انضم إلينا
اغلاق
هل يمكن التواصل مع حالات "الغياب الكامل" للوعي؟

هل يمكن التواصل مع حالات "الغياب الكامل" للوعي؟

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
كان جون سميث - أب في الرابعة والثلاثين من عمره - يقود سيارته في طريقه لممارسة رياضة البولينج عندما وقعت الحادثة. تعرضت جمجمته لصدمة حادة ونقل إلى وحدة العناية المركزة، حيث دخل جون في غيبوبة وصارت حياته في خطر كبير.

كان من حسن الحظ أن نجحت ممرضات العناية المركزة والأطباء في إنقاذ حياته. لكن حينما فتح جون عينيه وأفاق من الغيبوبة لم يبد أي ردود فعل سلوكية للمؤثرات، إلا قلة من ردود الفعل غير الواعية. فلم يستطع الإجابة على الأسئلة، أو تحديد موقع محفز مؤلم على جسده، كما عجز عن اتباع الأوامر، أو متابعة الأجسام بعينه. ولهذه الأسباب تم تشخيص حالته على أنها حالة إنباتيه (vegetative state).

 

والرأي الشائع عن هؤلاء المرضى هو أن "كل شيء مظلم في الداخل". وطبقا لذلك تكون شعلة الوعي مطفأة. فما تبقى هو جسد فارغ، أجوف، مجرد قشرة، بلا عقل أو وعي في الداخل. وهذه نظرة تغرينا بعدم إنفاق مزيد من الموارد، مثل الوقت والمال، على إعادة تأهيل هؤلاء المرضى، فلا نحقنهم بالمسكنات، بل ونعاملهم كأنهم في درجة أدنى من سائر البشر. لكن هذا ليس صحيحا.


إن مفاهيمنا الحالية عن اضطرابات الوعي تعتمد إلى حد كبير على الأدلة السلوكية. فبغض النظر عن الغيبوبة، وهي حالة من فقدان الوعي غير قابلة للإفاقة وتكاد ألا تكون مزمنة على الإطلاق، هناك حالتين رئيسيتين من اضطرابات الوعي، وهما الحالة الإنباتية وحالة الحد الأدنى من الوعي. والمريض في الحالة الإنباتية يتنفس بنفسه، ويفتح عينيه، وله دورات نوم-يقظة منتظمة.

 

وهكذا هو جون، إلا أن تفاعلاته العلنية مع البيئة محدودة جدا، ويبدو أنه غير واع بها. أما مريض حالة الحد الأدنى من الوعي فلديه مستوى وعي متقلب، بحيث يمكنه الإمساك بالأشياء، واتباع الأوامر، أو إنتاج ألفاظ أو إيماءات واضحة، لكن ذلك يكون بين الحين والآخر وبشكل غير متسق. ولا يكون التواصل المثمر مع المريض أمرا ممكنا.

 

لو أننا أخذنا الأدلة السلوكية وحدها في الحسبان، تكون عندها نظرية "كل شيء مظلم في الداخل" صحيحة. لكن هنا يأتي دور التصوير العصبي. فبعد أشهر من الحادثة، شارك أفراد أسرة جون في دراسة بحثية. فوافقوا على خضوع جون لسلسلة من الاختبارات عبر جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي. وبينما كان جون مستلقيا في الجهاز، طلب منه الباحثون -عبر زوجين من سماعات الرأس- تخيل نفسه أثناء ممارسته رياضة كرة المضرب، وبعدها طلب منه التوقف عن ذلك. وبعد وقفة لثوان، طلب من جون تخيل نفسه يتنقل في بيته، وثانية طلب منه بعد فترة قصيرة التوقف عن ذلك.

أجرت وحدة علوم الدماغ والمعرفة بكامبريدج دراسات كشفت أن أقلية (١٠%-١٥%) ممن تشخص حالتهم على أنها حالة إنباتية أو الحد الأدنى من الوعي يمكنهم بالفعل اتباع الأوامر.

    pixabay.com 


اكتشف الباحثون أن مخ جون يعمل بالضبط كأمخاخ سائر المشاركين الأصحاء الذين طلب منهم في دراسات سابقة تخيل أنفسهم وهم يلعبون كرة المضرب أو يجوبون بيوتهم. إن نمط تفعيل ديناميكا الدم (جريان الدم في المخ) الذي رصده الجهاز في حالة جون يكاد يكون مماثلا لما يرصد في حالة المشاركين الأصحاء. وتكررت هذه النتائج مرات ومرات بعدها: نفس المناطق، لنفس الفترة الزمنية التي يحددها الباحثون. ذلك يعني أن جون يملك درجة ما من الوعي وأنه يملك قدرات معرفية باقية نسبيا، فهو قادر على متابعة الأوامر اللفظية وتخيل نشاطات معقدة، رغم عدم رصد أي سلوك علني.

 

وعلى نطاق أوسع، أجرت وحدة علوم الدماغ والمعرفة بكامبريدج دراسات قادها أدريان أوين في ٢٠٠٦ ومارتن مونتي في ٢٠١٠، كشفت أن أقلية (١٠%-١٥%) ممن تشخص حالتهم على أنها حالة إنباتية أو الحد الأدنى من الوعي يمكنهم بالفعل اتباع الأوامر.

 

وأعيد إجراء هذه الدراسات أكثر من مرة. ومن هنا، نقدر أن ١٠% من الأشخاص في هاتين الحالتين من عدم الوعي ليسوا مجرد قشرة خمدت حياتهم الداخلية. بل على العكس، إنهم يمتلكون حياة ذهنية معقدة رغم المضاعفات الناتجة عن إصابة الدماغ البالغة.


كان باستطاعة عدد محدود من المرضى استخدام اختبار التصور العقلي للتواصل مع الباحثين. فتم الربط بين مهمة تصور عقلي بالإجابة "نعم" (مثل تخيل ممارسة كرة المضرب) بينما ربط الآخر بالإجابة "لا" (مثل تخيل التنقل داخل المنزل)، تم إبلاغ المرضى بهذا الربط في أثناء تواجدهم في الجهاز ثم طرحت عليهم أسئلة تتعلق بسيرهم الذاتية، مثل "هل اسم أبيك أليكسندر؟" وكانت الإجابة الصحيحة معلومة للباحثين. وأجاب المرضى الذين أظهروا استجابة في ديناميكا الدم بإجابات صحيحة في الغالبية العظمى من الحالات، رغم أن بعض المرضى لم يظهروا أي علامة استجابة في ديناميكا الدم على الإطلاق.

 

هكذا تكون الصورة النهائية أن أقلية معتبرة من المرضى الذين شخصت حالتهم على أنها حالة إنباتية أو حد أدنى من الوعي يملكون بالفعل قدرات معرفية محفوظة: بإمكانهم سماع أصواتنا، وفهم ما نعنيه، وتوجيه نشاط الدماغ حسب ذلك. إضافة إلى ذلك، يستطيع عدد قليل من هؤلاء استخدام التصور العقلي للإجابة على أسئلتنا عند طرحها. وهذه الصورة تكذب الفكرة الشائعة المذكورة بالأعلى.

 

لم يعد بالإمكان افتراض خلو مرضى اضطرابات الوعي من الحياة الذهنية. فليس كل شيء مظلم داخل بعضهم. ونتيجة لذلك، يكون صرف المسكنات أقل واجب إذا توفرت أمامنا أسباب كافية لافتراض معاناتهم من ألم ما، لكن الواجب الأهم هو التحدث إليهم طالما يستطيع بعضهم فهم ما نقوله. ومع توفر التأهيل العصبي يصبح تحسن حالتهم أمرا ممكنا.

ساعدتنا دراسات التصور العصبي على رسم صورة أكثر دقة: تحتفظ أقلية من المرضى بوظائف معرفية هامة ووعي بالبيئة المحيطة حتى في غياب أي إشارات سلوكية.


pixabay.com

إن الوضع الراهن الذي يعيشه مرضى اضطرابات الوعي ينتهك حقوقهم الإنسانية. وربما تعد هذه الحالة قضية حقوق مدنية، إن واجبنا الأخلاقي يحتم علينا تقديم المزيد إلى هؤلاء المرضى، خاصة فيما يتعلق بالتأهيل العصبي والاحترام العام الذي يستحقونه.

وبدلا من نظرة "كل شيء مظلم في الداخل" التقليدية، ساعدتنا دراسات التصور العصبي على رسم صورة أكثر دقة: تحتفظ أقلية من المرضى بوظائف معرفية هامة ووعي بالبيئة المحيطة حتى في غياب أي إشارات سلوكية.

 

وهذه الصورة الجديدة تلزمنا بتعميق البحث العلمي العصبي، وذلك لتقديم نماذج تصور عصبي قابلة للتطبيق في الممارسة السريرية، وتوفير مزيد من التأهيل العصبي متى أثبت التشخيص السليم كونها حالة واعدة. فأحيانا تكون الأمور لم تزل مضيئة في الداخل. إن مساعدة هؤلاء المرضى العالقين في سجن أجسادهم لهو أمر واجب علينا.

المادة مترجمة: الرابط الأصلي 

تقارير متصدرة


آخر الأخبار