انضم إلينا
اغلاق
عندما يلعب العلم!

عندما يلعب العلم!

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
في عام 2011 تمكّن روّاد لعبة إلكترونية تدعى Fold it من فك شفرة1 التركيب البلوري لإنزيم "البروتياز" Protease الموجود في فيروس يدعى "قرد ميسون -شركة فايزر" Mason-Pfizer monkey virus (M-PMV) وهو أحد مسببات مرض "الإيدز" في القردة، وهي مشكلة لم نتمكن من حلها على مدى خمسة عشر عاما، إلا أن لاعبي Fold it استطاعوا تصميم نموذج ثلاثي البعد لذلك الإنزيم في عشرة أيام فقط، كان ذلك جديدا وغريبا؛ لكن.. كيف يمكن لنا نشر ورقة علمية في مجلة ما وكتابة اسم كل هؤلاء في الصفحة الأولى؟ إنه اكتشاف علمي قام به ما يقرب 60 ألف شخص!


هؤلاء يطوون البروتين


أكثر من 200 ألف لاعب سجل في النسخة التجريبية للعبة Fold it والتي أُطلقت عام 2008 (مواقع التواصل الإجتماعي)


في 2005 ظهرت "روزيتا" Rosetta كخوارزمية شهيرة للتنبؤ ببنية البروتين، والتي أصبحت متاحة للتحميل المجّاني من قبل الجمهور بعد فترة؛ لكن بعض مستخدمي البرنامج الراغبين في المشاركة في عملية فهم بنية البروتينات انزعجوا من عدم قدرتهم على التفاعل مع البرنامج، ومحاولة إضافة تصوراتهم، كانت تلك المشكلة هي ما دفع "ديفيد بيكر" الباحث بمجال الحوسبة البيولوجية في جامعة واشنطن ومؤسس Fold it للجوء لكل من "ديفيد ساليزين" و"زوران بوبوفيك" أساتذة علوم الحاسوب في نفس الجامعة؛ كي يضيفوا للبرنامج إمكانيات تفاعلية، هنا ظهرت Fold it والتي انطلقت نسختها التجريبية في مايو 2008 وسجل فيها وقتها أكثر من 200 ألف لاعب، شاركت اللعبة فيما بعد في مبادرة تقييم آليات التنبؤات ببنية البروتين Critical Assessment of protein Structure Prediction الشهيرة والتي تقام منذ 1994.

تبدأ معك 2Fold it  من الصفر؛ حيث لا تحتاج لأية معرفة مسبقة بالبيولوجيا أو الكيمياء الحيوية، أو قوانين اللعبة وكيفية تتبع أنماط بنية البروتينات، سوف تقدم لك تعريفا مختصرا، ثم تذهب بك لمهمات تدريبية تزداد صعوبتها تدريجيا، ثم تنطلق بين آلاف اللاعبين لحل أحجية تلو الأخرى؛ ثم الحصول على نقاط جديدة، هناك 3 أهداف أساسية لكل لاعب مبتدئ: أن يبتعد بالحمض الأميني قدر الإمكان عن التصادم مع آخر، أن يضغط البروتين في أصغر حجم ممكن، وأن يخفي الأجزاء كارهة الماء Hydrophobic قدر الإمكان.

يتنافس هذا المجموع الضخم لصنع إضافات صغيرة؛ من أجل فهم وتوقع تركيب بروتين ما، تقدم تلك الطريقة دعما أساسيا لمحاولاتنا في أثناء حل واحدة من أشهر مشكلات البيولوجيا والحوسبة؛ وهي إشكالية "تطوي البروتين" Protein Folding التي لا نجد -بعدُ- حلا نهائيا لها، فالبروتينات تتخذ عددا واسعا من أشكال الطي في الفضاء ثلاثي البعد؛ خاصة مع احتوائها على عدد ضخم من الأحماض الأمينية، آلية عمل تلك العملية ما زالت غير مفهومة. على مدى زمني واسع شاركت الحوسبة في محاولة فهم ذلك، وظهرت برامج عدة لمحاولة التنبؤ ببنية البروتينات، رغم ذلك تخطت الأرقام الفلكية للاحتمالات الممكنة لطي بروتين واحد قدرة أقوى الحواسيب.

في البداية كانت نتائج Fold it تقارن -فقط- مع نماذج تم استكشافها بالفعل من قبل حواسيب، أما الآن فلاعبوها قادرون على استكشاف أراضٍ جديدة في ذلك العالم الدقيق، بعد جمع النتائج يتم إرسالها لفرق بحثية تقوم بتصنيفها وضمها معاً لتأكيد الاكتشافات، ومحاولة مطابقتها مع أرض الواقع.

وآخرون يعدّون المجرات

ظهرت من لعبة Galaxy Zoo 13 نسخة، وتعتبر اللعبة العلمية الأكثر شهرة بين الناس في العالم كله.

مواقع التواصل الإجتماعي
 في مايو 2016، وفي أثناء محاولتهما لفهم شكل مجرة "راديوية" ضخمة؛ عبر مقارنة صور تحت حمراء بأخرى راديوية، تمكن الروسيان3 "إيفان تيرينتيف" و"تيم ماتورني" اللاعبان بـZoo Universe من رصد تجمع ضخم للمجرات؛ يبتعد عنا ما يقرب من مليار سنة ضوئية، ويحتوي على 40 مجرة، فقط عبر الجلوس في المنزل، واللعب على الويب؛ ثم بعد ذلك نشرت ورقة علمية بالاكتشاف عبرالنشرة الشهرية لجورنال الجمعية الملكية الفلكية.


ظهرت 4Galaxy Zoo  في 2007، كجزء من مشروع ضخم يدعى: Zoo Universe يهدف5 للاستعانة بالعامة في الاستكشافات العلمية، مع مليون صورة راديوية مأخوذة من مسح سلووان الرقمي للسماء Sloan Digital Sky Survey  عبر تلسكوب ضوئي مزود بمرآة -قطر 2.5 متر- بزاوية رؤية واسعة؛ مع استخدام عدة مرشحات للضوء. كان الهدف ببساطة هو تحويل ذلك الكم من المجرات للعبة؛ الهدف منها الحصول على تصنيفات ظاهرية للمجرات على حسب أشكالها في الصور، حصلت Galaxy Zoo على 70 ألف تصنيف  خلال الساعات الأولى من انطلاقها، وعلى 50 مليون تصنيف خلال العام الأول على يد 150 ألف لاعب، ظهرت من تلك اللعبة ثلاثة عشر نسخة تعتبر الأخيرة هي اللعبة العلمية الأكثر شهرة بين الناس في العالم كله.

بدأت اللعبة بفكرة بسيطة، سوف نعلمك عن أنواع المجرات وأشكالها من خلال دروس و تمارين أولية بسيطة، كل ما تحتاجه -الآن- هو أن تمسك بهاتفك الذكي، وتصنف تلك المجرة التي في الصورة، هل هي بيضاوية؟ حلزونية؟ إهليلجية؟ شاذة؟ هل تقف وحيدة أم تتداخل مع مجرة أخرى؟

انتقلت اللعبة بعد ذلك لتفاصيل متخصصة أكثر؛ كعدد الأذرع، وحجم المجرة، وميلها، ثم في النسخة الأخيرة تطلب منك استكشاف ثقوب سوداء في صور راديوية6 لعدد ضخم من المجرات، كذلك سوف تهتم برصد تأثيرها على الأجرام المحيطة، وسوف تدرس تلك النفاثات الراديوية الضخمة المنطلقة من مركز المجرة، إن صورة راديوية واحدة هي ربما ورقة بحثية كاملة.

كل ذلك يقدم لك في شكل لعبة، سوف تسجل حسابا باسمك، وتبدأ اللعب بين آلاف المتنافسين؛ لتحصل على نقاط إضافية؛ مع كل مجرة تنجح في تصنيفها، يزداد الأمر في التعقد حتى تحتاج لبذل عدد ساعات في التعرف على مجرة ما ومقارنة صورها من ترددات مختلفة؛ لتلاحظ -ربما- اعوجاجا بسيطا هنا أو هناك. نعم يا صديقي، أنت الآن تمارس البحث العلمي، بالضبط كالباحثين في المعامل والمراصد الضخمة.

المواطن العالِم




حينما تمارس أيا من تلك الألعاب فأنت الآن تنضم لفئة جديدة وغريبة من العلماء، المواطن العالم Citizen Scientist. تشارك بقدر (قد يكون في بعض الأحيان عظيما وقد يكون يسيرا) في حل واحدة من أكبر المشكلات التي تواجه الكوكب، وهي "انفجار المعلومات Data Deluge"، حيث تظهر كل يوم أكوام ضخمة من الصور والجداول واللوحات المزجزجة والقوائم الطويلة التي تحتوي على كم مجنون من البيانات والتي ربما تحتاج لقرون للانتهاء منها؛ بينما لا يتمكن الباحثون في مجالات عدة من معالجة هذا الكم الضخم من البيانات الصادرة بشكل يومي، هنا يجيء دورك كمواطن، سوف تساعد هؤلاء الباحثين في تصنيف وتنظيم واستخراج المعلومات من ذلك الجبل الضخم، في صورة لعبة لذيذة يمكن أن تمارسها للتسلية بين حين وآخر.

تلك -إذن- هي الفكرة، "التعهيد الجماعي" Crowd sourcing، أي أن تستخدم الجمهور من أجل عملية جمع ومعالجة كم ضخم من البيانات ذي علاقة بمهمة محددة، يشارك آلاف البشر بشكل يومي عبر مهام قصيرة بسيطة في تحليل بلايين الصفحات من البيانات لحل مشكلات الطقس، دراسة النجوم المتغيرة، الشهب، تعديل الجينوم وفهمه، تطوير مهن كالصحافة، تطوير فهمنا لتنوعات لغوية بشرية، الصحة العامة، حل مشكلات البيئة عبر رصد أنواع من الأشجار المعرضة للانقراض تسمى Fraxinus excelsior عبر لعبة Fraxinus، تصنيف الخلايا العصبية وتحقيق فهم أفضل لآليات عملها عبر لعبة7Eye wire ، بينما يستمع الآلاف يوميا عبر لعبة Whale Fm لأصوات آلاف الحيتان؛ وهم بذلك يساعدون العلماء في تحقيق فهم أفضل للبيئة البحرية.

بعد فترة من ممارسة تلك الألعاب والاطلاع على نتائج الجمهور اكتشفنا أن ممارسة أعداد ضخمة من المواطنين في العلمية لم تؤت ثمارها المقصودة فقط؛ بل أضافت مناهج بحث جديدة للطريقة العلمية، فبغض النظر عن قدرة هذا الحشد المستمتع بلعبة كـPhylo8 التي تحاذي بين الـDNA لمجموعة من الكائنات الحية أو Ora التي تساعدنا لإنقاذ الغابات عبر تحليل مجنون السرعة للبيانات، واستكشاف الأنماط بقدرات أعلى من أفضل حواسيبنا. قدم اللاعبون -أيضا- بطرق غير متحيزة في المجموع، أفكارا وطرقا، ربما غير عقلانية؛ لكنها غاية في الإبداعية، غاية في التنوع والغرابة، لحل مشكلة ما.

إنها -ربما- قوة الحشد، بالضبط كما في عوالم النمل و النحل عالية التنظيم؛ على خلق ذكاء واحد أكبر من ذكاء المجموعة ككل، نحن -إذن- أمام عالم جديد جريء حقا، مستقبل مفتوح، واحتمالات باتساع المجرة، لذلك؛ دعني هنا أقتبس من فيلسوفي المفضل "كارل بوبر" فواجبنا هو أن نظل متفائلين.

أكثر 20 مدينة جذبا للزوار عالميا خلال العام 2016

تقارير متصدرة


آخر الأخبار