعاني من المزيد من الانهيارات ولا يبدو في الأفق أنها ستكون قادرة على تسديد ديونها كما كان متوقعا، بل إنها سوف تطلب المزيد من القروض لتُضاف إلى ديونها المتراكمة لعدة سنوات.

   

ركّاب طائرة "توماس كوك" يرفعون علامة "القلب" في آخر رحلاتها، وهو شعار الشركة (مواقع التواصل)

   

لاحقا، جاء ملف البريكست ليُشكّل الضربة السياسية القاصمة التي أثّرت بشكل كبير في أداء الشركة التي تنهار بالفعل، إذ ألقى رئيس الشركة "بيتر فانك" باللوم الكامل على اتفاقية البريكسيت لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في التسبب بإغراق ميزانية الشركة في المزيد من الديون وتكبّدها لخسائر كبيرة، لأن عملاء الشركة قاموا بتأجيل رحلاتهم لفترات طويلة للنظر فيما ستؤول إليه الأمور بخصوص خروج بريطانيا من الاتحاد، وهو ما أدّى إلى نزيف خسائر إضافي على الشركة الجريحة بالفعل. (2، 3، 5، 6)

    

قواعد اللعبة تتغير.. والعقلية لا تتغير

منذ أن تلقّت "توماس كوك" الضربة في بداية العقد الحالي، توالى عليها العديد من المديرين التنفيذيين الذين يتعهّدون بإعادة هيكلتها وتحديث الشركة لتواكب التغيرات الكبرى التي تحدث في سوق السياحة والسفر. أول هذه التحديات كان الانحسار الكبير لوكالات السياحة والسفر وحجز التذاكر التقليدية، وإحلالها بوسائل الحجز السريع عبر الإنترنت دون الإحالة إلى وسيط يتولى عملية الحجز وضبط برامج الرحلات.

  

كلمة مؤثرة لكابتن طائرة آخر رحلة لشركة "توماس كوك" يودّع فيها الركاب في مدينة مانشستر

   

في البداية، أبقت "توماس كوك" على فروعها لحجز الرحلات والتذاكر بزعم أن العملاء ما زالوا في حاجة إلى الذهاب إلى متاجرها لمقابلة موظفي الحجز وجها لوجه، إلا أنه بمرور الوقت اتضح أن هذه سياسة فاشلة. اتخذت "توماس كوك" بالفعل قرارا بتقليل عدد المتاجر التي تملكها للتواصل مع الجمهور والاعتماد على الإنترنت، ولكن وحتى مع هذه السياسة الجديدة أبقت على المئات من متاجرها مما كان يكلّفها نزيفا مستمرا من الخسائر، في الوقت الذي يحقق خصومها مكاسب كبرى ويستحوذون على حصص كبيرة في الأسواق.

  

فمع 550 متجرا في شوارع رئيسية وما تُكلّفه من إيجارات ومرتبات وتكاليف صيانة، كان المنافسون للشركة يركّزون على تطوير خدماتهم الرقمية للحجوزات والسياحة والسفر، على الرغم من أن هذه الشركات لا تملك خطوط طيران كاملة مثل "توماس كوك"، أو فنادق متخصصة. في الواقع، كانت هذه العناصر سببا في زيادة نفقات "توماس كوك"، بينما كان المنافسون يستمتعون بمرونة أفضل في التواصل مع الفنادق والمنتجعات وشركات الطيران لتجهيز برامج عطلات أفضل. (2، 3، 5، 6)

  

لماذا تتقاضون هذه الملايين وأنتم مُفلسون؟!

  

مع انهيار شركة بريطانية عريقة كهذه، كان من الطبيعي أن يطفو على السطح سؤال: لماذا لم تتدخل الحكومة البريطانية لمدّ يد العون للشركة لانتشالها من الغرق بدلا من تركها تهوي تحت عبء الديون؟ كانت الإجابة الأولى الرسمية على لسان وزيرة الأعمال البريطانية "أندريا ليدسوم" التي علّلت امتناع الحكومة البريطانية عن تقديم حزمة مساعدات مالية لإنقاذ "توماس كوك" بأن الحكومة رأت أن هذا شكل من إهدار أموال دافعي الضرائب على تجارة لا تُلبّي احتياجات عملائها.

  

وأضافت الوزيرة أنه حتى لو كانت الحكومة ساهمت بتقديم 200 مليون جنيه إسترليني -وهو المبلغ الذي طلبته الشركة لإنقاذها من الغرق- فالحقيقة أن هذا المبلغ كان سيؤجل من إعلان الشركة لإفلاسها لفترة قصيرة للغاية لن تتجاوز الأسبوعين، باعتباره مبلغا لتسديد خدمة دين ضخم قيمته 1.7 مليار جنيه إسترليني، وبالتالي فإن تقديم حزمة مساعدات سيُعدّ إهدارا للمال العام.

  

إلا أن التصريح الأقوى بخصوص إفلاس الشركة جاء على لسان رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في نيويورك حيث تُعقد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، عندما أبدى دهشته من حصول كبار المسؤولين في شركة "توماس كوك" التي تعاني أوضاعا متدهورة قبل إفلاسها على مبالغ طائلة تُقدّر بملايين الدولارات، وتساءل: لديّ الكثير من الأسئلة بداية عما إذا كان من الصحيح أن يتقاضى المديرون أو أي مسؤولين أيًّا كانوا في مجلس الإدارة هذه المبالغ الطائلة، في الوقت الذي تنهار شركتهم بهذا الشكل؟!

    

رئيس الوزراء البريطاني "بوريس جونسون" (رويترز)

    

صحيح أن جونسون استدرك حديثه باهتمامه الشديد بضبط أوضاع شركات السياحة لمواجهة مثل هذه الأزمات، إلا أن تصريحه كان إشارة مباشرة إلى رفض الحكومة البريطانية إنقاذ شركة "توماس كوك" والتلميح بأن إدارة الشركة لم تكن بهذا المستوى من الكفاءة لانتشالها من أزمتها، وهو ما أطلق حملة لبدء تحقيقات مع المسؤولين في الشركة، خصوصا مع تقارير تُثبت أنه منذ العام 2007 إلى اليوم تلقّى ثلاثة مديرين تنفيذيين مرتبات ضخمة بإجمالي 36 مليون جنيه إسترليني. (7، 8، 9)

    

إفلاس شركة واحدة يتسبب في أزمة سياحية دولية

  

كان وقع إفلاس شركة "توماس كوك" أكبر من مجرد إعلان إفلاس شركة عملاقة في مجال السياحة والسفر لها تاريخ عريق، وإنما كان له أيضا أثر مدوٍّ في حركة السياحة والنقل العالمية. كانت اليونان تحديدا من أكثر الدول التي مثّل لها خبر إفلاس الشركة وانهيارها أكثر من مجرد خبر عادي إلى خبر كارثي، حتى إن بعض الصحف الاقتصادية ذكرت أن إفلاس شركة "توماس كوك" يعتبر من أسوأ الأزمات التي واجهتها اليونان منذ أزمتها المالية منذ عدة سنوات.

  

اليونان التي علق فيها أكثر من 50 ألف سائح بعد توقف رحلات الشركة، تعتمد بشكل كبير على عائدات السياحة، وكانت تُعتبر ثالث أكبر مقصد سياحي للشركة، حتى إنها ساهمت في نقل وترتيب رحلات سياحية لأكثر من 2.8 مليون سائح في العام 2018 فقط، أي ما يبلغ نحو 15% من إجمالي السياح الذين وفدوا لليونان خلال هذا العام، فضلا عن أن الشركة لديها 4 فنادق في اليونان باسمها. ووفقا لبعض التقديرات السياحية اليونانية، فإن خبر إعلان إفلاس الشركة سوف يتسبب في خسائر فادحة لقطاع السياحة يُقدّر بنحو 300 مليون يورو كمتوسّط. (10، 11)

  

أما مصر، فبعد إعلان إفلاس الشركة تم إلغاء حجوزات سياحية لأكثر من 25 ألف سائح كان من المقرر قدومهم خلال الفترة المقبلة، كما أعلن وكيل شركة "توماس كوك" في مصر أن إفلاس الشركة سوف يؤثر سلبا بدون شك على السياحة المصرية حيث من المتوقع أن يتأثر ما لا يقل عن 150 ألف سائح في الموسم الواحد ما يعني 300 ألف سائح على مدار العام إذا لم يتم تدارك الوضع عالميا. (12، 13)

     

     

إلا أن الأزمة لم تتوقف فقط على قطاعات السفر والسياحة التقليدية، بل امتد أثرها لتشمل الرياضة أيضا، خصوصا كرة القدم الأكثر مشاهدة عالميا. فمع إعلان إفلاس الشركة وتجميد أسهمها في بورصة لندن، أصبح الكثير من مشجعي الأندية الأوروبية الكبرى في مواجهة أزمة لحجز رحلاتهم الخارجية لتشجيعهم فرقهم خلال الموسم الحالي، خصوصا أن الشركة كان لها وجود قوي في أقوى الدوريات الأوروبية وارتبطت بالعديد من الشراكات مع الأندية الكبرى. هذا الذي دفع العديد من الأندية مثل مانشستر يونايتد، الذي كانت "توماس كوك" أحد رعاته في فتراته الذهبية، وأيضا نادي ليفربول إلى إصدار بيانات تتعهّد بحل أي مشكلات في نقل الجماهير للمباريات الخارجية. (14، 15)

  

في النهاية، يمكن القول إن انهيار شركة "توماس كوك" العريقة لم يأتِ بين يوم وليلة، وأنها قضت سنواتها العشر الأخيرة في مرحلة الاحتضار الذي انتهى بوفاتها في سبتمبر/أيلول 2019، لأسباب عديدة تتنوّع ما بين سوء الإدارة وعدم قدرتها على التأقلم مع تغيرات السوق والتكاليف الباهظة التي تتكبدها، وأيضا لأسباب أخرى خارج إرادتها سياسية وبيئية واقتصادية متراكمة قادت جميعها إلى انهيار واحدة من أقدم وأعرق شركات السياحة في التاريخ.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار