انضم إلينا
اغلاق
هل المادة وهم؟

هل المادة وهم؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

هي الكلمات التي تقرؤها الآن، وعيناك التي تقرأ بهما، ويداك إذ تتخبطان بين الحروف على لوحة المفاتيح بينما تكتب رسالة لرفيقة العمل، هي أقرب شيء لنا، ورغم ذلك فهي -ربما- أبعد الأشياء عن إدراكنا، حيث أن ما يقدمه العلم لنا من تفسيرات وتعريفات لما تعنيه المادة مازال يتخبط بين وجهات نظر عدة تقترب بنا من حافة العقل في بعض الأحيان، وتلقي بنا في غياهب الجنون ربما أحيانا أخرى.

 

نعرف من دروس الكيمياء التي طالما حفظناها في المرحلة الإعدادية أن المادة هي كل ما يشغل حيز من الفراغ، لكننا هنا أمام تعريف غاية في العمومية والضبابية، هل سمعت مثلا عن شيء يتكون من 20 مادة؟ 150 مادة؟ بالطبع لا، كل ما يمكن تحديده في المادة هو حالاتها الشائعة كالصلبة والسائلة والغازية، وغير الشائعة كالبلازما، والتي لا نعرفها كالمادة المظلمة.

 

لذلك يلجأ العلماء، وهم أكثر من يرغب في أعلى درجات التحديد الكمّي، للتعامل مع صفة لتلك المادة وهي الكتلة، مقدار ما يحتوي جسم محدد من مادة في مساحة محددة من الفراغ، الكتلة هي شيء لا نراه، لكنها صفة يمكن لنا حساب كمّيتها، فهذه الطاولة تزن 20 كجم، والهاتف النقال هناك يزن 300 جم، لذلك فنحن حينما نحاول الحديث عن الفروق - التي في بعض الأحيان تظهر وفي أحيان أخرى تتلاشى - بين المادة والكتلة فالأمر ربما أشبه بأن تسأل عن الفرق بين البرتقال وطعمه، حتى الآن يبدو الأمر بسيطا للغاية، لكن كعادة العلم، جعبة الحاوي لازالت تحتوي على الكثير من الحيل.

 

صندوق من الضوء
لنبدأ كالعادة بلعبة فكرية، سوف نفترض أننا في الفضاء الخارجي حيث لا جاذبية، نمتلك -بشكل ما- صندوقا زجاجيا لا كتلة له، مكونا من مرايا عاكسة تماما، بداخل الصندوق يوجد عدد من الفوتونات التي تتخبط بين مراياه الست بانتظام. نحن نعرف أن الفوتونات هي جسيمات بلا كتلة، ما سنفعله الآن هو أن ندفع ذلك الصندوق لجهة اليمين، لننقل سرعته من "صفر" إلى -قُل- 10 كلم/ساعة، ما يحدث هنا هو أن جانب الصندوق الأيسر سوف يتلقى ضربات أقوى وأكثر كثافة من جانب الفوتونات لأنه يتحرك ناحيتها فينتقل الزخم1 من الفوتونات إلى هذا الجانب، بينما سوف يتلقى الجانب الأيمن ضربات أقل لأنه يبتعد عن الفوتونات في حركته.

وقبل الخوض في معنى تلك التجربة دعنا هنا نتوقف قليلا للتساؤل عن معنى الكتلة.


يمكن القول، بتعريف قوانين نيوتن لما نسميه الكتلة القصورية، أن الكتلة هي مقاومة جسم ما للتسارع، بمعنى أنه حينما نحتاج لقوة ما (F مثلا) لكي نتسبب في دفع جسم ما من سرعة صفر إلى أي سرعة -ويسمى ذلك "تسارع a"- تظهر الكتلة حينما نطبق معادلة نيوتن الشهيرة التي تقول إن القوة تساوي الكتلة في التسارع (F=ma)، لكن.. ألم يقاوم سيل الفوتونات الحركة داخل الصندوق منذ قليل؟ هل هذا يعني أنه حينما نزن الصندوق سوف نجد أن له كتلة؟ أليست الفوتونات بلا كتلة؟

 

نعم، الفوتونات بلا كتلة، لكن الميزان سوف يقرأ وجود كتلة، في الحقيقة هذا هو ما تعنيه2 معادلة ألبرت آينشتاين الأشهر 2(E=mc)، فالطاقة هي الأخرى تتسبب لجسيماتها في زخم حتى وإن كانت بلا كتلة، في الحقيقة سوف يساعدنا آينشتاين هنا قليلا لإجابة السؤال عنوان المقال، حيث ربما من الخطأ القول إن معادلة آينشتاين تقول إنه يمكن لنا "تحويل" المادة للطاقة والعكس، والخطأ هنا في كلمة "تحويل"، لأننا لا نحول الطاقة لمادة، لكننا ربما نحول الطاقة.. لطاقة أخرى!

 

قديما كنّا نمتلك تلك اللعبة المدهشة، إنها السيارات التي تحتوي على مفتاح زنبركي نقوم بلفّه للنهاية ثم نتركه لتتحرك السيارة، إذا قمنا بوزن سيارتين على ميزان غاية في الحساسية، إحداهما تتحرك على الميزان بعد أن قمنا بلف مفتاحها للنهاية والأخرى ساكنة بدون لف، هل سوف يعطي الميزان نفس القيمة لكل منهما؟


لا، سوف يقرأ الميزان كتلة أكبر لتلك السيارة ذات المفتاح الملفوف، ذلك لأنها تمتلك قدرا أكبر من الطاقة الحركية، وطاقة الوضع الموجودة في لف الزنبرك بداخلها، واحتكاك تروس السيارة المتحركة.. إنها جميعا تتسبب في كم ضئيل جدا من الكتلة، لكنه موجود ومؤثر. يشبه الأمر أن نتساءل عن كتلة مصباح يدوي قبل وبعد تشغيله، حينما نقوم بتشغيله تتحول الطاقة الكهرومغناطيسية الموجودة في البطارية لضوء يخرج من المصباح. فقدان الطاقة هنا هو فقدان للكتلة، أو بمعنى أدق، نحن لا نفقد كتلة، ولا نعرف الكتلة، كل ما يحدث هو تحولات للطاقة!

 

هنا يمكنك أن تبدأ في التساؤل عن تعريف آخر للمادة تعلمناه في المدارس قديما، وهو أن المادة تتكون من ذرات وتلك الذرات تتكون بدورها من إلكترونات تدور حول نواة مكونة من بروتونات ونيوترونات تتكون بدورها من جسيمات أصغر حجما تدعى الكواركات3 التي تترابط بين بعضها البعض عبر الجلوونات، أليست لتلك الجسيمات صورة ما من المادة تحتويها بداخلها؟

 

دعنا نبدأ مع الكواركات، تلك التي تكوّن البروتونات والنيوترونات، إن ما نعرفه هو أن كتلة الكواركات منفردة تمثل ما هو أقل من كتلة البروتون والنيوترون بحوالي ألفي مرة؛ ذلك لأن كتلة البروتون والنيوترون -كتلة النواة والتي تمثل 99.5% من كتلة الذرة- يكتسبا كتلتيهما من طاقة الوضع والشد بين الكواركات المكونة لها، لنتخيل زنبركا مضغوطا تماما، سوف يحتوي لذلك على كم من الطاقة، تلك الطاقة هي سبب الكتلة، لكن.. هنا دعنا ننزل بالسؤال لمستوى الإلكترونات والكواركات، فهي جسيمات أوّلية لا تتكون من جسيمات أصغر، ماذا عما تعنيه الكتلة هنا؟

 

غيتار كوني
لنفترض أن لدينا غيتارا4 مكونا من 17 وترا، كل وتر منهم يمتلك نغمة محددة حينما نقوم بشده، فالوتر "مي" يصدر صوتا مختلفا تماما عن الوتر "صول"، لكننا نعرف أن لمسة ضعيفة للوتر لن تصدر صوتا، وأن لمسة أقوى قليلا ربما لا تصدر صوتا أيضا، نحن نحتاج من إصبعنا أن يشد الوتر بحد أدنى من القوة لكي يصدر الوتر الصوت المطلوب منه، ذلك هو ما يحدث في الكون أيضا، يحدد لنا النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات 17 جسيما تعد -إلى الآن- هي جوهر الكون الذي نعرفه.


في نظرية المجال الكمّي (Quantum Field Theory) يتكون الوجود من مجموعة مجالات تنتشر في الكون كله، مجال لكل جسيم، للإلكترون مثلا مجال خاص به، ينتشر كشبكة في كل نقطة بالكون، حينما نقوم بتقديم قدر محدد من الطاقة لهذا المجال -شد الوتر الخاص به بقوة ذات حد أدنى معيّن- يظهر الإلكترون كجسيم مادي. الجسيمات إذا -بشكل ما- هي صوت الطاقة في الكون.

 

في بعض الأحيان نود أن نلعب على مجموعة من الأوتار معا لعمل صوت جديد مختلف، يسمى ذلك في عالم الغيتار "كورد" (Chord)، فلنقم مثلا بالضغط مرتين على وتر "الكوارك العلوي" ومرة على وتر "الكوارك السفلي" وكذلك على وتر "الجلوون"، معا سوف نقوم بشد تلك الأوتار مرة واحدة، هنا سوف يظهر صوت جديد مميز، إنه صوت "البروتون". دعنا هنا نوضح أنه لا يوجد أوتار ولا أشياء مادية ولا أصوات في الواقع، إنه فقط تشبيه من حياتنا اليومية لشرح ما يعنيه المجال الكمومي. في الحقيقة لا يوجد أي شيء مادي.. مجالات فقط.

 

تتفاعل المجالات الكمّية المختلفة إذن مع بعضها البعض، وتنقل الطاقة لبعضها البعض، ويتم تعريف وجود الكتلة والمادة، عبر عملات من الطاقة، يشبه الأمر أن تقف أمام ماكينة تقديم مشروبات غازية في أحد المجمعات التجارية، تحتاج لوضع عملة 1 جنيه لكي تخرج العبوة لك، لكنك لو وضعت عملة فئة ربع جنيه أو نصف جنيه لن تستجيب الآلة لك، جنيه كامل أو لا شيء، شدة وتر كاملة أو لا شيء، كمّ طاقة محدد أو لن يظهر الجسيم لك.

 

جميل جدا، كل شيء إذن يتكون من مجالات، لكن الجسيمات جميعها تنطلق بسرعة الضوء، لكي يكتسب جسيم ما كتلة يجب أن تقل سرعته قليلا، أي: يجب أن نعيقه بشكل ما، هنا يدخل للعبة ما نسميه "جسيم الرب"، إنه الجسيم هيغز، أو بمعنى أدق "مجال هيغز"، صانع الكتلة. لكي نفهم ما يعنيه ذلك دعنا نستمر في ألعابنا الفكرية، لنفترض أن هناك قاعة احتفالات مملوءة بعدد ضخم ومنتظم من الأفراد الذين يتحدثون فيما بينهم متسببين في ضجيج خفيف، تلك القاعة هي الكون كله، والجمهور هو مجال هيغز المنتشر في كل مكان بهذا الكون.


لنفترض الآن أن شخصية مشهورة دخلت القاعة، عمرو دياب مثلا، هنا -خلال سيره في القاعة- سوف يتجمع حوله المعجبون من الجمهور ويتحركون معه في شكل تجمع صغير مما يعيق حركته، يعني ذلك أن هذا التجمع "ليس من السهل إيقاف حركته"، وحينما يقف "ليس من السهل أن يبدأ الحركة من جديد" بحكم هذا التجمهر، يحتاج ذلك بعض المقاومة، تلك المقاومة هي الخاصية التي نسميها الكتلة.

 

الآن دعنا نفترض أن هناك شخصا غير مشهور قرر عبور القاعة، أنا مثلا، لن يلتفت أحد لي وسوف أمر خلال القاعة في هدوء، هنا يقال إن الجسيمات التي تتفاعل مع مجال هيغز -كالكواركات مثلا- تكتسب كتلة، أما الجسيمات التي تمر خلاله دون تفاعل -كالفوتونات- لا تكتسب أية كتلة وتمر بهدوء، أنا فوتون ربما، ولا أحفل لأحد.

 

ماذا عن المادة؟
أنت شخصٌ عادي، كُتلتك في المعدل هي 75 كغم، فقط 750 جم من تلك الكتلة تعبر عما نسميه "كتلة"، أما البقية فتتواجد في شكل تفاعلات كيميائية تولد طاقة -بقدر ضئيل للغاية- وقوى شد وجذب وارتباط بين بين مركباتك الرئيسية، الكواركات والإلكترونات، حتى تلك الـ 750 غم هي نتيجة لتفاعل بين مجالات غير ذات كتلة في تلك الجسيمات مع مجال هيغز، أنت إذن ربما مجرد اهتزاز في الفراغ!

 

ينص مبدأ استبعاد باولي أنه لا يمكن لاثنين من الفيرميونات أن يتخذا نفس الحالة الكمّية، يعد هذا خطاً فاصلا بين جسيمات المادة الاثني عشر في نموذج فيزياء الجسيمات والخمسة الأخرى التي تمثل القوى في الكون، حيث يمكن لجسيمات البوزونات خرق تلك القاعدة والتواجد معا في نفس المستوى الكمومي، رغم ذلك فنحن لا نجد بعد تعريفا واضحا للمادة، ربما هي -فقط- عبارة عن سلوك كوني ما له بعض الخصائص كالكتلة، والكتلة هي فقط طريقة للتعبير عن الطاقة، هي أحد خصائصها التي تظهر عبر تفاعلات بين مكونات لا كتلة لها في الأساس.

ما المادة؟ لا نعرف بعد، ربما هي وهم، طريقة للتعبير عن شيء ما، في الفراغ المحض تظهر بشكل عشوائي ومستمر، جسيمات من المادة والمادة المضادة ثم يقوم كل منها بإفناء الآخر

بيكساباي


ما المادة؟ لا نعرف بعد، ربما هي وهم، طريقة للتعبير عن شيء ما، في الفراغ المحض5 تظهر بشكل عشوائي ومستمر جسيمات من المادة والمادة المضادة بشحنات متضادة ثم يقوم كل منها بإفناء الآخر في لحظات من الزمن غاية في القصر. هناك في أطراف المجرات البعيدة تجري النجوم بسرعات أكبر من التي تتوقعها قوانيننا، يدعونا ذلك لتوقع وجود نوع مختلف من المادة هو ما يتسبب في هذا التأثير، مادة لا تشع بأي شكل نعرفه ولها فقط تأثير جذبوي، تمثل تلك المادة حوالي 25% من كتلة الكون ونسميها المادة المظلمة ولا نعرف عنها أي شيء، لا نراها ولا نعرف كيف نرصدها.

 

في جانب آخر يظهر المبدأ الهولوغرامي ليقول إن الكون ربما يكون -بمادته وطاقته وزمكانه المتمثلين جميعا في صورة بتّات من المعلومات الكمومية- انعكاسا ثلاثي البعد لكيان ثنائي البعد يسكن على أفق كوني ما يشبه أفق الحدث الخاص بثقب أسود، حيث تلتصق المعلومات الثنائية البعد وتتجمع عليه معا بمساحة مقدارها 1 بلانك مربع للمعلومة الواحدة، بالضبط كما تتجمع في مقال بمساحة 180 كيلوبايتا على ملف وورد للتعبير عن عالمنا كاملا..

 

نعم، للتعبير عنّي، عنك، عن دونالد ترمب، عن مشكلاتنا اليومية في العمل والمواصلات والمنزل، عن رغيف الفول والسوشي وهدوء الطريق في مدينتنا قبل الفجر، عن درب التبانة وأندروميدا وإيتا كارينا.. ربما يكون كل هذا متكون من لا مادة ولا طاقة وإنما من حفنة معلومات، وربما لا، لكن في كلتا الحالتين سنستمر في التساؤل كبشر، ليس عن مدى معرفتنا ولكن  عن مدى جهلنا قائلين: هل نعرف شيئاً؟

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار