انضم إلينا
اغلاق
لماذا ننسى لحظات طفولتنا؟

لماذا ننسى لحظات طفولتنا؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
أعمل صيدلانيا، إعطاء الحقن للمرضى ليس جزءا من مواصفات مهنتي التي تدربت لها لمدة ست سنوات؛ لكن في قرية صغيرة لا يوجد بها أي ممرض؛ أضطر للعمل كممرض أيضا، بعد فترة ليست بقصيرة أُصبحت بُعبع الأطفال في البلدة. بل إن بعض الأمهات عندنا حينما تود تهديد طفلها ربما قد تقول جملة من نوعية: "كُل طعام الغذاء كاملا؛ أو نذهب للصيدلاني"، حسنا؛ أنا السيد "(Boogeyman)" بالنسبة للأطفال هنا، تساءلت دوما: هل سوف يكبر هؤلاء الرضع لينتقموا من السيد "ملك الحُقن" في يوم ما؟! هل -حينما يكبرون- سوف يحملون بعضا من الكره ناحيتي لا يعرفون مصدره كلما التقينا؟!

 

في الحقيقة، ذلك ليس صحيحا، فنحن البشر نعاني مما أطلق عليه "سيغموند فرويد" قبل أكثر من مئة سنة "فقدان الذاكرة الطفولي (1Childhood Amnesia" وهو عدم القدرة على استرجاع أي من ذكرياتنا العرضية قبل الفترة من 2-4 سنوات، بينما نحتفظ فقط بعدد ضئيل للغاية من الذكريات عن الفترة من 4- 10 سنوات. للوهلة الأولى نظن أن ذلك له علاقة بأننا كبرنا وانشغلنا؛ لكن الأطفال أيضا لا يتذكرون ما حدث قبل الثالثة؛ بل إنه حين نسأل أطفالا في الخامسة أو السادسة من أعمارهم عن أحداث العام الثالث نفسه تهتز إجاباتهم، وتصبح أكثر غموضا..

 

افترض "فرويد" في نظريته الجنسية2 أن سبب ذلك هو كبت الطفل لذكرياته الجنسية عن تلك المرحلة، بالضبط كما يحدث لبعض البالغين حينما يفقد الذاكرة بسبب تعرضه لصدمة نفسية قوية كفقدان حبيب أو التعرض لموقف شديد الإهانة. على نفس الخط يرى "فرويد" أن مرحلة العلاقة الأولى بين الطفل وأمه والاستغلال الجنسي له؛ تُمثل -فيما بعد- صدمة نفسية بشكل أو بآخر حينما يتعلم الطفل مصطلحات كالقرف، الحياء، الأخلاق.. ويعتبر أن النظر لأمه -كموضوع جنسي- هو فعل مشين، عندها ينتقل الطفل -بتعبير "فرويد"- من الغريزة للثقافة؛ رغم حبكة تلك الحكاية "الشكيسبيرية" إلا أنها غير علمية و تم رفضها.

مخطط يوضح تقسيمات الذاكرة و موضع الذاكرة الدلالية و العرضية بها


قبل الخوض في تأمل تعقيدات الأجزاء الأخرى من إجاباتنا المحتملة عن السؤال (عنوان المقال) دعونا نتعلم قليلا عن الفرق بين نوعين
3 من الذاكرة الصريحة: (Explicit Memory) الذاكرة العرضية: (Episodic) والذاكرة الدلالية: (Semantic). تتعلق الأولى بأمور السيرة الذاتية؛ الأشياء الحقيقية التي حدثت في حياة الإنسان، يوم التخرج مثلا، يوم الزواج، اللحظات المحرجة، زياراتك للجدة في البلدة، وكل ما يتعلق بتلك الأمور من تحديدات الوقت والمكان والأسئلة الأساسية عن: من؟ ماذا؟ لماذا؟ كيف؟ أما الثانية فتتعلق بالأمور التي احترفناها نتيجة التعلم؛ كاللغة، العمليات العددية، الحقائق عن العالم، والمهارات الدراسية. يمكن القول هنا إن الذاكرة العرضية تتعلق بـ"تذكر الأشياء" أما الذاكرة الدلالية فتتعلق بـ"معرفتها".

 

تعتمد إحدى النظريات على نمو أجزاء مخ الإنسان، وعلاقة ذلك باختلاف نمط نمو نوعي الذاكرة، الدلالي والعرضي؛ فالطفل البشري لا يولد بمخ مكتمل النمو، وعلى الرغم من أن مناطق الذاكرة طويلة الأمد كـ"قرن آمون" (Hippocampus) و"الفص الصدغي الوسطي" (Medial Temporal Lope) تنمو سريعا بعد الولادة، إلا أن قطعة أخرى من المخ يُعتقد أن لها علاقة بالذاكرة العرضية، وهي القشرة أمام جبهية (Prefrontal Cortex) لا يكتمل نموها إلا حينما يتخطى الإنسان عمر العشرين، خلال تلك الفترة الطويلة يبرع المخ بشكل أكبر في التعلم عبر الذاكرة الدلالية، يرى العلماء أن دماغ الطفل يهتم -إذن- في المراحل الأولى بتكوين المعاني لا الذكريات المحددة؛ حتى حينما يلعب الطفل مع قطه أو يلهو بقطعة خشب مكعبة الشكل، فإنه -ربما- لا يكوِّن ذكريات عرضية عن موضع ووقت وشكل الجسم موضع التعامل؛ لكنه يتعلم عن "القطة" و"المكعب" كوحدات في هذا العالم، كمعارف أو دلالات.

  موضع قرن آمون Hippocampus و الفص الصدغي Temporal lobe و الجسم اللوزي Amygdala و القشرة أمام جبهية Prefrontal Cortex بالدماغ
 
لا نزال مع النمو؛ حيث يحتاج البشر لبعض الوقت؛ كي يكتمل وعيهم بذواتهم، لتحقيق تلك الفكرة التي تقول إنني "أنا" المنفصل عن العالم والذي أمتلك لا يعدو أفكارا ومشاعر ووجودا خاصا بي فقط. لذلك سوف يكون من الطبيعي أن نربط ذلك بتكون ذكرياتنا؛ خاصة النوع "العرضي" منها والمتعلق بالسيرة الذاتية الخاصة بنا (Autobiographical)، فالطفل في مراحل مبكرة لن يتمكن -بسهولة- من الاحتفاظ بذكريات عن ذاته؛ إذا كان لا يعرف -بعد- ما هي ذاته، لا يعرف أن هناك حدودا بينه وبين العالم الخارجي؛ بما يحتويه من أشياء و بشر آخرين. لذلك سوف يبرع الطفل بسهولة في تكوين الذكريات الدلالية؛ بينما سوف يحتاج بعض الوقت لتكوين ذكريات عرضية ترتبط بنمو مفهوم "الذات الخاصة به" عنده.

 

لننتقل الآن للجسم اللوزي (Amygdala)، وهو الجزء من المخ المسئول عن إدراك وتقييم العواطف والاستجابات المقابلة لها في حالات الخوف والقلق والمتعة مثلا. بجانب "قرن آمون" يهتم "الجسم اللوزي" بشكل مستقل، بالجزء من الذكريات المشحون بالعواطف، كلما كانت الذكريات مشحونة بالعواطف أكثر؛ كان من السهل استعادتها بوتيرة أعلى؛ حيث يضعها العقل محل أولوية، يعتقد العلماء4 أن لذلك علاقة بتطورنا من أسلاف عاشت في بيئة الغابة المسكونة بالقلق والتوتر من المفترسات.

 

هنا.. حينما نحاول دراسة ذكريات الأطفال نجد أن ذكريات السنين الأولى أقل في العاطفية من التي تليها، قد يكون -إذن- لتلك النتيجة علاقة واضحة مع نسيان الذاكرة الطفولي، فالطفل في سنينه الأولى لا يعرف كثيرا ما تعنيه الحوادث القوية؛ كموت قريب أو إصابته أو حادث طائرة مؤسف. يؤدي ذلك بنا لنظرية أخرى لها علاقة بالإجابة عن سؤالنا، تتعلق تلك النظرية باللغة.. اللغة هي شيء نتعلمه ببطء شديد، يقول الطبيب الأمريكي الشهير "لويس توماس" مجيبًا تساؤله الشخصي عن فائدة تلك الفترة الطويلة من الطفولة في عمر الإنسان: "كنت غافلًا عن عامل اللغة، تلك الصفة التي نتفرد بها كجنس بشري، تلك الخاصية التي تمكننا من البقاء كأكثر الكائنات نزوعًا للحياة الاجتماعية على سطح الأرض... الطفولة وجدت من أجل أن نتعلم اللغة".  

 

نحن نربط أمور حياتنا اليومية بلغتنا، نحن نفتح الباب "الأزرق" وندخل لنجلس على "طاولة" حولها "أربعة" كراسي، ونتحدث مع أفراد العائلة على العشاء الذي يتكون من "فاصوليا" و"أرز" و"دجاج"، تساهم اللغة هنا في توصيف ذكرياتنا بشكل أوضح، وهو ما يساعد على تصنيفها مكانيا وزمانيا، كأن تقوم بأرشفة فواتير البيع في مصنعك لتضع فواتير شركة كذا هنا وفواتير هذا المخزن هناك؛ الوارد على اليسار، والصادر إلى اليمين.

 

في مرحلة الطفولة المبكرة لا يستطيع الطفل تكوين ما يكفي من الحصيلة اللغوية5 لوصف العالم بشكل دقيق؛ مما يُضعف -فيما بعد- قدراته على استرجاع ذكرياته عن تلك الفترة، يضاف لذلك أنه مع نمو قدراتنا اللغوية نتمكن من الحديث مع الآخرين حول الأمور التي نراها أو نختبرها؛ مما يضاعف قدرتنا على تذكرها. حينما نقوم بالأبحاث، نستنتج أن هناك اتفاقا واضحا بين الخط الذي يمثل ارتفاع قدرة الطفل على التذكر مع الخط المسئول عن تطور قدراته اللغوية؛ بل تقدم بعض الدراسات دلائل على ارتباط قدرة الأطفال على تذكر الأمور المبكرة بالثقافة أيضا؛ بجانب اللغة كإحدى الأدوات المؤثرة في ترميز ذكرياتنا.

أحد طرق اختبار ذاكرة الفئران هي تعريفهم أكثر من مرة بموضع للصعق الكهربي، ليكن A مثلا، ثم بعد التجربة اطلاقهم من جديد و اختبارهم
هل يتجنبوا الموقع A (يتذكرون) أو يذهبون باتجاهه (لا يتذكرون) ؟


آخر الإنجازات في محاولات العلماء لفهم طبيعة تلك المشكلة كان ذا علاقة بتجارب على الفئران
6، حينما حاول الباحثون التحكم في سرعة نمو خلايا عصبية جديدة في منطقة "قرن آمون" كانت النتائج غريبة، فحينما نرفع معدلات إنشاء خلايا عصبية جديدة في أدمغة الفئران؛ فإن الفئران تستعيد ذكرياتها بقدر أقل في العدد ودرجة الوضوح، والعكس صحيح: حينما نقلل من معدلات إنتاج الخلايا الجديدة في المخ فإنها تستعيد ذكرياتها بقدر أكبر في العدد والوضوح، كان المفترض أن ترتفع قدرة الفئران على التذكر مع ارتفاع معدلات نمو خلايا عصبية جديدة، أليس كذلك؟!

 

يعتقد العلماء أن نمو الخلايا العصبية الدماغية بصورة سريعة في بداية عمر الطفل يعطل دوائر الدماغ التي تخزن الذاكرة مسببة فقدان الذاكرة الطفولي، هناك أيضا نقطة هامة يمكن أن نضيفها هنا، وهي أن الأطفال -في تلك المرحلة العمرية- يتعلمون بسرعة شديدة؛ أكبر من أي وقت في المستقبل، هنا دعونا نفكر في أدمغتنا كقرص صلب مساحته 360 جيجا، حينما يمتلئ القرص تماما، وتود إضافة فيلم أو ملف وورد؛ فأنت تحتاج لحذف بعض الملفات القديمة من القرص، كذلك قد يحذف دماغ الأطفال بعض الذكريات القديمة؛ لكي يضع ذكريات جديدة مكانها.

 

 أبحاث مشابهة في عالم الحيوان تربط بين النشاط المرتفع للناقل العصبي الشهير حمض الـ"جاما أمينو بيوتريك" (GABA) في تلك المرحلة وضعف قدرتنا على استعادة الذكريات عنها، فنحن نعلم بالفعل أن المهدئات من فئة البنزوديازيبينات (Benzodiazepines) والتي تعمل عبر رفع إنتاج هذا الحمض في الدماغ تتسبب -كعرض جانبي- في فقد الذاكرة التقدمي /اللاحق للإصابة (Anterograde amnesia) أي فقد  المريض للقدرة على تكوين ذكريات جديدة بعد أخذه للدواء، بالمثل؛ يمكن أن يكون السبب هو عدم قدرة الطفل في مرحلة مبكرة من عمره (يرتفع نشاط هذا الناقل العصبي فيها) على تكوين ذكريات.

 

حسنا، في كل الأحوال، أستطيع أن أَطمئن على مستقبلي مع هؤلاء الأطفال الذين أتسبب لهم في ألم يومي ورعب موسمي، في المستقبل سوف لن أظل (Boogeyman) الذي يسرق الفرحة من يومياتهم؛ لكنني سوف أتخفى كأي شخصية "هوليوودية" مرعبة في ثوب صيدلاني بسيط؛ ينتظر المزيد من الضحايا.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار