انضم إلينا
اغلاق
لماذا يحتاج العلم إلى الفكاك من أسر المادية الاختزالية؟

لماذا يحتاج العلم إلى الفكاك من أسر المادية الاختزالية؟

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
نشعر جميعا بأن حضارتنا الحديثة يشوبها نقص حاد في بعض جوانبها. أهو غياب الروحانية؟ إلى حد ما. أهي المادية التي فاق جشعها حاجتنا؟ أجل؛ فنحن نعيش عصر الرأسمالية المتأخرة؛ حيث نكسب العيش عبر إنتاج، وبيع، وشراء بضائع وخدمات لا نحتاج إليها في معظم أحوالنا على هذا الكوكب المحدود. نحن عاجزون عن رؤية أنفسنا، بسبب عصابة العلموية غير الضرورية التي تغطي أعيننا.

 

إن الإطار المركزي للفيزياء الحالية هو إطار من القوانين الملزمة. والصورة المركزية فيه هي طاولة بلياردو تمثل الشروط الحدية وجميع الشروط الأولية المحتملة من موضع وعزم الكرات المتواجدة على الطاولة. ومع قوانين إسحاق نيوتن في شكل تفاضلي كمعطيات، يمكننا استنتاج المسارات الحتمية التي ستسلكها الكرات. إن نموذجنا العلمي عبارة عن استنتاج نتائج جديدة، ثم اختبارها، ثم قبولها أو رفضها وفقا لمعايير مختلفة، ومن ثم الإبقاء على نظرياتنا كما هي أو تعديلها. لقد سار العلم في الطريق الذي كان لأرسطو أن يتمناه: استنباطي شيئا ما.
 

إن هدفي هو الشروع في التخلص من هيمنة المادية الاختزالية على عقولنا العلمية، ومعها تنقية واسعة النطاق للحداثة من العلموية التي أسيء توظيفها. فالعلم هو المعرفة. والكينونة والصيرورة أكثر أهمية بالنسبة إلى الحياة كلها وبالنسبة إلى إنسانيتنا. نحن -قبل أي شيء- أحياء، وأحياء في محيط بيئي يخضع للصيرورة. فرغم فيضان الانقراضات الذي يغمرنا، والحقيقة التي تنص على أن ٩٩.٩% من أنواع الكائنات التي سكنت الكوكب في فترة ما قد انقرضت؛ فإن المحيط الحيوي لم يزل يزهر حتى الآن. وقد بدأ هذا الإزهار يكتسب دلالة على وجود هيكل أسطوري وراء الواقع المادي الذي نحياه.

يوجد سؤال مزعج يشغل موضعا مركزيا في محاجّتي: منذ الانفجار الأعظم وحتى الآن؛ لماذا أخذ الكون يزداد تعقيدا؟ وأزعم أن ما سأقوله يشكل -على الأقل- جزءا من الإجابة، وهو أنه نتيجة للخلق المستمر لمزيد من الأشياء والعمليات المرتبطة المعقدة، ومع إمكانية امتزاج الواحدة منها بالأخرى لإنتاج مزيج من الأشياء والعمليات الأكثر تعقيدا، أخذ فضاء الممكنات من الأشياء والعمليات المرتبطة في التمدد، ولم يحظ الكون بالوقت الكافي لتحقيق جميع الاحتمالات.

ولنكتفي بالكربون، والهيدروجين، والنيتروجين، والأكسجين، والكبريت، وهي ما يطلق عليها ذرات الكيمياء العضوية، وتعرف اختصارا بـCHNOPS. فلنفكر في جميع الجزيئات التي قد تنتج من هذه الذرات الست، مع ١٠٠ ألف ذرة أو أقل لكل جزيء. (الفحم أحد هذه الجزيئات، وأكبر جزيء فحم معروف نحو ١ × ٢ × ١.٥ ميل في مكان ما بالولايات المتحدة، جزيء واحد مكون من الكربون فقط، بأكثر من ١٠٠ ألف ذرة كربون بكثير.) إننا لا نعرف حتى طريقة لإحصاء عدد الجزيئات التي تحوي ذرات الكيمياء العضوية بحد أقصى ١٠٠ ألف ذرة للجزيء؛ لكن يسهل علينا إدراك أن الكون لم يكن ليملك الوقت الكافي لصنعها كلها.
 

تتكون البروتينات من سلاسل من الحمض الأميني تجمع بينها روابط ببتيدية. هناك ٢٠ نوعا من الأحماض الأمينية في الأحياء المتطورة. والطول النموذجي للبروتين يبلغ نحو ٣٠٠ حمض أميني، وقد يبلغ طول بعضه بضعة آلاف من الأحماض الأمينية. فكم عدد البروتينات الممكنة بطول ٢٠٠ حمض أميني؟ حسنا؛ هناك ٢٠ اختيارا لكل واحد من المئتي موضع، فإما 20200 أو 10260 بروتين ممكن بطول ٢٠٠ حمض أميني. وذلك فرع صغير من أنواع جزيئات ذرات الكيمياء العضوية ذات الـ١٠٠ ألف ذرة لكل جزيء.
 

يبلغ عمر الكون ١٣.٧ مليار عام، يحوي ما يقرب من 1080 جسيم. وأسرع مقياس زمني في الكوكب هو زمن بلانك (10-43 ثانية). فلو كان الكون لا يفعل شيئا سوى استخدام ال1080 جسيم على التوازي ليصنع بروتين بطول ٢٠٠ حمض أميني، لا تستغرق كل محاولة منها سوى دقيقة بلانك، لاحتاج إنتاج كل البروتينات الممكنة بطول ٢٠٠ حمض أميني لمرة واحدة فقط إلى 1039 ضعف عمر الكون! فما بالك لو تكلمنا عن ذرات الكيمياء العضوية، أو الأنواع الجزيئية التي قوامها ١٠٠ ألف ذرة من ذرات الكيمياء العضوية. نحن لا نملك أدنى فكرة عما سيستغرقه صنعها جميعا من زمن مهول قوامه أضعاف مضاعفة عمر الكون الذي نعرفه.

بسبب طبيعة هذا الكون المبدعة، وبسبب وجودنا فيه، لن نعرف شيئا عما سينتجه تعاونّا معه مسبقا

مواقع التواصل الإجتماعي

إن لما قلته -في ظني- أهمية كبيرة. فبعد الحديث عن بروتين بطول ٢٠٠ حمض أميني، وعن جزيئات ذرات الكيمياء العضوية قوامها ١٠٠ ألف ذرة أو أقل للجزيء، يصبح من الجلي أن الكون لن ينتجها جميعا أبدا. والتاريخ يكتب حينما يكون فضاء الممكن أكبر بكثير مما يمكن حدوثه بالفعل.
 

النقطة التالية بسيطة وواضحة: فكر في كل جزيئات ذرات الكيمياء العضوية التي يمكن إنتاجها من ذرة؛ بل ذرتين، بل ثلاث، بل أربع، بل "س"، بل ١٠٠ ألف ذرة لكل جزيء. إن فضاء الجزيئات الممكنة يتسع بشدة مع تغير عدد الذرات. وليكن الفضاء الطوري لجزيئات ذرات الكيمياء العضوية

إن حلمنا هو التنوع: طرق جديدة لمعايشة بشريتنا، بينما الثلاثون حضارة -أو يزيد- التي تقطن عالمنا تنحني سويا بنعومة ورقة إجلالا لجذورها، مفسحة الطريق أمام التغيير

المكونة من عدد "س" من الذرات، هو الاسم الذي سنطلقه على فضاء الجزيئات الممكنة من عدد "س" ذرة من ذرات الكيمياء العضوية. وهذا الفضاء الطوري ينمو بمعدل هائل مع زيادة المتغير "س". بناء على ذلك، نقول إنه على مدار عمر الكون، كلما زاد المتغير "س"، صارت دراسة هذا الفضاء الطوري أكثر صعوبة مما قبل. وسينتج الكون كل جزيئات ذرات الكيمياء العضوية ذات الذرتين؛ لكن ليس الجزيئات ذات المئة ألف ذرة.
 

لا سبيل إلى دراسة هذه الأبحاث بصورة حتمية. وهكذا تفشل الاختزالية المادية هنا، في قلب الفيزياء الكلاسيكية. يفشل العلم، ويفشل العقل؛ لتفتح الأبواب المطلة على المستقبل. هكذا قد نشرع أخيرا في التحرر باعتبار أننا بشر يقطنون كونا بديعا، ويتعاون بعضنا مع البعض ومع الطبيعة؛ لكن بسبب طبيعة هذا الكون المبدعة، وبسبب وجودنا فيه، لن نعرف شيئا عما سينتجه هذا التعاون مسبقا.
 

إذن ماذا سيرشدنا؟ قد يكون دليلنا بنية أسطورية تأسيسية جديدة، تعكس كامل حيويتنا: بشرية في كون بديع، بمحيط حيوي وفردانية، وحيوات اجتماعية في صيرورة مستمرة نعيشها حتى نخبرها تماما. إن حلمنا هو التنوع: طرق جديدة لمعايشة بشريتنا، بينما الثلاثون حضارة -أو يزيد- التي تقطن عالمنا تنحني سويا بنعومة ورقة إجلالا لجذورها، مفسحة الطريق أمام التغيير؛ ليكشف برفق عما يخبئه لنا. إن حضارتنا العالمية تنتظرنا لنحيكها، ونخوض معركتنا -كما قالها إيمانويل كانت- ضد ضلع إنسانيتنا الأعوج.

______________________________________________________________

المادة مترجمة عن: الرابط التالي

تقارير متصدرة


آخر الأخبار