انضم إلينا
اغلاق
قطة أينشتاين الضاحكة

قطة أينشتاين الضاحكة

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

نعم، هناك العديد من الإثباتات التي تتوالى بشكل مستمر على صحة النظرية النسبية لـ"ألبرت أينشتين"، لكنك لن ترى ما هو أكثر جمالا و إثباتا لصحتها من تلك "القطة الضاحكة"1 التي كشف التلسكوب العظيم هابل عنها النقاب في فبراير 2015، ترى.. لم تضحك لنا تلك القطة؟ هل سوف ينتهي العالم قريبا ؟!

قطة أينشتين الضاحكة لنا 

( هابل تلسكوب)
 

بسبب تلك القطة المجرية البريئة؟ لا، ربما بسبب سياسات إدارة "ترامب" تجاه التغيرات المناخية العالمية مثلا، لكن قطة "أينشتين" هنا هي مجرد وهم بصري تسببت فيه الجاذبية الشديدة لتجمع من المجرات يدعى SDSS J1038+4849 بينما تظهر المجرات التي تقع في الخلفية كحلقة دائرية.
 

لنفهم ذلك بشكل أفضل؛ دعنا نحضر كوب ماء شفاف -أو عدسة محدبة- وننظر من خلاله، سوف نرى الأشياء في الخلفية بصورة مشوهة تماما؛ بسبب مرور الضوء الصادر منها بالكوب تقوم بتكبير وتشويه الصور في خلفيتها، لكن.. ما علاقة ذلك بالكونيات؟
 

تأثير النظر خلال عدسة وتشويه الصورة (harvard.edu)



النسبية العامة.. مرة أخرى
الكثير في الحقيقة؛ حيث تتوقع النسبية العامة أن شعاع الضوء سوف ينحني بتأثير وجود المادة، كنجم أو مجرة مثلا، في الفضاء. لا يحدث ذلك؛ لأن شعاع الضوء نفسه ينحني بالفعل؛ لكن ما ينحني حقا هو نسيج الزمكان المحيط بالجرم نفسه، فيظهر شعاع الضوء كأنه هو ما ينحني، أما بالنسبة لشعاع الضوء نفسه فهو ينطلق للأمام بشكل مستمر.

 هذا هو بالضبط ما تم تأكيده على يد الفيزيائي البريطاني "آرثر أيدنجتون"2 سنة 1919 حينما التقط صورا لمجموعة من النجوم في خلفية الشمس أثناء كسوف شمسي؛ ليرصد تغير موضع تلك النجوم بسبب تأثير جاذبية الشمس على أشعة الضوء الصادرة من تلك النجوم، كانت تلك التجربة هي سر شهرة "ألبرت أينشتين" الواسعة فيما بعد، إنها أقوى "لقد كان أينشتين على حق" في تاريخه.
 


دعنا الآن نترك النجوم قليلا، فإن ما تسببه من تشوه في الخلفية حينما نرصدها هو أمر خفيف الأثر، نعرف أنه حينما ترتفع كتلة الجرم السماوي تزداد قوة جاذبيته بسبب قدرته الأكبر على "ثني" نسيج الزمكان3، فمجرة ضخمة أو كويزار ذو كتلة عظيمة أو -بشكل أكبر- عنقود مجري يحتوي في تركيبته كتلة من مئات المجرات قد يتسبب في تشوه أكثر وضوحا للخلفية حينما ننظر إليه، هنا يحدث ما نسميه "عدسة جاذبية Gravitational Lens"، فذلك التجمع من المجرات يتسبب -مثل كوب الماء- في تشويه وتكبير صور المجرات التي تقع في خلفيته؛ فتظهر تلك التشوهات في شكل أقواس وحلقات حينما نلتقط صورا لها بتلسكوبات كـ"هابل".
 

على الرغم من أن الإشارة إلى عدسة الجاذبية بدأ من "أوريست شولسون"، الفيزيائي الروسي، إلا أن الحديث عنها مرتبط دائما برسالة من "ألبرت أينشتين" التي نشرت في مجلة "العلم Science4" الشهيرة سنة 1936، والتي قال في مقدمتها إنه "بالطبع لا يوجد أمل في رصد ظاهرة كتلك"، إلا أن ذلك كان أحد أشهر أخطاء "أينشتين" في توقعاته، فقد تمكن كل من "دينيس والش" و"روبرت كارزويل" و"راي وايمن" من رصدها لأول مرة عبر تلسكوب 2.1 متر بمرصد كيت بيك القومي، دعنا نتعرف على اكتشافهم.
 

تظهر صورتان للجسم السماوي بينما هو جرم واحد، بسبب تأثير المجرة على مسار أشعة الضوء (مواقع التواصل الإجتماعي)


إنها تلك الحالة العجيبة المسماة بـ"الكويزار5 التوأم" TwinQSO، أول جرم سماوي تم التعرف عليه كعدسة جاذبية. في البداية ظن الفلكيون سنة أنهم أمام جرمين سماويين مختلفين؛ لكن بعد فترة من الرصد ظهر أنهما على نفس المسافة من الأرض، وأن لهما نفس الخصائص، ثم بعد ذلك تم التأكد من أننا لسنا هنا أمام جرمين مختلفين، لكنهما صورتين لنفس الكويزار، حدث ذلك بسبب المجرة YGKOW G1 والتي تقع ضمن تجمع يشارك هو الآخر في تشويه الصورة.
 

هل تلاحظ تلك النقاط المضيئة الأربعة في منتظف الصورة، إنها 4 نسخ لنفس الكويزار! لذلك سمي صليب "أينشتين" (هابل تلسكوب)


"صليب أينشتين 6Einstein Cross" هو أيضا حالة أكثر شهرة وأهمية من التوأم السابق، في تلك الحالة تتمكن المجرة "HuChira'sLense عدسة هوشيرا" من تشويه صورة الكويزار QSO 2237+0305  ليظهر أربعة صور للكويزار للراصد على الأرض، هنا نحن لا نرى أربعة كويزارات؛ لكنه كويزار واحد فقط، يقع خلف تلك المجرة، ويظهر بأربعة نسخ لأعيننا على الأرض، أليس ذلك رائعا؟ لنذهب لأينشتين مرة أخرى..
 

حلقة أينشتين
هناك عدة أنواع من عدسة الجاذبية، لكن هنا أود توضيح أنها ليست عدسة مكتملة بالمعنى المفهوم، لأنها ليست منتظمة ولا بؤرة لها، لذلك تتنوع تلك التشوهات بين ما نسميه التعدس الضعيف Weak lensing وهو ما يحتاج للكثير من الرصد ودراسة البيانات الإحصائية للتدليل على حدوث تشوهات طفيفة في الصورة الخلفية لا يمكن رصدها بالعين المجردة، وهناك التعدس الدقيق Micro Lensing وهو ما يظهر حينما لا تحدث أية تشوهات في الصورة؛ لكن كم الضوء الذي يصدر منها يتغير باستمرار.
 

دسة الجاذبية القوية تظهر واضحة في التجمع المجري Abell1689

(هابل تلسكوب)

لكن ما نهتم له الآن هو التعدس القوي Strong Lensing وهو الحالة التي يمكن لنا رصدها من خلال تلسكوباتنا والتي تظهر فيها التشوهات بوضوح على شكل حلقات وأقواس؛ لكي نرى تلك الحالات الخاصة يجب أن تكون عدسة الجاذبية هي عنقود مجري ذو كتلة ضخمة يمكن لها إظهار ذلك التأثير لنا، ذلك هو ما نراه في قطة "أينشتين" خاصتنا؛ حيث تكون التشوهات واضحة ممكنة الرصد، في بعض حالات التعدس القوي حينما يصطف كل من: الراصد على الأرض، العدسة، الجرم الذي في الخلفية، على خط واحد تماما، هنا نسمي تلك الحالة "حلقة أينشتين Einstein ring".

 

كانت أول7 حلقة مكتملة يتم رصدها هي للمجرة B1938+666 والتي تمكن من التقاطها فريق من الفلكيين البريطانيين باستخدام التلسكوب البريطاني Merlin بالتعاون مع التلسكوب هابل، بينما في 2005 تمكن ماسح سلون الرقمي8Sloan Digital Sky Survey  -بالتعاون مع هابل أيضا- من رصد وتصوير 19 عدسة جاذبية من بينهم 8 حلقات؛ بينما تمكن نفس الماسح من رصد 85 عدسة جاذبية في 2009.
 

حلقات أينشتين الثمانية التي تم رصدها عبر ماسح سلون الرقمي (هابل تلسكوب)



ما المفيد في ذلك؟
بعيدا عن قدرة عدسة الجاذبية على تكبير بعض الأجرام السماوية الخافتة صغيرة الحجم والتي لم تكن لتظهر في تلسكوباتنا؛ فإن أحد أهم الاستخدامات لتلك الظاهرة ورصدها بدقة؛ هو قدرتها على إعطائنا كما جيدا من البيانات حول واحدة من أعظم أسرار الكون الذي نعرفه، إنها المادة المظلمة، تلك التي تمثل 25 % من تركيب الكون؛ بينما تمثل كل المادة التي نعرفها أقل من 5% فقط، نحن لا نستطيع فك شفرة تلك المادة المظلمة بعد، ذلك لأنها لا تشع أي قدر من الطيف الكهرومغناطيسي؛ لكن فقط يمكن لنا رصد تأثيرها الجذبوي على الأجرام السماوية كالمجرات وتجمعات المجرات.

 

حينما نقوم برصد عدسات الجاذبية، فإن كم ودرجة انحناء أشعة الضوء تتناسب طرديا مع كتلة المجرات المكونة لتلك العدسة وأي شيء آخر موجود، بعد عملية حسابات مفصلة يمكن لنا التعرف على كتلة التجمع وفهم التأثير الكامل للمادة المظلمة على تلك المنطقة، مما يحسن من فهمنا لطبيعة تلك المادة. في الحقيقة يمكن استخدام عدسة الجاذبية كدليل على وجود المادة المظلمة، أحد أشهر تلك الدلائل هو ما نسميه "عنقود الطلقة" 9 وهو صورة لتجمعين مجريين يمر أحدهما خلال الآخر كطلقة، بعد حساب قدر التعدس الجذبوي في هذا التجمع خرجت النتائج لتؤكد أن هناك فرقا شاسعا بين انثناء الإشعاع الصادر منه وكتلة مكوناته من المادة التي نعرفها.
 

عنقود الطلقة Bullet Cluster المجري (ناسا)


بما أن المادة المظلمة تتواجد في كل مكان تقريبا، يمكن لنا -إذن- اعتبار كل صورة نلتقطها لأية مجرة في الكون هي عدسة جاذبية؛ ذلك لأنه حتما سوف تكون هناك مادة مظلمة في المسافات الشاسعة بيننا وبين تلك المجرات، هنا يلعب التعدس الجذبوي الضعيف دورا قويا؛ لأننا نحاول رصد مجرات مفردة، بعد عدد ضخم من مرات الرصد والبحث يمكن لنا فهم أماكن وكميات المادة المظلمة المتواجدة في الكون كله ودرجة تأثيراتها على المادة العادية. يمكن كذلك أن تعطينا عدسات الجاذبية فكرة جيدة عن الطاقة المظلمة والتي تلعب، ربما، دورا أساسيا في تكوين و نمو المجرات وعناقيدها.
 

هناك كم مجنون من العلم وراء كل تلك الموضوعات التي تحدثنا عنها خلال تقريرنا المبسط، يمكن لك فيما بعد عمل بحث موسع لتعلم كل تلك التفاصيل الدقيقة والممتعة عن واحدة من أروع الظواهر في علم الكونيات، حينما كنت طفلا لطالما حلمت بأن أعمل في مرصد ما، ربما في صحراء أتكاما بشيلي أو بقمة موناكيا في هاواي، فقط لتكون متابعة تلك الروائع السماوية هي جزء رئيس من حياتي، الآن أنا صيدلاني لا أمتلك إلا تلسكوبا متوسط أقصى إمكاناته هو رصد تجمع مجرات العذراء في ليلة حالكة، لكن هابل التلسكوب العظيم قادر دائما على إثراء أرواحنا حينما يقوم بمدنا بذلك الكم الهائل من المتعة، والعلم الرصين، والبحث الطويل عبر آلاف الجداول المسكونة بكم مهول من البيانات، فقط عبر صورة واحدة.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار