انضم إلينا
اغلاق
هل جاءت الدجاجة من الديناصور؟.. البيولوجيا التطورية تشرح لك

هل جاءت الدجاجة من الديناصور؟.. البيولوجيا التطورية تشرح لك

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
من الشائع القول(أ) أن هناك درجة من التشابه بين الحمض النووي في البشر والشيمبانزي تصل إلى 98%، في حين لا يبتعد أكثر البشر اختلافا بين بعضهم البعض عن النصف في المائة فقط، عادة ما يستخدم ذلك النوع من القرب في تشابه المحتوى الجيني دليلا على صحة البيولوجيا التطورية. لكن، ألم يلتفت أحد ليسأل: لماذا تصل درجة تشابه الإنسان مع الفأر إلى 85% ومع ذبابة الفاكهة إلى 60%؟ أن يتشابه هذا البشري المنتصب الجسد، ضخم الحجم، بكل تعقيداته وتفاصيله الكثيرة والممتدة، مع تلك الذبابة صغيرة الحجم لتلك الدرجة؟ ألم يكن مقبولا أكثر أن تكون النسبة 10% - أو قل بحد أقصى- 20%؟

 

لكي نجيب عن هذا السؤال الهام دعنا نبدأ بالنمو Development، لطالما اقتنع البيولوجيون التطوريون أن السر يكمن هناك، فرغم تنوعنا فإن أجنتنا جميعا بشرا و أسماكا و دجاجا... تتشابه إلى حد كبير(ب). نعرف أنه في أثناء تطور الجنين من بويضة مخصبة Zygote إلى كائن مكتمل تبدأ الصفات الجينية Genotype (تلك الصفات المحملة على تتابع الجينات في الحمض النووي) بترجمة ذاتها إلى صفات ظاهرية Phenotype، تلك التي ترثها عن أبيك و أمك، لون العينين، شكل اليد، الشعر، اتساع العين... إلخ، كل شيء.

 

تهتم أبحاث البيولوجيا النمائية بدراسة Developmental Biology تلك المرحلة الثورية من نمونا، فالعملية المدهشة التي تشمل تمييز تلك النطفة الصغيرة لعدد محدد من الأعضاء بتفاصيل متباينة تماما في فترة قصيرة، تحتل قيمة جوهرية في البيولوجيا، حيث ما زال السؤال الكبير مطروحًا: كيف يعرف الجين أننا نحتاج لوضع أذن هنا وعين هناك وأصابع قدم في الجهة الأخرى؟ من يعطيه الأمر؟

 

الجينات التنظيمية النمائية
لنفهم ما يعنيه ذلك المصطلح المعقد دعنا نبدأ بمجموعة تجارب شهيرة قام بها إدوارد لويس البروفيسير بـ"كالتك" على مدى 30 عاما والحاصل على نوبل في الطب سنة 1995 عن أعماله تلك على ذبابة الفاكهة. ما اكتشفه لويس -عاشق ذبابات الفاكهة والفلوت منذ مراهقته- كان في الحقيقة شيئا غاية في الغرابة. فقد تمكن في أحد تجاربه من عزل طفرات في الجينات المسؤولة عن تنظيم خطة بناء جسم ذبابة الفاكهة، فبدلا من أن يحتوي جسم الذبابة على جناحين، ظهرت لإحداها أربعة أجنحة، أي أننا قمنا بتكرار فص كامل1 من فصوص جسم الذبابة، اكتشف لويس أن ذلك حدث عبر تعديل في مجموعة من الجينات التنظيمية الإنمائية التي سميت فيما بعد الجينات الناحتة (المتماثلة) Homeotic genes واشتهرت باسم HOX، ما الذي تفعله تلك الجينات؟

 

ذبابات بأربعة أجنحة بعد إضافة فص جسمي كامل لها، وعلى اليسار ذبابة طبيعية. (مواقع التواصل الاجتماعي)


ذبابة إد لويس الشهيرة رباعية الجناح على غلاف مجلة Science الشهيرة.

يوليو 1983م.
مواقع التواصل

   

حينما نتحدث عن الجينات، فالمعتاد هو أن نتصور أنها تتابع محدد لوحدات الحمض النووي المسؤولة عن تكوين بروتين ما لصفة محددة في جسم الكائن، كلون العينين والشعر وشكل الأنف وطول الرقبة مثلا، أما الجينات التنظيمية النمائية2 Developmental Regulatory Genes فهي غير مسؤولة عن تلك الصفات ولكنها تلعب دور واضع الخطّة العامة المسؤول عن عملية نمو جسم الجنين إلى أن يصير كائنا مكتملا، يشبه الأمر أن يكون لدينا فيلم مكون من 250 مشهدا، تلعب الجينات التنظيمية دور المخرج الذي يقول: "ضع هذا المشهد هنا، وهذا هناك، ليكن مشهد السيارة في الدقيقة الـ50 "، تقوم تلك الجينات بتفعيل أو تثبيط الجينات الأكثر تخصصا في المستويات الأدنى في أماكن محددة ومواعيد محددة، كأن تخبر جين تكوين الأنف عن مكان وموعد البدء في إنشاء أنف في الجنين، بعدد محدد، أنف واحد مثلا.

 

تتلخص وظيفة الجينات التنظيمية في إعطاء الأوامر لصنع فصوص الجسم الرئيسة. (مواقع التواصل الاجتماعي)

جينات HOX هي إحدى أنواع الجينات التنظيمية النمائية، التي تتحكم بخريطة جسم الجنين على طول محوره من الأمام حتى الخلف، ومن الرأس حتى الذيل. بعد تكون الفصوص الجنينية الأولية، تحددُ تلك الجينات نوع أبنية الفصوص، مثلا: أقدام وقرون استشعار وأجنحة في ذبابة الفاكهة، وفي البشر أنواع الفقرات المختلفة، وفي الأسماك رأس بخياشيم وجسد بزعانف وذيل. جينات النحت إذن تحدد هوية الفص، لكنها لا تكوّن بنفسها تلك الفصوص.

 

في الرسم التوضيحي التالي مقارنة بين بعض الأنواع من الكائنات من حيث الجينات الناحتة HOX، توجد نفس الجينات في أنواع مختلفة لكنها مسؤولة فقط عن التحكم في خريطة محور الجسم، فهي تقول: "ضع رأسا هنا وذيلا هناك"، فيُنفذ الأمر في الأسماك بطريقة وفي الفأر بطريقة أخرى، لكنه الأمر نفسه من نفس الجين.

 

مقارنة بين بعض الأنواع من الكائنات من حيث الجينات الناحتة HOX. (مواقع التواصل الاجتماعي)

بعد تحقيق فهم كامل لتلك الطفرات وعزل الجين التنظيمي المسؤول أصبح ممكنا لنا استخدام إشارات كيميائية لاستعادتها من جديد. إحدى أشهر التجارب في تلك النقطة كانت الحصول على ذبابات فاكهة بأقدام في موضع قرون استشعارها، سميت تلك الحالة Antennapedia، وأطلقنا على ذلك النوع من التحولات: التحولات المتماثلة Homeotic transformations، نجد تلك التحولات في العيوب الخلقية في البشر، أشهر تلك العيوب هو تعدد الأصابع Polydactyly  وهو ظهور أكثر من خمسة أصابع في يد أو قدم البشر والكلاب والقطط، عبر طفرات في مجموعة الجينات التنظيمية HOXd

على اليمين، ذبابة فاكهة بقرون استشعار طبيعية. إلى اليسار، ذبابة فاكهة بأقدام موضع قرون الاستشعار.

مواقع التواصل الاجتماعي
 لنفهم أكثر دعنا نعود للتجارب، سنة 1995 نجح فريق سويسري بقيادة والتر جيرهنج بجامعة بازيل في التعرف على الجين التنظيمي المسؤول عن ظهور العين3، الجين الذي يقول: "ضع عينا هنا، وأخرى هناك"، نجح الفريق ليس فقط في الحصول على ذبابات فاكهة بعيون في موضع أقدامها -بعد تفعيل هذا الجين في موضع كان من المفترض أن يكون مثبطا فيه موضعُ الأقدام- بل أقدموا على نقل الجين التنظيمي المسؤول عن إظهار العين من الفأر إلى ذبابة الفاكهة، ثم تفعيله في ذبابة الفاكهة و انتظار النتائج، هل خرجت ذبابة الفاكهة الجديدة بعيون فأر؟

 

لا. خرجت بعيون ذبابات فاكهة، يوضح ذلك لنا الفكرة الرئيسة والمدهشة للجينات التنظيمية النمائية، فهي لا تأمر بصنع عين فأر، وهي ليست حصرية للفئران أساسا، حيث لا علاقة لها بتصميم العين، إنما وظيفتها فقط هي أمر أكثر عمومية بصنع عين فقط، ثم تصنع الجينات الأكثر تخصصا العين التي تعرف كيف تصنعها، عين ذبابة الفاكهة. لا تنقسم الجينات هنا لآمر ومنفذ فقط، بل تتدرج إلى مستويات من الجينات كلما ازداد تعقد الكائن الحي، كأن يأمر جين تنظيمي بتصميم عين هناك، ثم في مستوى أقل يصمم جين تنظيمي آخر عينا بشرية، ثم يضيف جين أخير اللون الأزرق مع باقي الصفات... إلخ.

 
 

نموذج للتبسيط، يعبر عن نمط اتخاذ القرارات بين مستويات الجينات التنظيمية في نفس الكائن. (مواقع التواصل الاجتماعي)


لقد ورثت معظم الكائنات الموجودة الآن على الأرض كالإنسان، الذباب، الفئران، الأسماك... الخ، نفس نوع الجينات المتماثلة من أسلافها. وحافظت تلك الكائنات -رغم اختلافها الظاهر- على أدوات وراثية رئيسة عدة genetic toolkit صاحبة الصيغة أو الخطة العامة على مدى زمني يصل إلى 600 مليون سنة. من وجهة النظر تلك، يظهر كل التنوع في المحتوى البيولوجي على هذا الكوكب كتكرار للنوع نفسه من الأوامر بالنوع نفسه من الوحدات لكن بصور متعددة، دعنا الآن نحصل على ديناصور من دجاجة!

 

من الأسنان للمناقير
كانت إحدى المشكلات التي واجهت البيولوجيين هي فهم تحول الأسنان الحادة للديناصورات إلى مناقير في أحفادها من الطيور، فعملية التحول تلك تتطلب عددا مهولا من الطفرات على مدى زمني قصير جدا بالنسبة لما تحتاجه من وقت، لكن أحد أقوى حلول تلك المشكلة ظهر عام 2006 حينما لاحظ ماثيو هاريس البيولوجي بأحد معامل جامعة "ويسكونسن" مع مشرفه جون فالون أن منقار4 أحد أجنة الدجاج التي يعمل عليها لم يعد موجودا، ثم عبر ملاحظة دقيقة اكتشف ما حدث، فلقد أظهرت الدجاجة أسنانا قاطعة مخروطية صغيرة موضع المنقار، أسنان تماسيح.

 

محاولة إظهار أسنان في أجنة الدجاج سابقة لتلك التجربة، حيث حاول الكثير من الباحثين نقل الجينات التنظيمية المسؤولة عن إظهار الأسنان من الفأر إلى جنين الدجاجة ونجحت تجارب عدة، لكن تلك كانت المرة الأولى التي تتمكن فيها دجاجة من استحضار (تفعيل) نفس الجين الذي كان مُفعلا من قبل عند أسلافها من الديناصورات، لقد تمكن العلماء من فهم آلية عمل تلك الطفرة وأعيدت التجربة مرات أخرى لتخليق دجاجة بأسنان، تجارب أخرى نجحت مع ثعابين ظهرت بأقدام وأسماك كهف عمياء ولدت بعينين.

 

في تلك النقطة، ومؤخرا، دخلت تقنيات التحرير الجيني5 CRISPR-Cas9 للعبة كي تساعدنا في فهم آليات التكيف التطوري للكائنات الحية، حيث نجح الباحثون في تعديل أقدام أجنة الدجاج، وأطرافها، ووجوهها، عبر تقنيات CRISPR-Cas9 لكي تصبح أكثر شبها بأسلافها من الديناصورات، تلك التي كانت موجودة منذ ما يقرب من  150 مليون سنة، وذلك عن طريق العمل على فهم تطفُّر الجينات التنظيمية المسؤولة عن تشكل أجسام تلك الكائنات. نعم، لقد أعدنا الديناصور من جديد، ليس عبر استنساخه في المعمل، لكن عبر إرجاع الدجاجة لأصلها، لديناصورها الذي تطورت عنه، ياللعجب!

 

هنا يظهر الدور الهام الذي يلعبه التطور النمائي Evolutionary Development، المشهور في أوساط العلم الشعبي بلقب الـEVO-DEVO، فهو يساعدنا على تحقيق فهم أفضل للأحداث الجزيئية المسؤولة عن الكثير من التحولات المذهلة في السجل الأحفوري، كظهور فصوص كاملة في جسم الحشرات أو تحول الجلوبين إلى ميوجلوبين و هيموجلوبين عبر عملية تكرار Duplication، أو شرح أسباب سرعة تطور أجزاء محددة في الجسم مقارنة بباقي الأجزاء Allometry كحالة نمو أطراف الخفاش، يحقق لنا التطور النمائي عبر الأبحاث المقارنة للجينات التنظيمية فهم أفضل للتاريخ التطوري ذاته والقيود البيولوجية التي فُرضت على مجراه.

  

شكل توضيحي لكيفية تطور حشرة بعد مضاعفة أحد فصوص جسمها. (مواقع التواصل الاجتماعي)
   
فئران بأقدام طويلة كالتي في الخفافيش، ذبابات فاكهة بعدد فصوص جسمية أكبر وأرجل موضع قرون الاستشعار وعيون موضع الأقدام، قشريات بلا مخالب، فراشات بقدرات مختلفة على تمييز الألوان. نعم، إنه نوع من العبث الذي يثير الانتباه ويدفعنا للتساؤل الجاد عن مدى أخلاقية تلك التجارب ومستقبلها، خاصة ونحن نعرف أنه رغم ذلك التقدم المذهل في تقنيات التحرير الجيني، فإننا ما زلنا على أول الطريق و ما في يدينا من أدوات يشبه مصباح أديسون الأول. التطور النمائي علم جديد، ما زال أمامنا الكثير لنتعلمه، والعديد من الأخطاء لنقع فيها، ما زالت الأسئلة الأهم عن أصل الحياة والكون ذاته تدفعنا للمزيد من البحث، البحث الذي طالما فاجأنا بنتائج تؤكد أن درجات التشابه بينك وبين ذبابة الفاكهة وبين الفأر الأنيس البسيط هي أقرب بكثير مما كان يمكن أن تظن، فأنتم نسخ مكررة من نفس الخطّة، تحملون نفس الجوهر الجيني الذي ورثتموه عن أسلافكم، يدفع ذلك بنا بمحيط من التأمل والتساؤل عن: من أنا؟

------------------------------------------------------------------
(أ)-  بالطبع تبقى الأبحاث المقارنة بين المحتويات الجينية للأنواع المختلفة محل صعوبة، بمعنى أن هناك معايير عدة يمكن لنا الاعتماد عليها لتقييم التشابهات أو الاختلافات بين نوعين، تضم تلك المعايير أمورا كحجم الجينوم والطول وعدد الجينات أو الكروموسومات.

(ب)-  يجب هنا توضيح أن تلك التصاميم الشهيرة لنمو أجنة عدد من الحيوانات والإنسان هي محل جدل، فأول من صممها ارنست هيكل قام بتزييفها، إلا أننا هنا ونحن نتحدث عن درجة التشابه بين الأجنة لا نحاول أن نناقش فكرة أن الجنين يلخص نسله ontogeny recapitulates phylogeny 

آخر الأخبار