انضم إلينا
اغلاق
بين الرهبة والاندهاش.. أنت لست محور الكون

بين الرهبة والاندهاش.. أنت لست محور الكون

  • ض
  • ض
مقدمة المترجمة

مع اتساع دائرة التطور والعلوم أصبح الإنسان يدرك حجمه مقارنة بالكون الهائل الذي يحيا فيه، لكنّ في شعور الإنسان بضآلته ارتقاؤه وسلامته النفسية والبدنية، كيف يكون ذلك ممكنا؟ هذا ما يكشفه التقرير التالي.
 

نص التقرير

لن تجعلنا تجربة الانبهار نشعر أننا على قيد الحياة فحسب، بل إنها قد تساعد على التغلب على الانهماك اليومي في الذات، ويحدث كل هذا ببساطة بالانتباه إلى الطبيعة والعالم من حولنا.
 

إن تجربة التعلم عن الكون الذي نعيش فيه -ومكاننا منه- هي واحدة من أكثر التجارب التي تسلب العقل في أيام الطفولة (هي ومعرفة أن الآباء والأمهات هم فقط بشر مثلنا)، وقليل من الأطفال يسعى إلى تفسير أعظم أسرار الطبيعة، غير أن ميتشيو كاكو عالم الفيزياء النظرية ومروج العلوم فعل ذلك عندما صعقته تجربة الانبهار للمرة الأولى.

 
كان كاكو يبلغ 8 سنوات من العمر، وكانت معلمته قد أعلنت للتو أن عالِما عظيما قد مات، ورفعت صورة كلاسيكية لألبرت آينشتاين في مكتبه، وأشارت إلى مخطوطة غير مكتملة في الصورة. وقال كاكو لنفسه: "أريد أن أخوض غمار ذلك". ولم يأت شعوره بالانبهار فقط من تشكيل هذا الهدف العظيم، بل من فكرة أن الكون الواسع قابل للمعرفة. ويقول إن العالم قد يبدو أمرا مبهما، لكن المدهش هو أنه "يمكنك تلخيصه على ورقة باستخدام صيغ الفيزياء".

 

كان لآينشتاين تأثير عظيم علينا لأنه كان رسولا من النجوم، ونحن ننظر إلى النجوم ونفكر "مشكلاتي تافهة جدا بالمقارنة مع عظمة السماء ليلا"

غيتي إيميجز
 

وكافح الفيزيائيون من أجل التوفيق بين نظرية آينشتاين للنسبية العامة والفيزياء الكمية، باعتبارها أحد منشئي نظرية الأوتار التي تفترض وجود أكوان متعددة وأبعاد غير معروفة، فضلا عن الأجسام الموسعة ذات البعد الواحد والمعروفة بالأوتار، وحقق كاكو هدفه المتمثل في إكمال ما بدأ آينشتاين. فأوتار تهتز في الفضاء -ليست مثل أوتار الكمان- وعندما تهتز في ترددات مختلفة فإنها تظهر كجُسيمات وقوى مختلفة من الطبيعة. ستكون الجاذبية إذن مثل نغمة "فا" المرتفعة في حين أنَّ التفاعلات الكهربائية الضعيفة (جزء من الفيزياء الكم) ستكون مثل نغمة "مي" منخفضة .

كان إنجاز كاكو إنجازًا جليلا، خاصة بالنسبة لشخص من أصول متواضعة ومعيقة، فقد كان ابن بستاني وخادمة، وكلاهما قضى وقتا في معسكرات الاعتقال خلال الحرب العالمية الثانية، تلك اللحظة الأولى من الاندهاش -يوم الغطاس النضير- كما يقول "ما زالت هي البئر التي أسحب منها المياه عندما أكون متعبا وبحاجة للإنعاش".


يقول: "هناك آلاف من الأبحاث حول نظرية الأوتار، ومن حين لآخر يظهر واحد منهم ويكون بحثا جميلا"، بالنسبة للفيزيائي -كما يقول كاكو- فإن التناسق هو معنى الجمال، "إنه يحول أكواما وأكواما من الصيغ إلى معادلة بسيطة وأنيقة ومتناسقة". إنه التناظر الذي ينبعث من الفوضى، مثل الماس الذي تم تشكيله بعد سنوات من تجميع قطع من الكريستال المحطم، ويضيف أن سعينا إلى البحث عن الجمال في الكون سمح للبشر بسبر أغوار أسئلته المحيّرة، وهذا النوع من الجمال يسمح لنا أيضا بتكبير عدسة الكاميرا بعيدا عن إعداداتنا الضئيلة.

 
يقول كاكو: "كل مخاوفك الأنانية الصغيرة لا تعني شيئا بجانب عظمة الكون، وتمنحك تجربة الانبهار صدمة وجودية، فأنت تدرك أنك كنت مركبا لتكون أنانيا بعض الشيء، لكنك كذلك تعتمد على شيء أكبر منك. وكان لآينشتاين تأثير عظيم علينا لأنه كان رسولا من النجوم، ونحن ننظر إلى النجوم ونفكر "مشكلاتي تافهة جدا بالمقارنة مع عظمة السماء ليلا".

 

العالم الفيزيائي "ميتشيو كاكو (غيتي إيميجز)


يظهر كاكو -الذي يفسر مفاهيم صعبة باستعارات وتشبيهات بارعة- في البرامج الإخبارية في كثير من الأحيان بقدر ما يظهر النقاد والمشاهير في هوليوود، وتعكس شعبيته عطشنا إلى المعرفة، جنبا إلى جنب مع شعبية زملائه مثل نيل ديغراس تايسون والبرامج التلفزيونية مثل "ذا بيغ بانغ" (نظرية الانفجار الكبير) التي تحتفل بالمهووسين، والكيانات على الإنترنت مثل "I F*cking Love Science" التي تجمع متعة علمية مع غشاء من الوعي. ولكنه يكشف أيضا عن رغبة قوية في الوصول إلى بصيرة مذهلة وكاشفة، ورغبة في الاندهاش في عالم يغلبه السأم.

 

إن بعثة نيو هورايزونز في عام 2015 إلى بلوتو والمشاهد من فوق قمة جبال الهيمالايا ولوحة ماكلانجيلو الإبداعية "خلق آدم"، جميعهم يشعل الفضول الفكري ويوفر ملذات جمالية، ولكنها تسحبنا أيضا من وضعنا الافتراضي في الاستغراق في الذات، وقد تكون حتى هي العقار المضاد لعصر الهوس بالذات (وصورالسيلفي) الذي يُعد التقاط ونشر صور لنفسك فيه ممارسة مقبولة تماما. وحتى الفنانون المفكرون والمفكرون من المتوقع منهم أن "يسوّقوا" لأنفسهم ويتقاسموا حياتهم الخاصة مع الجمهور على نطاق أوسع من أجل بيع سلعة، وعرّف فريق من الباحثين في جامعة بنسلفانيا الانبهار أو الرهبة بأنها "عاطفة التسامي الذاتي، والشعور بالإعجاب والعُلو في مواجهة شيء أكبر من الذات".

 

وتُبيّن البحوث الأخيرة أنه في صحوة الرهبة يشعر الناس أنهم أكثر ارتباطا مع الفئات الاجتماعية، وأنهم مدفوعون إلى العمل من أجل الخير الأكبر. فالدهشة تجمعنا معا، وهي قوة مضادة لكل ما يبدو أنه يشتتنا، واعتمادا على اهتماماتك الخاصة قد تذهلك لوحة فسيفساء مصممة بشكل معقد أو -مثل كاكو- معادلة رشيقة. يقول بول بيف، الأستاذ المساعد في علم النفس والسلوك الاجتماعي في جامعة كاليفورنيا في إيرفين، إنه رغم أن بعض الناس مهيئون ليشعروا بالانبهار أكثر من غيرهم فإن هناك نوازع شائعة للشعور بالدهشة، "فمسبّب الرهبة يمكن أن يكون شيئا كبيرا حرفيا أو عظيم المفهوم وحسب، ولكن في كلتا الحالتين فإن فهمك الحالي أو إطارك المرجعي لا يمكنه استيعابه".

 

ويشير إلى مقاطع فيديو مضحكة لأطفال يمرون من الأنفاق للمرة الأولى، فتلتوي وجوههم من الارتباك والمفاجأة. "لا عجب أن لدينا شعورا بديهيا أن الرهبة تحاكي العجب الطفولي من العالم وجميع مستجدّاته". وحدثت لحظة رائعة في عمر مبكر لبيف عندما كان في الحادية عشر من عمره وذهب في رحلة سفاري في كينيا مع عائلته، يقول: "لم يكن لدي أي مفهوم عن الحياة البرية الحقيقية. كنا في حديقة وطنية كبيرة، ومثل سحابة تعبر فوق المناظر الطبيعية تحركت الآلاف من الوحوش البرية تجاهنا".

توصل ريتشارد لوف إلى أن تعزيز نظام المناعة، وتحسين الوظائف المعرفية، والتبعات الأخرى للخروج في الهواء الطلق هي كلها عناصر لهذه الهدية الأساسية التي تُدعى الرهبة، أن تشعر أنك حقا على قيد الحياة

مواقع التواصل


روبرت ليهي، وهو طبيب نفسي إكلينيكي ومدير المعهد الأميركي للعلاج المعرفي ومؤلف"علاج القلق"، يرى الرهبة باعتبارها ذات نسب بالتقدير والامتنان، ويربط ذلك بالخبرات التي عادة ما توجد في أماكن العبادة، حيث تتآمر العمارة والموسيقى والصلاة لجذب الحاضرين خارج أنفسهم. في بحث حديث حاكى بيف وزملاؤه الفكرة من خلال وصف المؤسسات الدينية بأنها الأماكن التي "تستخرج وتنظم وتقدس الرهبة". ( لي صديقة ليست بمتدينة تذكر أنها كانت تسير في الشارع عندما انبعثت الشمس من خلال الغيوم فأصدر الأرغن في الكنيسة القريبة موسيقى تصويرية مجيدة، فكانت كما لو أنها مسحورة).

 

والطبيعة -بطبيعة الحال- هي منبع الانبهار المتجدد، "ما هي أول نافذة للعجب؟" يسأل الصحفي ريتشارد لوف، مؤلف "مبدأ الطبيعة: إعادة الاتصال بالحياة في عصر افتراضي". "إنها في الخروج إلى العشب والاستماع إلى صوت الريح وحفيف الأشجار، وقلب الصخور، وإدراك أنك لست وحدك في هذا العالم". وقد توصل لوف إلى أن تعزيز نظام المناعة، وتحسين الوظائف المعرفية (مثل زيادة الانتباه)، والتبعات الأخرى للخروج في الهواء الطلق هي كلها عناصر لهذه الهدية الأساسية التي تُدعى الرهبة، أن تشعر أنك حقا على قيد الحياة.


توجد صلة قوية بين التعرض للطبيعة ووفرة الصحة، فسكان المناطق الحضرية أكثر عرضة للقلق والاكتئاب والمعاناة من الأمراض النفسية الأخرى، لكن الذين يزورون البيئات الغنية بالطبيعة يختبرون انخفاضا فوريا في هرمونات التوتر. في واحدة من العديد من الدراسات المشابهة وجد الباحث في جامعة ستانفورد غريغوري براتمان أن طلاب الجامعات الذين اعتادوا السير عبر العشب الأخضر والأجزاء المورقة من الحرم الجامعي كانوا أكثر سعادة وأكثر انتباها بعد ذلك من أولئك الذين يتواجدون بالقرب من حركة المرور الكثيفة. وخلصت دراسة استعراضية أجريت عام 2014 أجراها ديفيد بيرسون وتوني كريغ إلى أن الفوائد المعرفية لكون المرء في الطبيعة ترجع إلى "البيئات التصالحية" التي توفر تجربة الهروب من المتطلبات اليومية وتصور الاتساع.

التفكر أو الاستغراق في المخاوف هو أكبر مؤشر للاكتئاب والقلق، وذلك وفقا لدراسة بريطانية نشرت في عام 2013. "والرهبة هي عكس ذلك" كما يقول ليهي، "فهي شعور يزيل الاضطراب الداخل

مواقع التواصل 


ويشير المؤلفون إلى أن الانتباه يزداد والشعور بالإرهاق الذهني يقل فور أن يشاهد الناس أفلاما أو صورا للمشاهد الطبيعية، وفي هذا خبر جيد لأهل المدينة الذين لا يجدون فرصة للفرار من منازلهم. وطالما كانت العناصر الرئيسة "للابتعاد والافتتان" حاضرة فإن الأديرة والمتاحف والمعارض الفنية والمشاهد في الحضر التي تحتوي على المياه كلها بدائل مناسبة للذهاب للريف. عندما يهب الشعور بالقلق تطغى على من يعانون منه مقلقاتهم والأفكار المظلمة ويركزون عليها، وهي حالة تغرس في كثير من الأحيان معنى مضللا "للحقيقة" أو "الصواب" عن تلك الأفكار، كما يقول ليهي.


إن التفكر أو الاستغراق في المخاوف هو أكبر مؤشر للاكتئاب والقلق، وذلك وفقا لدراسة بريطانية نشرت في عام 2013. "والرهبة هي عكس ذلك" كما يقول ليهي، "فهي شعور يزيل الاضطراب الداخلي مع موجة من الكثافة الخارجية".  سواء كان ذلك مشهد غروب الشمس بألوان أكثر وضوحا مما قد رأيت من قبل، أو شعورا سريع الازدياد بالحب عندما تحدق في عيون شخص آخر، وأن تشعر بالرهبة يعني أن تفقد نفسك في شيء أو شخص آخر، فيختفي شعور الشخص القلق بأن "كل شيء يدور حولي".

 

رحلات الهلوسة عادة ما تنتج إحساسا سحريا بالرهبة، لذا فربما ليس شيئا مفاجئا أنه في تجارب الدراسات قام الپسيلوسيبين -وهو العنصر الفعال في "الفطر السحري"- بتقليل شعور مرضى السرطان بالقلق والخوف من الموت. ويمكن للپسيلوسيبين أن يغير من شخصية الناس، مما يجعلهم أكثر انفتاحا. وهذا النوع من الرهبة، كما يشكك الباحثون، يمكن أن يغير كيمياء الدماغ على المدى الطويل.

 

ويتذكر دانيل سميث، مؤلف "عقل القرد: مذكرات القلق"، ذعره عندما كان طفلا في مواجهة إدراك أن الكون شاسع للغاية، يمكن أن يشعر الشخص القلِق أنه ضئيل جدا مقارنة بشيء هائل جدا. لكنه في الآونة الأخيرة، ساعده البحث في الشعور بالرهبة وأخرجه من "الانغماس الكئيب في النفس". خلال فترة من الاضطرابات الشخصية سعى إلى التجارب الروحانية من خلال الجلوس تحت شجرة الزيزفون بالقرب من شقته ببروكلين كل يوم لعدة أشهر. ويقول سميث: "كنت أمكث هناك لمدة 15 دقيقة، وأتطلع إلى فروع الشجرة، فقد كنت بحاجة إلى شيء يذكرني بأن مخاوفي كانت مؤقتة ومحلية، ولحظية، لم أكن أنعم بالنشوة، ولم يكن ذلك دواء كل شيء، لكنه كان علاجا جيدا جدا، فالشجرة كبيرة وعتيقة ومذهلة تماما بالمعنى الحرفي، وهي بمنزلة تذكير بهذا النوع من التعجب الغريب والمثير من الخلق.



إن العيش في مدينة مليئة بالأشخاص بوجوه يجب أن أفسرها باستمرار إن كانت ودية أو لا" يمكن أن يستنفد الشخص الذي يعاني من التوتر والقلق عموما -أو أي شخص في حقيقة الأمر-، في حين أن الشجرة كانت مهيبة لكنها لم تكن تشكل أي تهديد. قد يبدو العلاج بالاندهاش -للوهلة الأولى- أمرا متعارضا مع العلاج الكلاسيكي بالحديث، فرؤية المعالج تتطلب التركيز على أفكارك ومشاعرك وتبادلها. إنها غوص داخلي كما يعتقد ليهي، رغم أن العلاج السلوكي المعرفي يدور حول فحص أفكارك، ولكن أيضا أن تتعلم أن تقلل من أخذها على محمل الجد، وأن تنظر في احتمالية أنها قد تكون غير دقيقة أو سخيفة أو عديمة الفائدة، وأن تكف عن اعتبار ما يحدث من حولك أمرا شخصيا، وأن تدرك أنك لست محور الكون!
 
كما يرى سميث مطاردة الرهبة باعتبارها مكملا للعلاج النفسي، "فالعلاج يكمن في إيجاد وجهات نظر جديدة وتشكيل عادات جديدة، وكذلك يعد تعلم البحث عن الدهشة عادة جيدة. والطبيب الجيد يخبرك أن تتأمل بداخلك لكي يجعلك تكف عن النظر بداخلك وترى -في الواقع- ما لم تكن تحسبه من قبل وكل ما هو تلقائي. العلاج النفسي يساعدنا على قبول الواقع، والرهبة عنصر واقعي، فهي وسيلة لإزالة طغيان الأنا". وباعتباره كاتبا يقدر سميث كيف أن التجربة غالبا ما تكون حسية، مما يوفر استراحة من القدرات اللفظية المتطورة التي يمكن أن "تسجننا في العالم المنطقي"، أما الرهبة فإنها تتركنا معقودي الألسنة.
 
قبل عقد من الزمن عندما قال بول بيف إنه يريد دراسة علم النفس وراء الشعور بالرهبة حذّره معلمه وقال ساخرا: "حظا سعيدا"، في حين أنه والباحثين الآخرين اشتبهوا أن لها تأثيرا على السلوك البشري وكانوا على بينة من اهتمام الفلاسفة بهذا الموضوع، "إنه شيء من الصعب وضعه في أنبوب اختبار" كما يقول.
 
ولاحظ بيف أن هذا الشعور ينشأ في سياقات مختلفة جدا -من حافة المحيط إلى غرفة الولادة في المستشفى-، لكنه تساءل عما إذا كان -حتى وأننا غالبا ما نشعر به عندما نكون بمفردنا- يمكن أن يقدم وظيفة جماعية مهمة. فعندما يتراجع الطنين المستمر "أنا أنا أنا" فإننا نصبح حساسين للمبادئ العلوية. فهل يمكن أن تجعل الرهبة منا مواطنين أفضل؟
 
لقد أظهرت الأبحاث السابقة أن الرهبة توسع مفهوم الناس للوقت المتاح، الأمر الذي يزيد بدوره من رفاههم، وأن شديدي الرهبة هم أقل احتمالا لأن يطلقوا على أنفسهم وصف "مميز" وأكثر عرضة لتعريف أنفسهم باعتبارهم أعضاء في مجموعة أو فئة أكبر، وأن الأفراد المعدّين لتذكر لحظة مليئة بالذهول في ماضيهم يشعرون بأهمية أقل ويصبحون أقل تركيزا على المخاوف اليومية.

وجد بيف أن الأفراد الذين يميلون إلى الشعور بالرهبة كانوا أقل أنانية، ومن يشاهدون فيديوهات باعثة على الذهول يتسمون بالذات الصغيرة أكثر ممن تم تحريضهم على الشعور بالفخر أو التسلية

مواقع التواصل
 

في مجموعة من تجاربهم الخمس الأخيرة افترض بيف وزملاؤه أنه إذا كانت الرهبة تسبب النزعات المؤيدة للمجتمع فإن آلية القيام بذلك هي الذات الضئيلة، وهي "شعور متقلص نسبيا بالذات مقابل شيء يعتبر أكثر اتساعا من الفرد". وذلك ليس صغرا بمعنى الشعور بالعار أو الإذلال، كما يقول بيف، بل إنها الفكرة المريحة أن "أنا لست مهم أو عظيم، إنما أنا جزء من شيء أكبر بكثير".

 
وجد بيف أن الأفراد الذين يميلون إلى الشعور بالرهبة كانوا أقل أنانية، ومن يشاهدون فيديوهات باعثة على الذهول يتسمون بالذات الصغيرة أكثر ممن تم تحريضهم على الشعور بالفخر أو التسلية وأكثر من أولئك الموجودين في مجموعات السيطرة. وكانوا أيضا أكثر سخاء (سلوك ناجم عن حالة الذات الضئيلة تحديدا) من أولئك الذين شاهدوا فيديو مضحكا، وتصرفوا بشكل أكثر أخلاقية في تجارب المختبر.  
 
وقد ساعد الأفراد المبعوثون بالرهبة القائم على الدراسة على التقاط الأقلام التي "سقطت بطريق الخطأ" مقارنة بالأفراد الأخرى، وبالإضافة إلى ذلك فإنهم قد أظهروا شعورا أقل بالاستحقاق. حتى أولئك الذين شاهدوا أشرطة الفيديو المهيبة "السلبية" عن الأعاصير والبراكين أظهرت السلوك المؤيد للمجتمع. كذلك كان أولئك الذين شاهدوا شريط فيديو يظهر قطرات من الماء الملون "تصطدم مع وعاء من الحليب" في حركة بطيئة جدا.
 
وكان الحدث الأكبر هو التجربة النهائية، حيث تم نقل الأفراد إلى بستان أطول الأشجار في أميركا الشمالية، وطلب منهم النظر إلى أشجار الكينا التي يتجاوز طول بعضها أكثر من 200 قدم لمدة دقيقة واحدة، وضبطت مجموعة التنظيم بصرهم على مبنى عادي طويل القامة لنفس الوقت من الزمن. ومن المؤكد فقد شعر المحدقون بالأشجار بالرهبة أكثر، وكانوا أكثر سعادة بسبب ما شعروا به، كما أنهم تصرفوا بسخاء أكثر في اختبار المختبر، وأفادوا بالشعور باستحقاق أقل من أولئك الذين حدقوا في البناء.
 
 

لماذا نميل إلى إيجاد الرهبة في الطبيعة وفي السياقات التي تجعلنا نشعر بضآلتنا، ولماذا تدفعنا الرهبة إلى التصرف بإحسان أكثر تجاه الآخرين؟ ربما يتمكن علم النفس التطوري من تقديم أدلة، "من المنطقي مناظر الطبيعة الجميلة، أو حتى اللوحات التي تصور الطبيعة، أن تنتج الرهبة" كما يقول غلين جيهر، أستاذ علم النفس في جامعة ولاية نيويورك في نيو بالتز، "لأن الذين كانوا على اتصال جيد بالمناظر الطبيعية والحيوانات ومصادر المياه كانوا أكثر احتمالا للبقاء على قيد الحياة".
  
وارتكز البقاء على قيد الحياة والإنجاز لاحقا على مجموعاتنا المتماسكة غير القائمة على القرابة. "كنا بحاجة إلى آليات لتنسيق هذه الجماعات، وكان الإيمان المشترك بشيء أكبر من الفرد هو أحد الطرق الفعالة، وكان الحافز لاعتماد مثل هذه المعتقدات هو الرهبة. وربطت المساحات المقدسة المهيبة العواطف الواسعة مع الأيقونية الدينية، وبسبب التعاون الذي عززته استمرت الرهبة في مساعدتنا في إنشاء الجامعات والسمفونيات والرحلات إلى القمر".
 
كانت إريكا ستراند، رئيس السياسة الاجتماعية في ليونيسيف بالمكسيك، تغني في الجوقات منذ أن كانت في عمر الثانية عشر، وتذكر أداء -مع جوقة جامعتها- لمقطوعة "القداس" (Requiem) لفيردي ستبقى حية لسنوات تالية وفقا لإريكا: "ترابط كل شيء وانسجم تماما". تبدأ المقطوعة "بيوم الغضب"، ففيردي شخص عاص مرتعب لأنه يوم القيامة، "فاستحضرنا شعور خوف في غاية القوة ووحدتنا الموسيقى جميعنا مع الجمهور -فجميعنا لنا مخاوف ونندم لعدم كوننا الشخص الذي أردنا أن نكون- حيث إن المقطوعة تعبر عن شيء بشري للغاية".
 
وكان مدير ستراند قد أخبر مغنّيه بأنهم بحاجة إلى التكيف باستمرار ليكونوا في تناغم وتوازن مع بعضهم. "إذا كانت الجوقة منخفضة قليلا عليك أن تجعل نفسك منخفضا قليلا، إذا كان الجميع متأخرا فعليك الانضمام إليهم من خلال تقليل وتيرتك، وإذا برز صوتك، حتى لو كان جميلا، فإن ذلك يعني أن كل شيء قد دمر". عندما انتهت المقطوعة لم ينطق أحد ببنت شفة، فالجميع يعرفون أنهم قد برعوا تماما في الأداء، وحققوا الهروب من الدنيوية ووصلوا إلى التعالي. تقول إريكا: "إنها لحظات كتلك هي التي تمنح للحياة معناها".
  

في حين يوافق بيف على أن التجارب العجيبة للشعور بالدهشة يمكن أن تكون قوية فإنه يشكك أن الناس يتم توجيههم إلى هذا المحتوى الذي يحبس الأنفاس لأننا عموما محرومون من هذا الشعور

مواقع التواصل
 

منذ بضع سنوات مضت أجرى كل من جونا بيرغر وكاثرين ميلكمان، أستاذان في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا، دراسة تفصيلية لأكثر المقالات المرسلة عبر البريد الإلكتروني في مجلة نيو نيويورك تايمز. وكانت المقالات العاطفية بشكل عام في كثير من الأحيان يتم مشاركتها، لكن تلك الباعثة للرهبة تصدرت القائمة. في ذلك الوقت أوضح بيرغر (في صحيفة التايمز) أن الدافع لإعادة إرسال مقالة مثيرة للرهبة إلى العائلة والأصدقاء لم يكن للتفاخر أو للإعلام، كما هو الحال مع أنواع أخرى من المقالات، وإنما كان للسعي إلى "التشارك العاطفي"، تماما كما اكتشف بيف أن تجربة الرهبة بأنفسنا يجعلنا نشعر أكثر ارتباطا مع الآخرين، والقراءة لأنفسنا عن الجمال يجبرنا على التواصل.
 
"فإذا كنت قد قرأت للتو هذه القصة التي تغير طريقة فهمي للعالم وذاتي.. فإني أريد الدعوة إلى الشعور بالرهبة وتبادلها، فإذا قرأت المقالة وشعرت بالشيء فسيزيد ذلك من قربنا"، وفي حين يوافق بيف على أن التجارب العجيبة للشعور بالدهشة يمكن أن تكون قوية فإنه يشكك أن الناس يتم توجيههم إلى هذا المحتوى الذي يحبس الأنفاس لأننا عموما محرومون من هذا الشعور. "لدينا وقت أقل ونوافذ أقل تطل على ما يسبب لنا الدهشة"، مشيرا إلى انخفاض تمويل للفنون وتراجع حضور الأحداث الثقافية، وزيادة التمدن، والمادية التي تبقينا نعمل بدلا من التوقف قليلا للتعرض لأشعة الشمس واستنشاق النسيم.
 
ثم هناك موقفنا الاتجاهي لهذا العصر، وهو التهكم. ومن الأمثلة الأخيرة على ذلك: عندما أعلن مارك زوكربيرج وزوجته بريسيلا تشان أنهما سيمنحان الجزء الأكبر من ثروتهما للجمعيات الخيرية لم يضيع المعلقون أي وقت فهاجموا الزوجين وبدأوا في التشكيك في دوافعهم "الحقيقية". وعندما تم طرد مسؤول إعلامي متزوج من منصبه بقسوة نتيجة نشر موقع غوكر لمحاولته إغواء بائع هو، وكان رد الناشر على التراجع عن طريق الطلب من الكتاب أن يكونوا "20% ألطف"، وهو رقم عدّله لاحقا إلى "إلى 15%".
 
"من المهين القول إن هذا أمر عاطفي" كما يؤيد ليهي، "فهناك ما يشبه التمتع بجعل الأمور بذيئة، وكل تهكّمنا يسحب ميلنا إلى الشعور بالرهبة". ويضيف لوف أيضا أن التهكم والسخرية أكثر اتساقا مع الاكتئاب والانهزامية، كما هو الحال في قولنا "كنت هناك، فعلت كل شيء". ومع ذلك فإننا بحاجة إلى الرهبة أكثر من أي وقت مضى. ويشير ليهي إلى بحث عن كيف يكون الشباب -وهم فئة أكثر قلقا في وقتنا من الشباب منذ 40 عاما- أكثر عرضة للاعتقاد بأن عليهم أن يحصلوا على وضع خاص في الحياة، أو حتى يصبحوا من المشاهير، ليكونوا سعداء. يقول: "تؤدي النرجسية إلى توقعات غير واقعية"، فكيف يمكننا أن نبلغ الشعور بالرهبة ونقلل التركيز على الذات؟ 

يساعدنا شغف كاكو في تنمية المعرفة العلمية بين الكبار على تجربة الرهبة، حيث كلما تعمقنا في فهم الأمور كان علينا أن نستوعب باستمرار مفاهيمنا الحالية للواقع (مواقع التواصل)


ويجد كيث كامبل، أستاذ علم النفس في جامعة جورجيا والمؤلف المشارك لـ "وباء النرجسية: نعيش في عصر استحقاق"، فكرة أن الرهبة يمكن أن تقلل من النرجسية "معقولة تماما، لأنها تقلل بعض جوانب الأنا"، ويود إجراء تجارب لاختبار النظرية. وفي الوقت نفسه تتمثل مهمة لوف الأساسية في إنشاء المزيد من الحدائق، والمدارس، والمنازل "الغنية بالطبيعة". ويقول: "اعتبارا من عام 2008 أصبح عدد أكبر من الناس يعيش في المدن ممن يعيشون في الريف للمرة الأولى في تاريخ البشرية، وتظهر دراسات الحدائق الحضرية أن تلك التي بها أعلى تنوع بيولوجي هي الأفضل لصحتنا، فنحن بحاجة إلى جلب الطبيعة في حياتنا، ليس فقط لإبطاء انهيار التنوع البيولوجي، ولكن لجعل أنفسنا أكثر صحة ذهنيا وجسديا وروحيا".

وقال لوف: "بدلا من استخدام مصطلحات غير مستوحاة تماما مثل "كفاءة الطاقة" أو "الاستدامة" أو "البقاء على قيد الحياة" نحتاج إلى رسم صورة إيجابية ومفصلة لما يمكن أن يكون عليه كوكبنا في المستقبل، على النقيض من فكرة العالم "ما بعد نهايته" الرنانة عند المراهقين كما يرون في كتب الديستوبيا والأفلام التي يلتهمونها مثل ذاهانجر جيمز، دايفرجنت.


وسيكون من الرائع لو أضاف المعلمون بعض العجب إلى دروسهم. يقول كاكو إن المراهقين -حتى أولئك الذين وصلوا إلى حقائق مفاهيمية حول الكون كأطفال- غالبا ما يفقدون الاهتمام بالعلوم في المدرسة الثانوية، حيث تشتد الفرضيات وجمع البيانات. ويقول: "إن المنهج العلمي ضروري بالطبع، ولكن في طليعة العلم نادرا ما تستند الإنجازات الكبيرة والتحولات النموذجية عليه، فتلك تأتي مع البرق والرعد ولحظة من الرهبة، وهذا ما يدفع تاريخ العلم".
  
كما يساعدنا شغف كاكو في تنمية المعرفة العلمية بين الكبار على تجربة الرهبة، حيث كلما تعمقنا في فهم الأمور كان علينا أن نستوعب باستمرار مفاهيمنا الحالية للواقع عبر تلك التحولات المعرفية المثيرة التي تشعل شرارة الدهشة، وهذه التحولات وتأثيرها على الحياة، والقلق، وإنهاء القمع النرجسية، وتأثيرها على السخاء، يمكن أن يحدث في أي وقت وفي أي مكان، وذلك ببساطة عن طريق التفكير في عالمنا وكوننا.
 


 
خذ مثلا مسعى كاكو لإكمال حلم آينشتاين لوضع نظرية كل شيء، قبل بضع سنوات -وبضجة عظيمة- وجد مصادم الهادرون الكبير في سويسرا جسيم هيجز، الأول في سلسلة من الجسيمات التي يسعى علماء الفيزياء إلى اكتشافها. ويأمل كاكو أن يجد المصادم بعد ذلك دليلا على المادة المظلمة -شكل غير مرئي من المادة- ثم في نهاية المطاف أدلة على الأكوان المتوازية والأبعاد الأعلى، وكلها تتنبأ بها نظرية الأوتار.

رغم هذه التطورات فما زال معظم الكون أبعد من فهمنا الحالي، وكلنا هنا على الأرض، نحن من نتكون من "عناصر عليا"، نُشكّل نسبة ضئيلة للغاية من الكون. وكما يقول كاكو فإننا الاستثناء، ذرات من الغبار -تلك التي تمثل جزءا من عالم نادر مع حياة ذكية- وعدد لا يحصى من المعجزات.
 

إلى أي قدر يدهشك العالم؟

سل نفسك هذه الأسئلة، وسجّل كل بند من 1 إلى 5، إذا كان مجموعك يصل إلى 30 فيجب أن تكون مسحورا جدا من قبل العالم:
- غالبا ما أشعر بالرهبة.
- أرى الجمال من حولي.
- أشعر بأنني أتساءل كل يوم تقريبا.
- أنا غالبا ما أبحث عن أنماط في الأشياء من حولي.
- لدي العديد من الفرص لرؤية جمال الطبيعة.
- أسعى إلى التجارب التي تتحدى فهمي للعالم.

______________________________________
مترجم عن: (سيكولوجي توداي)
تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار