انضم إلينا
اغلاق
ثورة علمية: هل حصلنا بالفعل على هيدروجين معدني؟

ثورة علمية: هل حصلنا بالفعل على هيدروجين معدني؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"لقد صنعنا مادة جديدة لم توجد على الأرض من قبل"، بهذه الكلمات بدأ إيزاك سيلفيرا1 البروفيسير بهارفارد إعلانه عن الحدث الأشهر - إلى الآن- في 2017، لقد حصلنا على الهيدروجين في صوره معدنية، وهي صورة من عنصر الهيدروجين يعتقد أنها - فقط - قد تكون موجودة في قلب الكواكب ذات القدرة على تحقيق ضغط عالي بمركزها كالمشتري أو زحل أو بعض الكواكب الخارجية، بينما لا يمكن لها التواجد أبدا حتى في باطن الأرض، لكن إيزاك وصديقه هنا استطاعوا خلق ضغط أعلى من الضغط في باطن الأرض، دعنا نتعرف سريعا على هذا الاكتشاف الهام الذي طالما سمي بـ "الكأس المقدسة لفيزياء الضغط العالي"!
 

يصنع الهيدروجين ما يصل إلى 75% من كتلة المادة التي نعرفها في الكون، رغم ذلك لم يتمكن أحد من قبل من الحصول عليه في صورة معدنية، سنة 1935 توقع الفيزيائيين2 يوجين فيجنر وهيلارد هانتينجتون أنه مع ضغط عالي للغاية يصل إلى 25 جيجا باسكال - حوالي 250 ألف مرة قدر الضغط الجوي - يمكن لنا إجبار ذرات الهيدروجين على التقارب من بعضها بحيث تكتسب بعض صفات المعادن، كقدرتها على التوصيل الكهربي وللمعان والعكس البصري. يحدث أن يكتسب عنصر ما تلك الصفة فقط حينما يمكنه إفلات إلكتروناته الخارجية بحيث تتجول بحرية، لكن الهيدروجين يحتوي على إلكترون واحد فقط يقترب كثيرا من النواة ويصعب عليه - كعنصر منفرد - أن يفعل ذلك.
 

في الحقيقة، لم يكن توقع كل من هانتينجتون وفيجنر دقيقا، لكي نصل إلى الهيدروجين الصلب احتاج3 الباحثَين، رانجا داياس وإيزاك سيلفيرا، من معمل لايمان للفيزياء، احتاجا لِما يقترب من 495 جيجا باسكال من الضغط، حيث يمكن الحصول على هذا القدر المهول من الضغط - والذي يشبه الضغط في باطن الكواكب الضخمة - فقط عن طريق تكنولوجيا تدعى "diamond anvil cell (DAC)  خلية سندان الماس"، وهو يشبه السندان الذي يستخدمه الحداد لكنه صغير للغاية ومكون من طرفين دقيقين من الماس يضغطان المادة في صورتها تحت ملليمترية -500 ميكروميتر في الشكل الموضح، 500 درجة من المليون من المتر-  بقوة حتى تصل إلى الصورة الصلبة منها.
 



إحدى المشكلات الهامة التي اكتشفها الفريق البحثي هي أن المشكلة لم تكن فقط في الحاجة إلى قيم أكبر من الضغط، لكن كذلك في الماس المستخدم نفسه، اضطرهم ذلك إلى تخليق نوع مختلف من الماس وخرطه حتى يصل قطر سنّه إلى 5 ميكرومترات، وتبريد الهيدروجين - لـ 269 مئوية تحت الصفر - حتى يتباطأ الاتحاد بين الذرات فلا يتفاعل مع الماس نفسه وقاموا بتغطية سن الماس بمواد تمتص الهيدروجين الحر، كذلك قام فريق العمل باستخدام مصدر مختلف للضوء غير الليزر اللامع لأنه -هو الآخر - تسبب في مشكلة للماس المستخدم.
 

ما الفائدة؟
سنة 1968 توقع نيل أشكروفت4 أنه يمكن استخدام الهيدروجين المعدني كموصل فائق في درجة حرارة الغرفة العادية، كذلك يُتوقع أنه يمكن صنع سوائل كمّية من أنواع جديدة ربما تخلق استخدامات ثورية، إذا تأكد بالفعل أننا حصلنا على الهيدروجين المعدني، فنحن أمام فتح جديد في تاريخ العلم، إن تحويل الهيدروجين لصورة معدنية سوف يمكننا من صنع أسلاك من موصلات فائقة يمكن للكهرباء أن تمر خلالها لمسافات ضخمة دون أن تفقد قدر عظيم من الطاقة - 15% - مع مقاومة الأسلاك العادية.

 

كذلك سوف يساعدنا ذلك في صنع مغناطيسات كتلك التي تستخدم في "أجهزة الرنين المغناطيسي MRI" في درجة الحرارة العادية دون الحاجة إلى تبريدها بالهيليوم وهو ما يوفر الكثير من الجهد ويقلل في أسعار أجهزة كتلك تحتاجها العديد من المستشفيات، كذلك سوف يساعد في صناعة الحواسيب الكمّية بصورة أفضل، فالمعالجات الكمومية تحتاج لدرجات تبريد منخفضة للغاية يمكن تجنب ذلك باستخدام الهيدروجين المعدني.
 

سوف يمكننا الهيدروجين السائل أيضا من تصميم قطارات جديدة تعمل بتقنيات "الحمل المغناطيسي Magnetic levitation"، أي أنها سوف تجري على قضبان دون ملامستها، فقط بحملها مغناطيسيا، سوف يوفر ذلك من الوقود ويمكن البشر من صنع قطارات فائقة السرعة.
 

أحد أهم استخدامات تلك الصورة من الهيدروجين5، وهو ما دعا ناسا لتمويل الأبحاث القائمة عليها، هو قدرتنا على تحويلها لوقود أفضل يمكن استخدامه لإطلاق مركباتنا الفضائية إلى مسافات بعيدة في عمق الفضاء الواسع، حيث أن تفكيك روابط الهيدروجين هنا سوف يولد قدر من الطاقة أكبر بـ 10 مرات من الوقود الحالي، كما أنه سوف يكون أخف وأقل في الحجم.


 

هل حصلنا عليه حقاً؟

بعد انتشار الخبر قام 5 علماء6 بالتصريح لدورية نيتشر الشهيرة أنهم غير مقتنعين بصحة الورقة العلمية التي قام فريق العمل المسؤول عن تصنيع الهيدروجين المعدني بنشرها، يجادل بعض الباحثين أنه ليس من السهل تأكيد أن ما حصلنا عليه هو هيدروجين صلب حقًا، وأنه ربما مادة "أكسيد الألومنيوم" الذي يغطي طرف قطع الماس والذي يتصرف بشكل غريب حينما يتعرض لضغط عال.
 

كذلك يجادل البعض أن كل من سيلفيرا وداياس يبالغان في تقدرير الضغط الذي وصلوا إليه -495 جيجا باسكال- من خلال الاعتماد على معايرة غير دقيقة بين لفّات المسمار والضغط داخل السندان في خلية سندان الماس، في النهاية، جزء كبير من المشكلة هنا هو أن الباحثَين لم يقوما سوى بقياس واحد فقط للعينة مما يجعله من الصعب تقبل نتائج كتلك.
 

في كل الأحوال، سوف يحتاج باحثينا لبعض الوقت لإضافة حجج جديدة نظرية وعملية لتلك الادعاءات، لكن إذا كانت المادة السوداء العاكسة التي حصلا عليها هي بالفعل الهيدروجين المعدني، فنحن أمام نقطة انطلاق جديدة في تاريخنا كبشر، فنحن أمام فرصة جديدة للخطو في غياهب الكون بسرعات مجنونة، ودراسة تركيب أعماق الكواكب الضخمة في معاملنا، وصنع أدوات تسهل الكثير في حياة البشر، ها هو العلم من جديد يتدخل ليساعدنا على سبر أغوار المجهول بشكل أعمق، كل ما نحتاجه الآن هو أن يبقى الهيدروجين في تلك الصورة بعد رفع تلك الدرجات العالية من الضغط عنه، ثم "من يدري؟ "..

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار