انضم إلينا
اغلاق
حزام الجبار: أسرار المقاتل السماوي الأشهر

حزام الجبار: أسرار المقاتل السماوي الأشهر

يُرى حزام الجبار جيدا خصوصا في شهر يناير نحو الساعة 21:00 مساءً في نصف الكرة الأرضية الشمالي. (مواقع التواصل الاجتماعي)

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"طفا أورايون متسلحاً بعنف الرياحمغتاظاً، على شاطئ البحر الأحمر الذي غمرت أمواجه فرعون وخيّالته الممفيسيون." - جون ميلتون، الفردوس المفقود، الكتاب الأول

 

لطالما كان أورايون Orion، المعروف في الأساطير العربية بالصياد أو الجبار، محبوب الشعراء. كتب عنه -أيضا- الشاعر الأمريكي "هنري لونغفيلو" وذكره "تي أس إيليوت" في قصيدته الشهيرة "سويني بين العنادل"؛ وذلك لأن الجبار هي ألمع كوكبات سماء الليل، تلك التي تتملك السماء الشتوية تماما فلا تترك لعينيك مجالا آخر غير التمتع بتلألؤ نجومها متنوعة الألوان، يسهل التعرف عليها دائما وهي هدف رئيس للأطفال والمبتدئين، أود هنا أن تكون رحلتنا إلى الجبار أكثر عمقا واستمتاعا، فما يمكن أن تقدمه لنا تلك الكوكبة من جواهر سماوية هو شيء لا يمكن تفويته.

 

تشريح الجبار
اخرج لسطوح البيت أو للبلكون في ليلة شتوية صافية وتأمل نجوم الجبار، إن كنت مبتدئا ربما ستود الحصول على مساعدة تطبيق الهواتف النقالة الشهير Google Sky Map، كل ما تحتاجه هو تفعيل التطبيق على جهازك ورفع الهاتف للسماء والبحث عن الجبار، بعد الغروب بساعتين -غالبا- سوف تجده فوق رأسك تماما مائلا للجنوب، إن كنت من سكان الوطن العربي. للتسهيل، يمكن تقسيم الجبار لعدة مناطق أساسية يمكن لك التعرف على بعضها بسهولة، كحزام الجبار Orion Belt، والبعض الآخر سوف يحتاج لسماء أكثر صفاء، يمكنك تتبعها جميعا في الخارطة السماوية المرفقة.


إبط الجوزاء Betelgeuse من ألمع نجوم الكوكبة، سوف يكون أول ما يلفت انتباهك بلونه الأحمر اللامع. وهو عملاق فائق أحمرRed supergiant قارب عمره على الانتهاء. في نهاية عمره، ينضب وقود النجم من الهيدروجين؛ فيتضخم حجمه وتقل حرارة سطحه؛ لذلك يتحول لونه للأحمر. تلك الفئة من النجوم هي الأضخم في الكون كله، إذا وضعنا إبط الجوزاء مكان الشمس فإنه سوف يبتلع من مساحة المجموعة الشمسية حتى المشتري، يبلغ عدد النجوم العملاقة الفائقة الحمراء المعروفة حوالي مائتي نجم فقط؛ لكنهم جميعا أكثر خفوتاً من إبط الجوزاء وقلب العقرب Antares في كوكبة العقرب.

 

ألمع نجوم الكوكبة هو "رجل Rigel"، والتسمية عربية المنشأ، هو عملاق أزرق فائق White Supergiant، وهي مجموعة من النجوم قصيرة العمر، بل ربما لا يصل عمر أحدها إلى .02 مرة من عمر الشمس، وذلك لأنها تحرق وقودها من الهيدروجين بسرعة هائلة، تماما كالبشر، إذا أحرقت طاقتك سريعا تنتهي سريعا. يبتعد "رجل" عن الأرض حوالي 850 سنة ضوئية، لكنه أقرب النجوم إلينا من تلك النوعية، وهو في الحقيقة ليس نجما واحدا؛ بل هو زوج نجوم يدوران حول بعضهما البعض، لكن رفيقه الصغير لا يمكن لنا تتبعه بسهولة إلا عبر تلسكوب متوسط أو كبير، هي مهمة صعبة لمبتدئ مع تلسكوب.. لكنها ممكنة.

 

دعنا ننهي رحلتنا1 التشريحية بثلاثة نجوم لامعة تُكون ما نسميه "حزام الجبار"، من اليسار لليمين هم: النطاق Alnitak، ثم النظام Alnilam، ثم المنطقة Mintaka ، و هي بالعربية والإنجليزية نفس النطق؛ لأن أصل التسمية عربي. تبدو المجموعة بنفس القرب لنا؛ لكنها في الحقيقة تبتعد عن بعضها البعض مئات السنوات الضوئية. تُستخدم تلك المجموعة في التنظيم الملاحي عالميا، و ذلك لأن لها لمعان وترتيب و موضع متميز في الكرة السماوية، ولذلك -أيضا- فإن تاريخ الحضارة مملوء بتسميات مختلفة للنجوم الثلاثة، فبدلا من حزام الجبار سُميت تلك المنطقة في التراث المسيحي بالـ"المريمات الثلاث"، والبعض سماهم "الملوك الثلاثة"، و في فنلندا يسمونهم حزام "فويني موينن" نسبة إلى بطل شهير في تراثهم، والفراعنة اعتبروا الثلاثة ممثلين عن "أوزوريس"، و يقال إن لترتيبهم علاقة بترتيب الأهرامات على الأرض؛ لأن لذلك علاقة بزاوية ميل الأهرامات على نهر النيل وحزام الجبار على نهر المجرة.


النجوم الثلاثة من فئة العمالقة الزرق، النطاق سوف يكون مركز اهتمانا بعد قليل، وهو نجم مزدوج يدور مع رفيق صغير مرة كل 1500 سنة، دورة كل ربع حضارة كالتي لدينا على الأرض!

 

أعماق الجبار الملونة
لا شك أن أول ما يلفت الانتباه لكوكبة الجبار من أجرام السماء العميقة DSO's هو سديم الجبار2Orion Nebula ، يقع في منتصف الغمد، ويمكن للمدقق بالعين المجردة أن يراه في سماء صافية خالية من التلوث الضوئي كنجم باهت، كان أول من أشار لسديم الجبار في كتاب هو الفلكي السويسري "جوان بابتسيت سايسا" في أوائل القرن السابع عشر وهي نفس الفترة -تقريبا- التي أشار فيها "جاليليو جاليليه" إلى السديم ونجوم المعيّن بداخله، وكان أول من التقط لها صورا هو "هنري درابر" سنة 1880. سديم الجبّار ضخم للغاية، فوق التصور لو أمكن أن نقول ذلك، يبتعد عنّا 1500 سنة ضوئية، يبلغ قطره -لو تصورناه كدائرة- حوالي 12 سنة ضوئية، أي أنه بقطر اثنتي عشرة مجموعة شمسية تقريبا!

أول صورة تم التقاطها للسديم عام 1880م.

مواقع التواصل الإجتماعي


السديم Nebula هو سحابة من الغاز والغبار (غير ذات شكل محدد) تسبح في الفضاء، له العديد من الأنواع فقد يكون السديم هو مكان ميلاد نجم أو مكان وفاته. سديم الجبار هو منطقة تكون نجوم، نطلق عليه "حضّانة نجوم Stellar Nursery"، حيث إن الهيدروجين السخي الذي يسكن معظم أجزاء السحابة هو الغذاء الوحيد الذي يحتاجه كل نجم لكي يبدأ في النمو، سديم الجبّار -إذن- هو الماضي السحيق لكل نجم كالشمس.

 

تتكدس كميات الهيدروجين الضخمة حول بعضها البعض في المركز بفعل قوى الجاذبية، ثم تبدأ في الدوران، يتسبب ذلك التكدس في خلق حرارة شديدة تصل فيما بعد لمرحلة تبدأ معها التفاعلات النووية بالحدوث، هنا يبدأ النجم دورة حياته، كنجم بدائي Protostar، ثم يكبر كطفل نحو شبابه، ثم موته كما تعلمنا عن إبط الجوزاء منذ قليل.

 

باختلاف حجم الكم المتاح من السحابة، تنشأ بعض النجوم منفردة، وتنشأ الأخرى بقرص كوكبي ضخم، سوف يطوّر -فيما بعد- كواكب تدور حوله كمجموعتنا الشمسية، تتكون النجوم في الحضّانات بمجموعات كبيرة من مئات، وربما آلاف، النجوم المتجاورة نسميها "عناقيد مفتوحة Open Clusters"، وتعيش نجوم تلك العناقيد معا؛ حتى تستهلك كل هيدروجين السحابة، ثم تبدأ في الانفصال عن بعضها البعض؛ ليعيش كل نجمٍ لحاله..


يمكنك -من خلال تلسكوب صغير- أن تلاحظ السديم كسحابة خفيفة واضحة تشبه الخفّاش، بالأبيض والأسود، أنصحك أن تستمر في تأمل السحابة مدة أطول قليلا من المعتاد كي تجمع عينيك أكبر كم من الضوء، نقّل نظرك على حواف الصورة في التلسكوب، وسوف تلاحظ أن صورة السحابة أصبحت أكثر وضوحاً.

 

حينما تتأمل مركز السحابة سوف تلاحظ أربعة نجوم لامعة ضخمة، تدعى"المُعيّن" أو Trapezium، إنها مجموعة النجوم التي تضيء السديم وتشكّله بقوة رياحها العاتية، مجموعة المعيّن هي جزء من تجمع نجمي مفتوح أكبر، يدعى تجمع الجبار المفتوح، ويتكون مما يقرب من ثلاثة آلاف نجم ممتدة في مسافة قطرها 20 سنة ضوئية.

 

دعنا الآن نتعرف على واحد من أكبر السدم المعروفة والخافتة التي تستعصي على العين المجردة، إنها حلقة برنار Barnard loop، التي تمتد على مساحة الجبار كله تقريبا، في مشهد يبدو في صور التعريض الطويل خاطفا للقلوب، هي جزء من سحابة الجبار الجزيئية المركبة Orion Complex، والتي تضم -أيضا- سديم رأس الحصان الشهير وسديم الجبار وبعض السدم المظلمة الأخرى، إن الجبار كما ترى هو منطقة نشطة للغاية من سماء الليل، تزخر بالهيدروجين والنجوم الوليدة، لا نرى في نشاطها إلا تلك المنطقة بين العقرب والقوس، تقع الأرض في منتصف المسافة تقريبا بينهما، آلاف النجوم تتجهز في تلك المناطق لكي تصبح كالشمس ربما يوما ما.


نجم "النطاق" هو مكان زاخر بالروائع السماوية، أشهرها بالفعل هو سديم رأس الحصان3، هدف رئيس لهواة الفلك أصحاب التلسكوبات الكبيرة و الراغبين في الحصول على صور سماوية ساحرة، سديم رأس الحصان سديم امتصاصي، لونه داكن؛ لأنه يتكون من غبار كوني "يمتص" الأشعة، يبعد حوالي 1500 سنة ضوئية عن الأرض، ويقع مباشرة تحت النجم النطاق، يتوقع العلماء أن يتحلل السديم تماماً خلال خمسة ملايين من الأعوام، لقد بدأ السديم في التبدد بالفعل، حيث يضاء  السديم من خلال نظام خماسي يُدعى سيجما الجبار، وهج الأشعة فوق البنفسجية القاسي لأحد نجوم هذا النظام هو ما يضيء السحاب، وهو ما يبخره.

 

منذ عدة أعوام أتحفنا التلسكوب العظيم هابل بصورة جديدة لسديم رأس الحصان بعد تركيب كاميرا ثالثة عالية الدقة وواسعة المجال سنة 2009، الكاميرا الجديدة تلتقط الصور في مجال الأشعة تحت الحمراء ذات الموجات الأكثر طولا والأقل طاقة لتصوير السديم، حيث كلما ازداد الطول الموجي أثناء التصوير؛ كلما استطعنا النفاذ -بشكل أعمق- داخل السديم، كذلك سوف نتمكن من التقاط الإشعاع تحت الأحمر من السحب الداكنة الباردة وتصويره، على عكس صور الضوء المرئي التي تظهر داكنة تماماً.


الجبار Orion هو ابن "بوسايدون"، في الميثولوجيا القديمة، لذلك تمكن من الخطو على الماء بسهولة، وكان قويا لدرجة أنه حينما قرر قتل كل حيوانات الأرض ارتعبت "جايا" وأرسلت عقربا لقتله، لذلك وضع القدماء في أساطيرهم كل من العقرب والجبار في مكانين متقابلين من السماء، ما فاجأنا حقاً؛ هو أن كلا منهما يقع تقريبا على نفس المسافة من الأرض؛ ولكن في اتجاهين متقابلين، وكل منهما هو منطقة نشطة، مسكونة بالحياة، وكل منهما يحتوي على عملاق فائق أحمر!

 

يمكن لك أن تبدأ بتتبع الجبار مع عينين مجردتين، ثم مع نظارة معظمة، ثم مع تلسكوب صغير إن أحببت، ربما هنا سوف تحتاج لأطلس متوسط، أرشح لك Sky Atlas 2000، أو Deep Sky Hunter لمستوى متقدم. في كل الأحوال، يمكن القول إن قضاء ليلة شتوية كاملة مع تلسكوب أو حتى نظارة معظمة وبعض الشاي الساخن فوق سطوح المنزل وتأمل روائع الجبار وما حوله هو -لا شك- رحلة سماوية رائعة تبعث بالبهجة في النفس بعد إرهاق يوم عمل طويل.

أكثر 20 مدينة جذبا للزوار عالميا خلال العام 2016

تقارير متصدرة


آخر الأخبار