انضم إلينا
اغلاق
أمطار السماء.. دليل عملي مبسط

أمطار السماء.. دليل عملي مبسط

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
لا شك أن واحدة من أمتع اللحظات  هي أن تلتقط شهابا يمر بالصدفة بينما ترفع رأسك للسماء ليلا، ما بالك لو حدث أن تمكنت في ليلة واحدة فقط من متابعة أكثر من 300 شهاب على مدى 4 ساعات مثلا؟! رائع، أليس كذلك ؟!
 
 
الزخات الشهابية
نعرف أن الأرض تدور حول الشمس مرة كل 365 يوم تقريبا، في أثناء تلك الدورة قد يحدث أن تدخل الأرض في بقايا تركها مذنب أو كويكب ما ثابتة في مكان ما من الفضاء أثناء دورته حول الشمس، تعترق تلك البقايا طريق الأرض في أثناء رحلتها، يشبه ذلك أن تجري بسيارتك على طريق ما فتدخل في بعض الدخان لأن أحدهم أشعل نارا بجانب الطريق من فترة، تدخل تلك البقايا الصخرية للغلاف الجوي للأرض بسرعات كبيرة، من 11-75 كم في الثانية الواحدة، حينما تحتك بالغلاف الجوي فإنها تحترق فورا لتصنع الشهب التي نعرفها، إذا كانت القطعة الصخرية الداخلة للغلاف الجوي كبيرة فإنها تحترق لتصنع شهابا أكبر يستمر لوقت أطول في السماء، والعكس صحيح.
 


تحترق تلك الصخور على بعد من 80-120 كم فوق سطح الأرض، رغم ذلك -بسبب لمعانها الشديد- يظن الراصد على الأرض أنها قريبة جدا وربما سقطت هناك خلف التل أو المباني، خاصة حينما يكون الشهاب كبيرا ولامعا بدرجة أكبر من النجوم والكواكب في سماء الليل، يسمى عندها كرة نارية (Fireball)، لكن ذلك غير صحيح، في أقصى الحالات ينتهي احتراق الشهاب كاملا قبل 12 كم من الوصول للأرض.
 

قبل أن نبدأ برصد تلك الزخات الرائعة يجب أولا أن تتعلم1 بعض المعلومات الأساسية عنها، لنجملها في عدة نقاط قصيرة:
 

1- لكل زخة شهابية مركز تخرج منه في سماء الليل، لهذا المركز علاقة بميل اتجاه الأرض أثناء مرورها بتلك البقايا. هنا، نقوم نحن على الأرض بربط ذلك المركز بالكوكبة في السماء التي تقع في خلفيته، ونسمي الزخة الشهابية بإسم الكوكبة التي خرجت منها، فشهب الجباريات (Orionids) مثلا تسمى كذلك لأنها -ظاهريا- تبدو وكأنها خرجت من كوكبة الجبار (Orion)، لكن الشهب في الحقيقة لا تخرج من الكوكبة نفسها ولا علاقة لها بها من قريب أو بعيد. في كل الأحوال، غالبا ما تكسو الشهب السماء كلها.
 


2- لكل زخة شهابية منحنى يعبر عن ازدياد معدلاتها بشكل يومي، يزداد بالتدريج كلما اقترب الأرض من تلك البقايا، ثم يصبح في أوجه حينما تمر الأرض بالكم الرئيسي منها ويبدأ في النزول بالتدريج بعد ذلك الموعد، يكون هذا الأوج هو دائما مركز اهتمامنا برصد الشهب، التوأميات مثلا تبدأ بين 4 - 17 ديسمبر من كل عام، لكنها تصبح أكثر كثافة حول ليلات 13 ديسمبر، و هكذا..
 


3- على قدر كثافة تلك البقايا الصخرية تتحدد كثافة الزخة الشهابية، وتتحدد كثافة الزخو برقم مشهور نسميه (Zenithal Hourly Rate) (ZHR)  أو معدل التساقط في الساعة، وهو يعبر عن عدد الشهب الساقطة في الساعة الواحدة، وهناك رقم مميز لكل زخة، في بعض الأحيان يكون العدد هو 120 شهاب في الساعة كما في حالة البرشاويات، وأحيانا يكون 10 فقط كما في حالة الجباريات.

 

4- لنُجمل ما تعلمناه إلى الآن: لكي ترصد زخة شهابية ما يجب أن تكون على علم بكل من: موعد أوج الزخة، مركز انطلاقها، عدد الشهب في الساعة.
 

أشهر الزخات
لكل زخة شهابية إذن موعد محدد مرتبط بموعد دخول الأرض في تلك البقايا، تتحدد شهرة الزخات بعدد الشهب في الساعة، ببحث بسيط عبر جوجل أو بالإطلاع على أي من المجلات2 الفلكية الشهيرة كــ"سكاي أند تليسكوب" أو " أسترونومي" Sky & Telescope أو Astronomy سوف تتعلم ببساطة عن كل الزخات الشهابية المعروفة، لكن دعنا هنا نركز على أشهر الزخات وأكثرها روعة:

الرباعيات في يناير تبدأ من 23 ديسمبر حتى 12 يناير وتصل للأوج في 3 يناير، يمكن خلالها رصد أكثر من 120 شهاب في الساعة الواحدة في منطقة نائية

رويترز

1- الرباعيات في يناير (Quadrantids) تبدأ من 23 ديسمبر حتى 12 يناير وتصل للأوج في 3 يناير، يمكن خلالها رصد أكثر من 120 شهاب في الساعة الواحدة في منطقة نائية، مركز الزخة هو منطقة بين أربعة كوكبات هي: الدب الأكبر، العواء، التنين، هرقل، سميت الكوكبة نسبة إلى كوكبة قديمة كانت تتواجد في ذلك المكان تحت اسم (Quadrans Muralis). رغم روعة ولمعان الزخة وعدد الشهب الكبير إلا أنها تظهر متأخرة في الوطن العربي وفي الغالب لا نجد إشارات قوية من الهواة العرب لرصد عدد ضخم من الشهب خلالها، قد يكون ذلك بسبب أن مدى أوج الزخة قصير نسبيا قد يصل إلى عدة ساعات قبل فجر الرابع من يناير.
 

2- البرشاويات في أغسطس (Presides) هي واحدة من أروع الزخات التي يمكن لك أن ترصدها، تبدأ من 17 يوليو حتى 24 أغسطس وتصل للأوج في 13 أغسطس، منبع الزخة هو كوكبة برشاوس، رغم أن عدد الشهب في الساعة هو من 60-80 فقط إلا أن البرشاويات هي الزخة الأشهر، حيث تتميز بالطقس المصاحب لها، إنه الصيف والأجازات المصاحبة له مما يتيح لنا سهولة الرصد والسهر في طقس معتدل.
 

3- التوأميات في ديسمبر تبدأ من 4 حتى 17 ديسمبر وتصل للأوج في 13، واحدة من أروع الزخات السنوية لا يعيق رصدها إلا برودة الطقس في وقت متأخر من الليل، لكن يمكنك دائما في منطقة نائية أن تعد 100 شهاب في الساعة الواحدة، بشكل شخصي قمت في أكثر من مرة برصد أكثر من 60 شهاب.
 

4- هناك عدد آخر من الزخات اللامعة كـ الأسديات في 17 نوفمبر، الجباريات في 21 أكتوبر، ايتا الدلويات في 8 مايو، لكنها جميعا لا تتخطى حاجز الـ 10-30 شهاب في الساعة.
 

أدوات الرصد


لحسن الحظ، تلك ظاهرة لا تحتاج لأدوات معقدة كتلسكوبات أو نظارات معظمة، كل ما تحتاجه هو فقط التالي:

1- ابتعد عن التلوث الضوئي قدر الإمكان، كلما اقتربت من مراكز المدن قل عدد الشهب التي يمكن لك رصدها بشكل درامي، فإذا كانت الزخة ذات معدل يقترب من 120 شهاب في الساعة فإن رصدها بداخل مدينة كالقاهرة لن يعطيك أكثر من 4 أو 5 شهب إن كنت محظوظا، لذلك فإن الخروج للمناطق النائية، القرى مثلا عند الأقارب، سوف تكون حل مثالي.
 

2- سوف تحتاج لشيء تستلقي عليه بحيث تواجه أكبر مساحة ممكنة من سماء الليل، فرغم أن هدفك سوف يكون مركز الزخة الشهابية إلا أن الشهب في كل الأحوال سوف تنتشر في كل السماء بحيث يكون ذيل الشهاب دائما موجها ناحية مركز الزخة.
 

3- للتعرف على الكوكبة مركز الزخة يمكنك أن تعتمد على تطبيق كـ "جوجل سكاي ماب" Google sky map، أو - فقط - ارفع رأسك للأعلى فوقك تماما.
 

4- سوف تحتاج لربع ساعة تقريبا لكي تتكيف عينيك مع الظلام في مكان الرصد، استغل ذلك الوقت لترتيب الأدوات، كإخراج الشاي الساخن وتجهيز المكان، يحلو رصد الزخات الشهابية بالرفقة وربما بعض الثرثرة في انتظار شهاب لامع.
 

5- اتخذ تدابير السلامة البسيطة، معظم الزخات الممتعة تكون في جو قارص البرودة وفي وقت متأخر بعد منتصف الليل، لذلك تأكد من تدفئة ذاتك قبل الخروج لأن غفوة طويلة في طقس بارد قد تتسبب في مشكلات صحية خطيرة.
 

6- قم بعد الشهب التي تراها في كل ساعة وسجّلها في دفترك الخاص مع تسجيل كل من الوقت والتاريخ واسم الزخة.
 

7- لاحظ أنه قد تكون هناك شهب غير منتمية لتلك الزخة التي ترصدها non-shower meteor، يمكن أن تعرف ذلك ببساطة من اتجاه الشهاب، سوف يكون مركز انطلاقه هو نقطة أخرى مختلفة.
 

8- في بعض الأحيان يعترض القمر زخات الشهب، لا أنصح حينها بمحاولة رصدها لأن النتائج ستكون مخيبة للآمال.
 

شارك في البحث العلمي



في مرحلة ما، يمكن لك تحويل ذلك الرصد البسيط للشهب إلى عملية بحث علمي، يمكن لك المشاركة في فريق ضخم للغاية مكون من آلاف الراصدين على مستوى العالم، فقط كل ما تحتاجه هو التسجيل في موقع المنظمة الدولية للشهب International Meteor Organization3 و إضافة تقريرك الخاص برصد الشهب، أو الكرات النارية، لكنك سوف تحتاج لآداء بعض المهام الإضافية:

1- تسجيل موقعك على الكوكب.
 

2- تسجيل درجة التلوث الضوئي في المكان عبر البحث عن مجموعة من النجوم بأقدار ظاهرية محددة، لا يمكن اعتبار التقرير بدون وجود تلك القيمة لأنه تحدد كل القيم الأخرى.
 

3- تسجيل وضع القمر بالنسبة للزخة.
 

4- تسجيل أعداد الشهب التابعة للزخة وغير التابعة لها في الساعة الواحدة.
 

5- تسجيل موعد بداية الرصد ونهايته ومواعيد فترات الاستراحة.
 

6- لتكن بياناتك خاصة بك فقط، سجل ما تره أنت وليس ما يراه صديق يرصد معك.
 

7- حاول استكشاف وتسجيل أقدار وألوان الشهب المرصودة قدر الإمكان، تحتاج المنظمة لكل قيمة ممكنة عن القدر الظاهري للشهب لدراسة معيار تعداد الشهب ومقارنة أنواعها.
 

تعمل تلك المهام المتعددة والمحددة على وضع معايير واحدة لكل حالات الرصد في العالم مما يحسن من جودة النتائج ودقتها وسهولة معالجتها ويقلل من معاملات الخطأ، سوف يمدك موقع المنظمة بكل الأدوات الممكنة: الشرح، الخرائط، النماذج القابلة للطباعة، أخبار الراصدين الآخرين، الصور والفيديوهات المتعلقة، كي تحقق رصد احترافي ويصبح تقريرك عن الشهب هو بحث علمي رصين.
 

حينما تشارك بتقريرك فأنت بالفعل قد شاركت مع آلاف الباحثين4 في كل العالم على إمداد المنظمة بكم بيانات ضخم وفعّال. فيما بعد تقوم المنظمة بدراسة كل تلك البيانات والبحث عن أنماط محددة سوف تساعدنا على تحقيق فهم أفضل للشهب وأنواعها مما سوف يساعد على دراسة أفضل للمجموعة الشمسية، أنت بالفعل تشارك في بحث علمي حقيقي عندما - فقط - تستمتع برصد بعض الشهب، أليس ذلك رائعًا؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصادر للاستزادة:

1- يمكن لك الاستعانة بالكتاب الرائع Meteor Showers and How to Observe Them لـ روبرت لونسفورد في تحقيق خوض أكثر عمقا في رصد وتصوير الزخات الشهابية

2- قائمة مجلة Sky & Telescope سوف تكون رائعة

3- http://www.imo.net/

4- لمعلومات أفضل عن المشاركة في البحث العلمي في عدة مجالات أخرى يمكنك أن تراجع مقال سابق لي بعنوان "عندما يلعب العلم"

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار