انضم إلينا
اغلاق
حينما أخطأ آينشتاين

حينما أخطأ آينشتاين

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"إن أي دراسة جادة لنظرية فيزيائية يجب أن تأخذ في الاعتبار عامل الفصل بين الواقع الموضوعي، المستقل بطبعه عن أية نظرية، والمفهوم الفيزيائي الذي تعمل من خلاله النظرية"
 

بهذه الكلمات1 بدأ ألبرت آينشتاين مع بوريس بودولوسكي ونايثن روزن ورقتهم العلمية، التي نشرت في مارس 1935، واشتهرت فيما بعد باسم الـ "EPR"، أول حروف من أسمائهم، والتي ادعت أن "النظرية الكمية غير مكتملة"، فحينما نود أن نحكم على نظرية جديدة علينا أن نطرح سؤالين:

1-     هل النظرية صحيحة؟

2-     هل الوصف الذي تقدمه النظرية مكتمل؟
 

تقاس صحة النظرية بدرجة الاتفاق بين استنتاجات النظرية وخبرتنا المتمثلة في القياسات والتجارب، واكتمال النظرية يعني أن يتعلق كل عنصر منها بعنصر من "الواقع الفيزيائي Element of reality"، ويعني اصطلاح "عنصر من الواقع" أن نتمكن - دون التسبب في اضطراب النظام - من تحقيق قياس مؤكد لكمية فيزيائية. فقط في حال الاجابة بـ "نعم" على السؤالين أعلاه يمكن القول أن النظرية مُرضية. لكن النظرية الكمّية ليست كذلك ..

آينشتاين يهاجم النظرية الكمية، الصفحة الرئيسية من النيويورك تايمز عدد مايو 1935


التشابك الكمّي

لنفترض أننا قمنا بلف عملة معدنية على طاولة، نحن لا نعرف على أي وجه سوف ترسو العملة في أثناء دورانها، يمكن هنا القول أن العملة في تلك الحالة تحتوي على "كل الاحتمالات الممكنة معا"، لكن حينما نضع يدينا على العملة سوف نرى احدى الحالتين فقط، ملك أو كتابة. يشبه ذلك المثال ما نسميه حالة "التراكب الكمّي Superposition" في النظرية الكمّية، حيث يتواجد الجسيم قبل القياس -وضع يدينا على العملة- في كل الاحتمالات الممكنة معا في نفس الوقت، ويعبر عن ذلك بكيان رياضي ندعوه الدالة الموجية. لكن في حال حاولنا القيام بقياس، وضع يدينا على العملة، تنهار الدالة الموجية ويتخذ الجسيم لف محدد.


حتى آخر يوم في حياته، رفض آينشتاين تلك الظاهرة ولقّبها بـ "التأثير المخيف عبر مسافة Spooky Action at a distance". لكي نفهم ما يعنيه التشابك الكمّيQuantum entanglement  ومدى غرابته دعنا نبدأ بأول ألعابنا، سوف أحتاج هنا لاعبا إضافيا، لتكن ابنتي رهف الوجود، وهي فراشة في الرابعة من عمرها لا تمل من اللعب.
 

لنفترض الآن أن هناك عملة مشابهة تدور على طاولة أمام رهف في غرفة أخرى لا أراها، سأتفق معها أنه حينما نسمع صوت جرس سوف نضع يدينا في نفس اللحظة على العملة التي تدور ثم بعد ذلك سوف نسجل قراءاتنا في جدول، ثم نقارن الجداول بعد 10 مرات من اعادة التجربة. من الطبيعي أن تتشابه بعض النتائج - الحالات 10 و7 مثلا - ويختلف البعض الآخر - الحالات 1 و9 مثلا




لكن، ماذا لو كانت القراءات دائما مختلفة، بمعنى أنه في كل مرة أسجل فيها "ملك" تسجل رهف فيها "كتابة"، أو أن أسجل أن "كتابة" فتسجل هي حتما "ملك"، دائما، مهما حاولنا أو كررنا التجربة لأي عدد من المرات، وبلا أي استثناء، تنعكس القراءات بين طاولتينا؟




هذا هو ما نسميه التشابك الكمّي. في عالم الجسيمات دون الذرية يشير التشابك الكمّي2 لوجود "نوع من الارتباط" بين الجسيمات المتشابكة كميا مفاده أنه حينما نقرأ لف الجسيم "أ" في لحظة ما فإنه عند قراءة لف الجسيم "ب" المتشابك معه كميا في نفس اللحظة سوف تكون معاكسة، كأن يكون أحد الجسيمين "أعلى" فيكون الآخر "أسفل"، والعكس صحيح، وذلك حينما تُتخذ القياسات في نفس الاتجاه. مهما كان موضع الجسيمين، حتى لو قررنا وضع كل جسيم منهما في أحد جانبي مجرة عرضها 220 ألف سنة ضوئية، أو حتى حينما نضعهما في جانبي الكون نفسه، سوف نرصد تلك العلاقة.




يمكن خلق تلك النوعية من الجسيمات عبر عدة طرق، وقد تم تأكيد ذلك تجريبيا في أكثر من مكان، لكن ذلك ليس محل اهتمامنا الآن، محل اهتمامنا هو أن ذلك يعني أنه يمكن لتواصل من نوع ما أن يتم بشكل لحظي، أي بأسرع من سرعة الضوء، التي هي، حسب النظرية النسبية، حد العلاقات الأعلى في الكون، يخرق ذلك ما نسميه مبدأ "المحلّية Locality" والذي ينص على أن العلاقات ما بين الأجسام لا يمكن أن تتم بأسرع من سرعة الضوء. دعنا نفترض أن الشمس اختفت حالا من موضعها، متى يمكن أن نشعر على الأرض بذلك؟
 

ليس قبل ثماني دقائق، خلال تلك الدقائق سوف تستمر الأرض في الدوران حول المركز الوهمي موضع اختفاء الشمس، سوف يأخذ زوال تأثير الجاذبية أعلى سرعة ممكن في الكون حتى يصل للأرض، سرعة الضوء، لكن ميكانيكا الكم هنا تفترض أنه يمكن لعلاقة ما من نوع مخيف Spooky أن تتخطى تلك السرعة القصوى.
 

الرصد.. عدم التأكد.. والمحلية

لنرجع الآن لما قلناه منذ قليل عن القياس، لتحقيق فهم أفضل لما أقصده دعنا نفترض تجربة فكرية بسيطة: أنت عالم اجتماع، حدث منذ أسابيع قليلة أن وجَدَت مجموعتك البحثية قبيلة أفريقية لازالت لا تعرف أي شيء عن الحياة الحديثة، لا يعرفون أي شيء عن التليفزيون، الويب، الهامبرجر، أزمة اللاجئين السوريين، ملابس كالفن كلاين، مايلي سايرس، أو حتى ويل سميث، لا شيء عن عالمنا الموبوء بالسطحية، وشكلت تلك فرصة غاية في الأهمية لدراسة مجتمعات بدائية ثم المقارنة بينها وبين مجتمعاتنا الحالية ورصد التغير، وقد تمكّن فريق العمل من خلق طريقة ما للتواصل معهم، سوف تجهزون كاميرات كثيرة متنوعة وأوراق وأقلام ومسجلات صوت ثم تسافرون لتلك القبيلة وتعكفون على دراسة أفرادها لمدة اسبوعين، هل يمكن أن نحصل هنا على نتائج دقيقة؟
 

للوهلة قد تكون الإجابة بـ "نعم"، لكنك تفوّت مشكلة هامة، وهي أن أفراد القبيلة يتأثرون بوجودك معهم، بطريقة كلامك، لبسك، تسريحة شعرك، نظارتك، كاميراتك المعلقة في كل مكان، أنت هنا تُدخل للتجربة ما كنت تحاول أن تدرس التجربة بمعزل عنه، يتشابه ذلك مع ما نحاول فهمه عن قضية الرصد في عالم الكم، فحينما ترصد/ تقيس نظام كمّي ما، فأنت تتدخل لكسر الحالة الكمية3 وإظهار واقع ما، دعنا نتعمق أكثر في نتائج تلك النقطة.
 

ينص مبدأ عدم التأكد لهايزنبرج على أنه "لا يمكن لنا قياس خاصيتين ما لجسيم كمّي في نفس الوقت بدقة"، أي أننا مثلا لن نتمكن أبدا من قياس موضع وسرعة الإلكترون في نفس الوقت بل يمكن لنا قياس الموضع بدرجة تقترب من الدقة والسرعة بدرجة تبتعد عنها، ليست تلك مشكلة قياس فقط في عالم الكم، بل هي خاصية جوهرية في تركيب الكون نفسه، الإلكترون ذاته لا يمكن له أن يتخذ موضع وسرعة محددين، فإن حددنا سرعته بدقة لا يمكن لنا أن نتحدث أصلا عما تعنيه كلمة "موضع" في عالمه.




لنفترض الآن أن حدثا ما أعطى لنا جسيمين متطابقين مرتبطين معا كميا، جسيم 1 وجسيم 2، لكل منهما بسبب ذلك نفس الموضع والسرعة تماما لكن في الاتجاه المضاد. حينما نتحدث من وجهة نظر الـ EPR وما يعنيه مصطلح "عنصر من الواقع" سوف تؤدي بنا ميكانيكا الكم لاستنتاج مفاده أنه لا يمكن لسرعة وموضع الجسيم أن يكونا واقعيين معا في نفس الوقت لأن قياس أحدهما يلغي قدرتنا على قياس الآخر بيقينية، فحينما نقيس سرعة الجسيم 1 بدقة يصبح موضعه غير واقعي، والعكس كذلك. لكن هناك طريقة يمكن أن نستخدمها لقياس أحد الجسيمين دون احداث اضطراب للنظام، وهي اجراء عمليتي قياس على الجسيم الآخر:
 

  • حينما نقيس موضع الجسيم 1 فنحن نحدد موضع الجسيم 2 بدون الحاجة لقياس موضعه واحداث اضطراب للنظام، يصبح موضع الجسيم 2 إذن خاصية واقعية.
  • حينما نقيس سرعة الجسيم 2 فنحن نحدد سرعة الجسيم 1 دون الحاجة لقياس سرعته وإحداث اضطراب للنظام، تصبح سرعة الجسيم 1 إذن خاصية واقعية.
  • إذن يحدث تناقض Paradox، لأننا تمكنا بشكل ما من قياس موضع وسرعة نفس الجسيم وجعلهما واقعيين في نفس الوقت، وهذا ضد مبدأ عدم التأكد.
  • ويعني ذلك أن واقعية Reality الجسيم 2 تتحدد عبر قياس للجسيم 1، مهما كانت المسافة بينهما كبيرة، وهذا هو جوهر اعتراض الـ EPR على ميكانيكا الكم، حيث لا يمكن لأي تعريف منطقي للواقع أن يعتمد تفسيرا كهذا، فنحن هنا نخرق ما جمعه آينشتاين في اصطلاح المحلية الواقعية Local realism، حيث لا يمكن لتأثير بين جسيمين أن يحدث بأكبر من سرعة الضوء، كما أن لجميع الأجسام من وجهة النظر تلك خصائص واقعية مميزة لها قبل أن نقوم برصد هذه الخصائص، أما رؤية الكوانتم فهي ترى أن أي خاصية لا تصبح واقعا إلا عندما يتم رصدها/قياسها.
     

هذا التناقض هو3 ما أدى بآينشتين ورفاقه لتصور أن الميكانيك الكمومي هو نظرية غير مكتملة، لازال ينقصها شيء ما لتخضع لمبادئ الواقعية المحلية التي شرحناها منذ قليل، هذا الـ "شيء" الناقص هو ما أدى بهم لوضع فرض آخر يمكن لنا من خلاله أن نتفهم نتائج ميكانيكا الكم الغريبة.
 

يقول هذا الافتراض أن هناك ما نسميه "متغيرات خفية Hidden variables" يتفق عليها الجسيمين قبل انفصالهما عن بعضهما البعض، أشياء غائبة لا نعرفها بعد - ربما بسبب التكنولوجيا أو مشكلات القياس أو أي شيء آخر - تمنعنا عن فهم واضح للنظرية، كأن أتفق مع رهف الوجود قبل التجربة بشكل ما على قاعدة محددة بحيث نطبقها فتكون قراءة عملاتنا دائما مختلفة.  
 

هنا يضع آينشتاين ورفاقه عالم الكم أمام اختيارين: إما قصور في مبدأ عدم التأكد، أو متغيرات خفية، بذلك تكون المتغيرات الخفية هي الحل الأفضل، هل يمكن أن يكون هذا صحيحا وتكون النظرية الكمّية مجرد نظرية كلاسيكية أخرى؟ هذا هو ما سوف نعرفه حينما نلتقي بجون ستيوارت بيل5، فرغم هدوء شخصية هذا الرجل البسيط، إلا أن ما قدمه في نوفمبر 1964 كان بجموح ليلة شتوية عاصفة!

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار