انضم إلينا
اغلاق
"معدن السماء".. ما السر خلف احترام الحضارات البشرية للذهب؟

"معدن السماء".. ما السر خلف احترام الحضارات البشرية للذهب؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"نحن طريقة الكون في التعرف على ذاته"
 (كارل سايجن)

كان ذلك في عيد ميلادها الأخير، حينما قدم لها عمّها خاتما ذهبيا صغيرا يتناسب مع دقة تلك الأصابع ذات السنوات الأربعة. أول ما اهتمّت به "رهف الوجود"، ابنتي، هو أن تُرينا ذلك الخاتم الذهبي اللامع بينما أشرق وجهها بغمّازته اليمنى الوحيدة كمجرة بهيّة، ثم ذهبت لتلعب مع رفاقها من أطفال العائلة. في تلك اللحظة، بينما كنّا في الشرفة القريبة رفعت رأسي لأتأمل تلك النجمة الحمراء المُطرّزة في الأفق الغربي، إنها الدبران، ذلك العملاق الأحمر المهيب، ربما في ذلك المشهد من الفيلم سوف توقف المُشغّل قليلا لتسأل عن علاقة خاتم ذهبي يزن عدة جرامات ترتديه طفلة صغيرة بك، وبمقال يتحدث عن عملاق عظيم يقع على 65 سنة ضوئية، لذلك دعنا نحكي قصة قصيرة!

تولد النجوم في قلب السدم، تلك السحب الجزيئية الضخمة المملوءة بالغاز والغبار النجمي. إذا كانت السحابة كثيفة بما فيه الكفاية سوف تندفع مكوناتها بفعل الجاذبية الخاصة بها، أو ربما بسبب جاذبية وانفجار نجم قريب، لتلتف حول بعضها البعض، ثم ببطء شديد للغاية يزداد حجم وكثافة ذلك التجمع وبالتالي تزداد درجة حرارته، في تلك المرحلة يتكوّن "النجم الأوّلي" (Protostar)، نسميه كذلك لأنه لم يكتسب بعد القدرة على إنشاء تفاعل نووي فيصبح نجما حقيقيا.

بدايات حارّة للخواتم

كلما ازداد حجم السحابة الكثيفة تزداد سرعة دورانها حول بعضها البعض، يشبه الأمر أن تضم راقصة الباليه التي تدور على الجليد يديها إلى جسمها بعد أن كانت تمدها على اتساعها في الجانبين فتزداد سرعة دورانها، يحفظ ذلك الزخم الزاوي الخاص بالجسم، في تلك الأثناء تتكون حول ذلك المركز الدوّار سحابة مسطحة دائرية من الغاز والغبار لتصنع ما نسميه "القرص النجمي الدوار" (Circumstellar Disc). تتبدد تلك السحابة بالتدريج بسبب الإشعاع النجمي، إذا كانت السحابة كثيفة بما فيه الكفاية فقد تساعد على تكوّن كواكب لتبدأ مجموعة شمسية كخاصتنا حياتها، يحتاج الأمر على ما يقترب من 10 ملايين سنة حتى تبدأ السحابة في تكوين كواكب إن كان ذلك ممكنا، إننا الآن ننظر إلى ماضي شمسنا الدافئة في لحظة ما قبل 4.5 مليار سنة.

نجوم أوّلية وليدة، يظهر القرص الدوّار من الغبار حولها، بعد فترة يبدده الإشعاع النجمي.
(مواقع التواصل)


الهيدروجين هو وقود النجوم، تحتاجه لتنمو كطفل يحتاج الغذاء ليصبح شابا يافعا، يحدث أنه بسبب ذلك التدافع للغاز والغبار في قلب تلك الكتلة المركزية سترتفع درجة حرارة النجم حتى تتخطى عدة ملايين من الدرجات المئوية، هنا تتحول المادة إلى حالتها البلازمية، وهي الحالة التي تنسلخ فيها من الذرة من إلكتروناتها في المدارات لتبقى الأنوية فقط، حينما يصل الأمر بدرجة الحرارة حتى تصل إلى 10 ملايين درجة مئوية يكون الوضع ملائما لحدوث اندماج نووي، يعني ذلك أن "تندمج" أنوية الهيدروجين -تحتوي على بروتون واحد- لتصنع عنصرا أعلى منه في العدد الذري، إنه الهيليوم، يبدأ الأمر بتحول بعض البروتونات من أنوية الهيدروجين إلى نيوترونات، هنا يتحد بروتونان مع نيوترونين من ذلك التجمع المضغوط بقوة وبفضل تلك الحرارة الشديدة للغاية ليتكون عنصر الهيليوم، مطلقا خلال ذلك التفاعل كمًّا مهولا من فوتونات الضوء وإشعاع جاما، لقد بدأ النجم حياته بالفعل.


في تلك النقطة ربما قد نسأل: إذا كانت مكونات النجم تندفع إلى الداخل بسبب الجاذبية في مركزه، لمَ لا تستمر في التدافع إلى الداخل حتى تنهار على ذاتها؟ هنا نحتاج أن نوضح أن تلك الطاقة الناتجة من عملية الاندماج النووي تندفع إلى الخارج ضد قوة الجاذبية، فيقف أي نجم متزنا بسبب تساوي القوتين، قوة جاذبيته التي تدفعه للانهيار على ذاته، وقوة الدفع إلى الخارج عبر التفاعلات النووية الاندماجية في مركز النجم.

خاتم زفاف يافع

الآن يمكن القول إن النجم دخل في التسلسل الرئيس، أصبح شابا يافعا يضج بالطاقة، نجوم التسلسل الرئيس هي تلك النجوم التي ما زالت تقوم بحرق الهيدروجين في نواتها وتحويله إلى هيليوم، يستمر النجم في تلك المرحلة ربما حتى عدة مليارات من الأعوام، أو قد تنتهي في عدة ملايين منها، ينتهي الأمر بانتهاء مخزون الهيدروجين الخاص بنواته متحولا بالكامل إلى هيليوم، هنا تنكمش نواة النجم، فكل أربع ذرات من الهيدروجين قد استهلكت لصنع ذرة هيليوم واحدة.

بسبب ذلك الانكماش في النواة سوف ترتفع حرارة المركز ويرتفع الضغط بداخلها، يتسبب ذلك في أن تجذب النواة الكثيفة الأغلفة القريبة لها فيحدث تفاعل الاندماج بشكل أسرع خارج النواة، وبسبب الطاقة المنطلقة من التفاعلات الاندماجية في الأغلفة خارج النواة يتضخم حجم النجم ليصبح -لو كان بحجم الشمس- أكبر مئة مرة، وتنخفض درجة حرارة سطحه، هنا يتحول إلى ما نسميه "عملاقا أحمر" (Red Supergiant).

الشمس هي نجم متوسط الحجم، تلك النوعية من النجوم تبدأ في آخر أعمارها بنفض أغلفتها الخارجية عنها لتتحول إلى سديم كوكبي يقبع بداخله بقايا النجم الميّت كقزم أبيض، لكن مع نجم بكتلة أكبر 8 مرات من الشمس يختلف الأمر، حيث سوف يتحول إلى عملاق أحمر فائق (Red Supergiant)، مثل الدبران الذي تحدثنا عنه منذ قليل، ثم بعد أن تبدأ نواة النجم في دمج الهيليوم لتحويله إلى عناصر أعلى، بينما تصل درجة حرارة النواة إلى 100 مليون درجة مئوية، مرورا بالكربون، النيون، ثم الأكسجين، السيليكون، سوف نصل إلى الحديد.
 

سديم السرطان هو بقايا مستعر أعظم حدث سنة 1054 وأنار السماء ليلا في كوكب الأرض كأنما هو قمر رغم أنه يبتعد عنا 7000 سنة ضوئية، سجله الصينيون القدماء في كتبهم. (مواقع التواصل)

عند تلك النقطة لا يمتلك النجم ما يكفي من الطاقة لدمج الحديد والاستمرار حتى الذهب، هنا تكسب قوة الجاذبية المعركة وينكسر الاتزان الذي تحدثنا عنه منذ قليل، فينهار النجم على ذاته في جزء من الثانية مُحدثا انفجارا غاية في القوة لدرجة أننا نراه يحدث في مجرات تقع على بعد عشرات الملايين من السنين الضوئية، نسميه مستعرا أعظم (Super Nova) مخلفا في المركز ما يسمى "نجما نيترونيا"، وهو تكدس لما يساوي في كتلته مرة ونصف كتلة الشمس في كرة قُطرها حوالي 20 كيلومترا، ما يعني أن حجم ملعقة مائدة منه تزن 500 مليون طن، أما إذا كان النجم عملاقا بما فيه الكفاية فسوف تنهار نواة النجم تماما على ذاتها مخلفة ما نسميه ثقبا أسود.
 

خاتم زفاف عجوز

تتسبب قوة الانفجار وحرارته في تحول بعض البروتونات إلى نيوترونات متعادلة الشحنة، تتمكّن ذرات الحديد من الاتحاد معها لتكوين عناصر أعلى، كالفضة، والذهب. نعم، لم يتكوّن الذهب بشكل محلي، لم يُصنع على الأرض، لكنه نشأ في مستعر أعظم ما، حدث ربما قبل 4 أو 5 مليارات سنة، ثم أطلقته موجات ذلك الانفجار مجنون القوة إلى الفضاء الرحب حتى سكن في مكونات مجموعة شمسية بدأت لتوها في التكوّن، في القرص النجمي الدوار لتلك المجموعة اندمج الذهب مع بقية العناصر المكونة لأحد الكواكب التي تقع ضمن المنطقة الصالحة للحياة، لنسمّيه كوكب الأرض.


ظهرت الحياة على هذا الكوكب قبل 4.2 مليار سنة بحسب آخر الدراسات للحفريات الخيطية في أحد أنواع الصخور، تطورت شيئا فشيئا ببطء شديد، ظهر البشر قبل مئتي ألف سنة، تطورت عقولهم وطرائق حياتهم، لقد عرف البشر النار واستخدموها قبل خمسمئة ألف سنة، لكننا عرفنا كيف نصنعها قبل ألفي سنة فقط، لقد أخذ كل شيء من الوقت ما يستحق، قبل سبعة آلاف سنة تقريبا نشأت الحضارة، وظهر استخدام الذهب في الحلي الأولى لسيدات مصر القديمة، تطورت أدواتنا ومحاولاتنا للحصول على المزيد من الذهب عبر الحفر في باطن الأرض والتنقيب هنا وهناك عن ثروة مخفية صفراء اللون، لم يكن أحد حتى وقت قريب يعرف أن تلك القطعة ذهبية اللون عمرها أقدم من عمر الكوكب نفسه.
 



تصور الآزتك قديما أن الذهب هو عَرق الإله، إله الشمس، على مدى تاريخنا كبشر كان للذهب مكانة عظيمة في قلوب الجميع، فهو دائما يتخذ مكانا مناسبا بين البُعد بالكامل بحيث يصبح من ممتلكات أغنى أهل الكوكب فقط والقرب الزائد بحيث نتداوله كما نتداول النحاس مثلا، لذلك حلمنا به، كتبناه في رواياتنا وأساطيرنا وأفلام إنديانا جونز ولارا كرافت، أدخلناه في اقتصادنا وتسبب توتر أسعاره في العديد من النوبات القلبية الحادة والعديد من الرقصات السعيدة، واعتمدناه كقاعدة للنقود، ثم امتلكنا منه عدة جرامات كلما أمكن.


كل الذهب الذي قمنا باستخراجه من باطن الأرض إلى الآن يمكن وضعه في ثلاثة حمامات سباحة أوليمبية، لقد حاول الكيميائيون قديما أن يحوّلوا التراب إلى ذهب، لم يعلم أحدهم أن ذلك ممكن نظريا، بالفعل عبر معجلات الجسيمات يمكن لنا محاكاة نفس النمط الذي تكوّنت خلاله ذرات الذهب، لكن ذلك سوف يحتاج من النقود كمًّا لا يوجد على الأرض، ومن الوقت ما يقارب عمر الكون نفسه، لذلك سوف نفضل دائما أن نصنع حليّنا من ذهب النجوم.


في 2013 ظهرت دراسة -تم تأكيدها بتاريخ السادس عشر من (أكتوبر/تشرين) للعام الجاري 2017- تقترح أن تكوّن الذهب قد لا يكون بسبب مستعر أعظم ولكن بسبب تصادم نجمين نيترونيين، في كل الأحوال، ما نعرفه الآن هو أن خاتم رهف الوجود ابنتي، تلك القطعة الدائرية الرقيقة، ليست أرضية المصدر، بل هي تلخّص في ذلك الملفوف برقة حول أصابعها النورانية تاريخ الكون كاملا، بالضبط كما تلخص في ابتساماتها البسيطة تاريخ المحبة.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار