انضم إلينا
اغلاق
هل نرى نفس النجوم في السماء طوال العام؟

هل نرى نفس النجوم في السماء طوال العام؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

تخيل القدماء1 سماء الليل مثل كرة ضخمة من القطيفة السوداء، نسكن -نحن البشر- في مركزها تماما، وهناك عدد ضخم من الثقوب في تلك الكرة، تلك الثقوب هي ما يُدخل إلينا النور الإلهي السماوي، كان ذلك التصور مرتبطا بثبات النجوم في نفس المواقع بالكرة السماوية، وبنى القدماء على سماء الليل أساطير جمة ترتبط بحضارات مختلفة، لنفهم ذلك دعنا نبدأ ألعابنا.


لنفترض أنك تقف الآن في مدينة القاهرة، فوق برج القاهرة تحديدا، ثم بشكل ما تتمكن -بعينيك- من رؤية شخص يقف على أحد الكباري النيلية على بعد عشرة كيلومترات، هذا الشخص يتحرك بين طرفي الكوبري من اليمين لليسار بشكل منتظم، هل يمكن لك أن تلاحظ أنه يتحرك؟ طبعا لا، ربما تتمكن من رؤيته بصعوبة، لكنك سوف تلاحظ أنه يقف ثابتا في مكانه، لأنه بعيد جدا، ذلك هو بالضبط ما يحدث في السماء، فالنجوم بعيدة عنا للغاية، أقربها لنا يقع على بعد ما يقرب من 40 تريليون كيلومتر، وهي تتحرك بسرعات مجنونة، لكن بسبب بعدها تبدو بالنسبة لنا على الأرض؛ كأنها لا تتحرك أبدا، على مدى تاريخ حضارتنا البشرية لم تتحرك نجوم السماء بشكل يمكن ملاحظته بسهولة عبر العين المجردة.

 

لنفس السبب تظهر لنا النجوم بجانب بعضها البعض؛ بحيث لا يمكن لنا التعرف على أيها أقرب لنا وأيها أبعد، يشبه الأمر أن تقف بعيدا عن لاعبين في ملعب كرة قدم فلا تستطيع تمييز أي من اللاعبين أقرب لك من الآخر، أما في العصر الحديث فقد مكنتنا أنواع التلسكوبات المختلفة من فهم و دراسة تلك الحركات.



ما الذي يجب أن أعرفه؟
أود الآن أن أصعد لسطح المنزل لنشاهد سماء الليل، ونتعرف على مواقع نجومها اللامعة، لكن، ما الذي يجب أن أعرفه قبل الصعود؟
 

تعلمنا منذ قليل أن سماء الليل هي كرة ضخمة نسكن في مركزها، إذن سوف يكون أول ما نحتاج معرفته لتحديد موقع نجمة ما في سماء الليل؛ هو موقعنا على الأرض، فالشخص الذي يسكن في القطب الشمالي لن يرى مجموعة النجوم التي يراها -ليلا- من يسكن في جنوب أفريقيا مثلا، كلما اختلف موقعك على الأرض -بشكل له علاقة بدوائر العرض- يمكن لك أن ترى نجوما لا يراها الآخرون.


لنذهب الآن إلى قاعة مسرحية ضخمة، أقف أنا وأنت على خشبة المسرح وفي يديك مصباح يدوي قوي الإضاءة، وقررت أن توجهه ناحيتي؛ بينما أنا أدور حول نفسي، حينما يكون الضوء في وجهي فأنا لن أتمكن من رؤية ما وراءك، لكن حينما أعطيك ظهري يمكن لي أن أرى ما يقع أمامي، وبينما أدور فأنا بعد فترة قد ألاحظ أن ما يدور هو أجزاء المسرح من حولي.
 


يمكن تطبيق ذلك النموذج على كل من الأرض والشمس، فكلاهما يوجد في مركز
2 الكرة السماوية التي تمتلئ بالنجوم في كل مكان، بينما يدور الكوكب حول نفسه مرة كل 24 ساعة، نلاحظ نحن على سطحه أن السماء هي ما يدور، فتشرق الشمس لتعمي أعيننا عن رؤية كل ما وراءها من النجوم؛ ثم حينما نعطي ظهرنا للشمس - وهي تغرب- تظهر لنا نجوم الجهة الأخرى، وطوال نفس الليلة نلاحظ أن السماء تتحرك، تخرج كل من النجوم والكواكب والقمر من جهة الشرق، وترتفع في السماء، ثم تنزل تحت الأفق الغربي بعد ذلك، في الحقيقة لا تتحرك السماء لكن ما يتحرك هو الأرض.



تدور الأرض؛ فنظن أن السماء هي ما يدور، حيث إن الأرض أضخم من أن نستشعر حركتها، إذن ما نحتاج أن نعرفه حينما نود التعرف على موقع نجمة في السماء هو -أيضا- موعد خروجنا، فنجمة تراها بعد الغروب فوق رأسك تماما؛ لن تجدها في نفس المكان بعد أربعة ساعات فقط، يمكن أن تقوم بتجربة شخصية لفهم تلك الفكرة، اصعد للسطح في السابعة بعد الغروب، وحدد نجمة لامعة فوقك تماما عبر ربطها -ربما- بشكل مميز مع نجوم قريبة؛ ثم اخرج في الحادية عشر لترى هل تحركت أم لا.!



جميل جدا، لنتخيل الآن أنك تركب سيارة بجانب صديق لك، وتدور السيارة حول ميدان ضخم في مركزه مصباح كبير، تستمر في الدوران؛ لتتم دورة واحدة حول الميدان مرة كل 365 دقيقة، في الجانب الآخر من السيارة، هل ترى نفس الشيء طوال الدورة؟ بالطبع لا، كلما استمرت السيارة في الدوران تتغير المشاهد في الجهة الأخرى بينما تدور، تعلمنا منذ قليل أن السماء هي كرة ضخمة، تبدو النجوم كأنها مثبتة عليها، بينما نحن ندور بالسيارة /الأرض، حول الشمس /المصباح - مركز الميدان؛ فإن النجوم التي نراها في الليل (الجانب المقابل للمصباح) تختلف من مشهد وقت لآخر.!


إذا كانت الأرض هي سيارة ضخمة تدور حول الشمس، فإننا لا نستطيع مثلا أن نرى مجموعة النجوم "1" في يوليو؛ لأنها تكون خلف الشمس في تلك الفترة، بينما يمكن لنا التمتع برصدها في ديسمبر فقط، يعني ذلك أن مجموعات النجوم التي نراها كل شهر تختلف عن الشهر الفائت، لكن السماء كلها لا تختلف، إنما فقط تتحرك السماء بمقدار 30 درجة تقريبا كل شهر. لكي تفهم ما تعنيه 30 درجة يمكنك الوقوف فوق سطح المنزل ورفع يديك قليلا للأعلى فوق مستواك، يمكنك قياسها باستخدام منقلة هندسية، تلك هي المساحة من السماء التي تظهر كل شهر في اتجاه الشرق وتختفي في اتجاه الغرب، بين غروب وشروق شهر.


في كل فصل من الفصول الأربعة توجد مجموعة نجمية
3 -كوكبة- شهيرة، يمكن لها أن تكون دليلنا لرصد كل سماء الليل في تلك الفترة، الجبار في الشتاء مثلا، والمثلث الصيفي في الصيف، في الخريف يتمركز مربع الفرس الأعظم فوق رؤسنا تماما، وفي الربيع نستخدم الدب الأكبر، ملك الربيع الرائع، سوف نفرد موضوعا خاصا لتلك المجموعات وكيفية تعلمها.

 

حسنا، ذلك رائع، لقد تقدمنا بالفعل كثيرا في فهم سماء الليل، السماء عبارة عن كرة ضخمة من القطيفة السوداء ذات أخرام متعددة يخرج منها النور على شكل نجوم، كان ذلك تصور القدماء، ولا تزال تلك الصورة تخدمنا إلى الآن؛ لأنه -في واقع الأمر- ساعد البعد الشديد للنجوم الأخرى عن الشمس إلى عدم استطاعتنا -بالنظر أقصد- أن نعطي تقديرا لأي النجوم أبعد وأيها أقرب؛ إنما تقع جميعاً -بالنسبة لنظرنا- على نفس المسافة في شكل كرة ضخمة للغاية تحيط بنظامنا الشمسي.

 

سوف أطلب منك الآن أن تعود إلى نفس المسرح الذي تحدثنا عنه منذ قليل، وأن تبدأ في الدوران حول نفسك، ثم انظر حولك، سوف ترى أجزاء المسرح تدور أمام عينيك وتختفي ثم تظهر من جديد؛
هنا سوف أطلب منك أن ترفع رأسك عالياً؛ لتنظر لإحدى اللمبات -مثلا- والتي تقع فوق رأسك بالضبط؛ ماذا تلاحظ؟ تماما، اللمبة سوف تظل في هذا المكان فوقك مهما درت، هكذا -بالضبط- تدور الأرض حول نفسها، فأنت طوال الليل تلاحظ حركة النجوم كحركة أجزاء القاعة، ولكن النجم القطبي هو الذي يقع فوق الكرة الأرضية تماما، ولذلك فسوف يظل هناك أبدا. أنت الآن تنظر إلى القطب الشمالي السماوي. لو افترضنا أن السماء كرة ضخمة والأرض مركزها، ولو أنك واقف الآن فوق القطب الشمالي للأرض، فوق رأسك مباشرة يقع القطب السماوي الشمالي (Northern celestial pole) وفي مقابله بالأسفل تماماً يقع القطب الشمالي الجنوبي (Northern celestial pole)، وبالطبع سوف تكون الدائرة الضخمة التي تمر على كرة السماء بين القطب السماوي الشمالي والجنوبي هو خط الاستواء السماوي(Celestial equator)

إذا كنت في مصر، مثلا، فسوف ترى القطب الشمالي السماوي مائلاً على الأفق الشمالي بزاوية 30 درجة، بالضبط مثل صديقنا الذي يقف على الأرض في الرسم السابق يميل عن القطب الشمالي الأرضي؛ فسوف يرى القطب الشمالي مائلاً على الأفق بزاوية ما وبالطبع كلما ارتفعنا في دوائر العرض على الأرض أكثر، كلما اقترب القطب الشمالي من المنطقة فوق رؤوسنا مباشرة، يمكنك -إذن- معرفة دائرة العرض الخاصة بك في أي مكان في العالم عبر منقلة صغيرة، فقط قم4 بقياس ارتفاع النجم القطبي عن الأرض بالطريقة التي تعلمناها منذ قليل.


لنطبق الآن نفس الفكرة على سيارتنا الدوارة في الميدان الضخم، بالطبع سوف تتغير أشكال المباني والبشر كلما نظرت خارج السيارة في الجهة المقابلة للمصباح في الميدان، لكنك لو كنت تركب سيارة مكشوفة ورفعت رأسك للسماء فإنك طوال الدورة سوف ترى نفس النقطة في السماء، إنها نفس المجموعات النجمية في السماء التي توجد أعلى كوكب الأرض، تسمى تلك المجموعات النجمية بالمجموعات القطبية أو (circumpolar constellations)


بالفعل يتغير شكل السماء بشكل دائم على مدى كل ليلة، وعلى مدى العام الكامل، هذا هو -ربما- ما يعطي السماء روعتها، فكل يوم -تقريبا- هناك شيء جديد يمكن دائما رصده؛ السماء ليلا هي سينما بفيلم مختلف كل شهر تقريبا، تجمع حولها آلاف الهواة لرصدها بشكل يومي، والتمتع بسحر كوكباتها وأجرامها العميقة، كان ما سبق هو الدرس الأول الذي يتلقاه المبتدئون مع علم الفلك، وهو كفيل لكي تبدأ في رصد سماء الليل فورا، فقط يمكنك تحميل تطبيق بسيط كـ Google sky map5 والانطلاق لرحلة لن تنساها.!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار