انضم إلينا
اغلاق
لماذا لا نفهم النسبية العامة؟

لماذا لا نفهم النسبية العامة؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

دعنا نبدأ باختبار بسيط سوف يوضّح ما أقصده، إذا قمنا بإطلاق رصاصة في اتجاه أفقي، ثم في نفس الوقت ومن نقطة تقع بجانب المسدس الذي أطلقنا منه الرصاصة، قمنا بترك رصاصة مشابهة تقع على الأرض، أي الرصاصتين سوف تصل للأرض أولاً؟


للوهلة الأولى نتصور أن الرصاصة 2 التي تركناها لتسقط سوف تصل أولا للأرض؛ بينما سوف تقضي الرصاصة 1 بعض الوقت قبل أن تقرر السقوط، لكن الإدراك البديهي لا يخدمنا هنا، لأن الرصاصة 1، رغم أنها تجري بسرعة شديدة؛ إلا أنها لازالت واقعة تحت تأثير نفس قوة الجذب التي تؤثر على زميلتها رقم 2، قوة الجذب هنا لا علاقة لها بسرعة الجسم؛ سواء تحرك للأمام أو للخلف، أو إن كانت 70 كم/ ساعة، أو 100، أو 1000 أو صفر. حيث سوف تنجذب وتتسارع للأرض بنفس الدرجة، وستصل الرصاصتان للأرض معاً، الأولى سوف تصل للأرض على بعد 500 متر مثلا؛ حيث تنزل عن مستوى المسدس بالتدريج حتى تصل للأرض، والثانية تنزل هنا بجانب أقدامنا.


تظهر المشكلة حينما يتعارض العلم مع "إدراكنا البديهي Common sense" للأمور، وهي نفسها المشكلة التي نواجهها حينما نحاول فهم الموضوع الرئيس للنسبية العامة، انحناء "الزمكان"، النسيج الذي يرتبط فيه الزمان والمكان معا؛ حيث سوف تبدأ الأمور في الذهاب نحو الضبابية حينما نحاول تصور ذلك الانحناء كما تشرحه كتب تبسيط العلوم بدرجة تقترب من واقع حياتنا، فيظهر "الزمكان" كحصيرة من المطاط اللين الذي ينبسط مستوياً إن كان فارغا؛ لكنه ينحني للأثقل ما إن نضع أي جسم ذي كتلة فيه.

 

هنا تجتاز بعض الكتب والوثائقيات نقطة بسيطة باعتبارها مفهومة، فذلك النسيج الذي نراه أمامنا لا يوجد في الحقيقة، لا يمكن لنا رصده بأية طريقة ممكنة، نحن نرسمه بهذا الشكل فقط لتقريب الفكرة إلى عقولنا، ما نراه في الواقع هو كوكب الأرض في الفضاء ككرة زرقاء تدور حول كرة أخرى ملتهبة أكبر في الحجم بمليون مرة تدعى الشمس، لا يمكن لنا أن ندرك انحناء الزمكان لأنه -ببساطة- يتخطّى قدرتنا على الإدراك، نحن كائنات تعيش في عالم ثلاثي الأبعاد، تتشكل أمخاخنا و سيالاتها العصبية من ذرات ثلاثية البعد، أما تلك الهندسة الغريبة رباعية البعد فلا يمكن رصدها إلا من خلال أبعاد أعلى، تتوقع نظريات الأوتار المتعددة وجود أبعاد أعلى، بحيث قد يكون ممكنا لكائن ما ذي قدرات فائقة متخطية لها أن يدرك ذلك الانحناء في أبعادنا؛ الأبعاد الأدنى بالنسبة له. كل ما يمكن لنا تصوره هنا هو إسقاط ما يحدث في تلك الأبعاد على واقعنا ثلاثي البعد، كأن تصنع مكعبا أضلاعه من الخشب، وتضعه أمام مصدر للضوء فيسقط ظله على صفحة بيضاء. ليس هذا مكعبا، إنه ظل مكعب.

نحن نرغب دائما في وضع تصور بصري عما نحاول فهمه؛ لذلك فحينما نصطدم بأفكار مجردة للغاية عما يعنيه مصطلح "الزمكان" كنسيج مكون للوجود من حولنا يرتبط كل من الزمان والمكان فيه معا ويتأثر كلاهما بوجود كتلة ما فيه؛ لا يمكن لنا تخيل ذلك، لا يمكن لنا وضع عدة صور تقول إن الزمان ينثني هكذا وهكذا... إلخ. ونهب لنسأل فورا: كيف يحدث ذلك؟

 

دعنا ننتقل الآن لنقطة مهمة، تتعارض هي الأخرى مع فكرتنا البديهية عن العالم، فأنت تضع هاتفك الذكي يوميا على الطاولة، ثم تعود بعد ساعة لتجده في مكانه، وتقف سيارتك تماما بعد أن تغلق المحرك. يظهر لك العالم بتلك الطريقة؛ فتكوّن مفهوما يَثبت بعد حين في دماغك، مفهوم يقول "إن الأصل في الأشياء هو السكون"، لا يمكن للهاتف أن يتحرك إلا -فقط- حينما أنقله، ولا يمكن للسيارة أن تتحرك إلا بدفعها أو الضغط على دواسة البنزين، بينما واقع الأمر ليس كذلك. نحن فقط على الأرض، نتأثر بجاذبيتها لنا ولأدواتنا، ونواجه احتكاكا دائما بين الأشياء، فالسيارة تحتك بأسفلت الطريق والطائرة تحتك بالهواء، ولذلك فنحن نحتاج دائما لبذل جهد كي ننقل شيئا ما من حالة السكون للاستمرار في الحركة.


أما في الفضاء، وهو أمر لا نختبره يوميا؛ يمكنك أن تلقي بكرة بلياردو للأمام، وسوف تظل تجري بسرعة منتظمة، ولا تقف أبدا، ذلك لأن الصحيح هو أن الأصل في الأشياء هو الحركة، والسكون هو حالة خاصة منها، ذلك هو ما علمنا إياه "جاليليو" ومن بعده "نيوتن"، دعنا الآن نختبر دوران كرة في قُمع ما.

 

إذا قمنا بتحريك كرة زجاجية صغيرة، "بلية"، بسرعة في قمع كبير من البلاستيك، فسوف تبدأ بدورة واسعة، ثم تنزل قليلا ثم قليلا بالتدريج؛ حتى تسقط في نهاية القمع، ذلك ببساطة؛ لأن مادة القمع احتكت بها وتسببت في تقليل طاقتها؛ مما أدى إلى انخفاض سرعتها والنزول للأسفل، إذا قمنا بتدوير الكرة بسرعة شديدة فسوف تقفز من القمع وإذا قمنا بتدويرها بسرعة صغيرة؛ فسوف تسقط سريعا في المركز. لماذا -إذن- لا تسقط الكواكب في ذلك القمع "الزمكاني" الضخم الذي تسببت فيه النجوم؟
 

ما يحدث في الفضاء هو أن هذا الكوكب الذي اكتسب دفعة مناسبة في بداية حياة المجموعة الشمسية لم يجد احتكاكا، ببساطة هو يدور لأنه لم يجد أي شيء ليوقفه، فالزمكان ليس "مادة" مثل القمع؛ لكي تحتك به الكواكب، لقد امتلك القمر -إذن- قدرا مناسبا من السرعة؛ بحيث لا تكون صغيرة فتسقط في داخل القمع، ولا كبيرة فتهرب منه. يشبه ذلك ما يحدث في سباقات الدراجات على طرق مائلة في قاعات ضخمة مغلقة، فرغم أن سائق الدراجة يميل على الأفق بدرجة كبيرة إلا أنه لا يسقط؛ لأنه يحافظ على سرعة منتظمة، كذلك تستمر الكواكب في الدوران حول النجوم، ويستمر القمر في الدوران حول الأرض دون توقف؛ لأنه يحافظ على سرعته، ليس عبر بذل جهد ما مثل سائق الدراجة، ولكن لأنه في حالة سقوط حر نحو الأرض، فالقمر لا يجد أرضا ليسقط فيها فيستمر في سقوطه. لكن الأمور ليست مثالية تماما، توجد درجات طفيفة للغاية من الاحتكاكات في الفضاء، وقد تختلف السرعات قليلا، القمر مثلا يبتعد سنويا بمقدار 4 سم عن الأرض، قد نفقده تماما بعد مليار عام ونصف.

 

دعنا هنا نصل للهدف الرئيس من هذا التقرير، العلم يختلف بالفعل عن أبسط بديهياتنا عن العالم، فهمك لتلك الفكرة سوف يحسن كثيرا من محاولاتك فيما بعد لفهم العلم ككل والفيزياء خصوصا، لا علاقة للشكل الذي تمارس به الطبيعة قوانينها بما نظنه نحن عن العالم، بممارساتنا في الحياة اليومية؛ فنحن لا نهتم كثيرا للعلاقة بين القوة والسرعة مثلا، ولا نحاول كثيرا تفهم ما تعنيه "العجلة"، نحن نهتم أكثر بما يمكن أن نحققه من فائدة سريعة من الطائرة بدون الاهتمام بآلية العمل الفيزيائي للحركة من نيويورك إلى القاهرة، حتى إن أي شخص منّا يمكن له أن يعيش حياة كاملة هادئة بلا مشكلات إذا لم يكن يعرف عن العلم شيئا.

آخر الأخبار