انضم إلينا
اغلاق
دليلك للسفر بين المجرات

دليلك للسفر بين المجرات

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

في الجزء الأول1 من هذا التقرير تعلمنا بعض النقاط الهامة المرتبطة بأهداف التلسكوبات الصغيرة، فهناك القمر، والشمس، والنجوم المزدوجة وبعض الكواكب؛ لنستكمل رحلتنا الطويلة للغوص في أعماق مجرتنا الغالية -درب التبانة- واستكشاف ما بها من سدم وتجمعات نجمية، ثم بعد ذلك السفر لبعض أقربائنا من المجرات، كل ذلك -فقط- بتلسكوب 4 إنشات!

 

سدم ملوّنة
دعنا في البداية نوضح أن السدم الملوّنة التي تراها على الويب هي صور تم العمل عليها كثيرا قبل أن تصل إليك؛ بينما سوف تراها باللون الأبيض والأسود في التلسكوب؛ لكن ذلك لا يمنع أن أحد أجمل الأشياء التي يمكن لك إيجادها بتلسكوب بسيط؛ هي تلك السحب النجمية الصغيرة التي لا يمكن لك بتلسكوب بسيط الحصول على الكثير منها، لكن البعض الممكن منها يمثل رحلة سماوية خاصة.

 

لاشك أن أفضل بداية ممكنة هي مع سديم الجبار (Orion Nebula)، أشهر سدم سماء الليل، والذي يمتد بمساحة 12 سنة ضوئية تقريبا، من حسن الحظ أننا قمنا في تقرير سابق2 بعمل تشريح سماوي مركز للكوكبة كاملة وسديمها الألمع الذي -ربما- تتمكن من رصده مباشرة بعينيك في ليلة حالكة؛ لذلك سوف نتجاوز الحديث عنه و ننطلق لمجموعة أقل لمعانا.

 

سديم الخاتم، يتواجد تقريبا في منتصف المثافة بين نجمي القيثارة بيتا وجاما (مواقع التواصل)

 

السدم هي سحب من الغاز والغبار البين نجمي، قد تكون هي موضع ميلاد النجوم؛ حينما تكون غنية بالهيدروجين الذي يسمح بأن تبدأ النجوم حياتها -مثل الجبار- وقد يكون موضع موت النجوم؛ حيث تعتبر السدم الكوكبية هي بقايا نجم عملاق أحمر نفض عن ذاته أغلفته الخارجية في آخر عمره ورقد كقزم أبيض في منتصفها، وقد تكون بقايا مستعر أعظم انفجر قبل آلاف السنين، مثل سديم السرطان (Crab Nebula).

 

لننتقل إلى سديم الخاتم من الكوكبة الشهيرة "القيثارة" (lyra)، وهو واحد من أهم أهداف التلسكوبات الصغيرة، يظهر مثل سحابة بيضاوية خفيفة وصغيرة بين النجمين بيتا وجاما من الكوكبة، يمكن لتلسكوب صغير أن يضم النجمين معا في مجال رؤيته، وبذلك يكون من السهل إيجاد السديم، يعد سديم الخاتم هو الهدف الأسهل في الصيف، أما في أغسطس فسوف تكون الفرصة مناسبة للغاية للتعرف على سديم الدمبل (Dumbbell nebula) وهو واحد من ألمع السدم الكوكبية بسماء الليل.

 

سديم دمبل (مواقع التواصل )

يقع سديم الدمبل بكوكبة الثعلب (Vulpecula)، ويبتعد عنّا حوالي 3500 سنة ضوئية؛ أي أننا نشاهد الآن ما حدث عليه منذ 3500 عام، يمكن الوصول لمكانه بسهولة؛ عبر استخدام النجم الألمع في تلك المنطقة (Alberio) الذي فتحنا بابا للحديث عنه في التقرير السابق، فهو نجم مزدوج شهير، تحت ألبيريو مباشرة سوف تتعرف على نجمي الثعلب وأسفلهما يوجد السديم الذي سوف يظهر كأنما هو "تفاحة مأكولة"، في الحقيقة سوف يكون من الصعب قليلا التعرف عليه، لكن مع بعض الجهد سوف تجده، وربما تكون أحد أصعب وأجمل رحلات البحث السماوية بالنسب لتلسكوب صغير.

سديم الإسكيمو (الجزيرة)

مجموعة أخرى من السدم سوف تجدها في الجدول المرفق، تتميز جميعها بأن لها قدرا ظاهريا يسمح بأن تكون هدفا لتلسكوب صغير، بعد الدمبل والخاتم والجبار قد تود أن تضع أيا منهم في خطتك، في كل الأحوال سوف تود أن تحصل مع تلسكوبك الصغير على أطلس مناسب لسماء الليل، في تلك الحالة أرشح لك (Pocket Sky Atlas) التابع لدورية (Sky&telescope) الشهيرة، سوف تجده على الويب مع بعض البحث، والأطلس المجاني(3Taki's 8.5)، كذلك أنصحك بإلقاء نظرة على الكتاب الممتع )(4Nebulae and how to observe them)، التابع لدار (Springer) والمفتوح مجانا في مصر.

بعض تلك السدم موجودة في نصف الكور الجنوبية، يمكن لك التعرف عليها عبر الأطالس المشار إليها بالأعلى أو عبر البحث في برنامج Stellarium المجاني (الجزيرة)

 

تجمعات النجوم
تعد التجمعات النجمية المفتوحة (5Open Clusters) -على عكس صديقتها المغلقة- هي الهدف البين نجمي الأسهل على الإطلاق؛ بل إن بعضها -كالثريا والقلائص في كوكبة الثور- يمكن رؤيته بالعين المجردة، والبعض الآخر يمكن اصطياده عبر نظارة معظمة صغيرة، لذلك يجب أن تضع في خطتك مكانا واسعا لها، خصوصا أنها واحدة من أروع المشاهد السماوية، التجمعات /العناقيد المفتوحة هي تجمع لمجموعات النجوم صغيرة السن التي خرجت من نفس السحابة بعد أن أصبحت أطفالا، بعد فترة من الزمن سوف تنفصل عن بعضها البعض.

الثريا كما تظهر بعد صور التعريض الطويل، هل تلاحظ بقايا السحابة النجمية؟ (ناسا)

 

دعنا نبدأ بالثريا (Pleiades)، رائعة كوكبة الثور (Taurus)، تلك التي تصورتها العرب قديما كفتاة جميلة ترغب في زوج غني؛ بينما وقع الدبران الفقير في حبها، وظل يجري في أثرها للأبد، يمكن لتلسكوب صغير أن يرى تجمع الثريا كاملا ضمن مجال رؤيته، سوف يظهر التجمع كمجموعة ضخمة من اللآلئ تميز منها ثمانية نجوم واضحة يمكن التعرف على أسمائها من أي أطلس، يتكون التجمع من نجوم شابة زرقاء ساخنة، حوالي 400 نجم، تكونت كلّها في نفس الوقت تقريبا من سحابة جزيئية واحدة قبل حوالي مئة مليون سنة، مع تلسكوب بنظام تتبع يمكن لك تمييز بقايا تلك السحابة حول نجومها.

 

ربما يكون التجمع الأقرب لي وللكثيرين من الهواة هو تجمع القفير (Beehive) في كوكبة السرطان (Cancer)، وذلك لأن نجومه تتخذ شكلا متميزا حينما تنظر ناحيتها بتلسكوب صغير، يبتعد السديم عنّا حوالي 500 سنة ضوئية، وهو بذلك يعد من أقرب التجمعات لنا يقع في قلب الكوكبة، وكثيرا ما يقترن مع القمر، يمكن استغلال ذلك كفرصة للتعرف على مكانه ثم محاولة اصطياده في وقت لاحق، تتجمع نجوم السديم الأضخم والأكثر كثافة في مركزه بينما تقع النجوم الأقل كتلة في الأطراف، يحتوي التجمع على ما يقرب من 1000 نجم بقطر 22 سنة ضوئية تقريبا. في 2012 تم اكتشاف كوكبين يدوران حول نجمين في هذا القفير، نجمين كالشمس تماما !

تجمع القفير كما يظهر في تلسكوب صغير (ناسا)

آخر ضيوفنا في التجمعات المفتوحة6، هو التجمع النجمي المزدوج أعلى كوكبة برشاوسPerseus) ، NGC 869 + 884)، يتكون من 2 تجمع نجمي مفتوح، يمكنك الوصول له بكل سهولة بالنظارة المعظمة وسوف تكون الصورة أكثر روعة مع التلسكوب الصغير، سوف يكون ممتعا أن تحاول التعرف على التجمع الأكبر عمراً بينهما،  نعم، عبر ملاحظة أن التجمع القريب لبرشاوس يحتوي على 3 نجوم حمراء، إنهم عمالقه حمر، إنهم عواجيز النجوم، في حين لن تلاحظ أية نجوم حمراء في التجمع الآخر، إن نجومه صغيرة في السن. قبل الرحيل دعنا نشير إلى أن التجمعات النجمية 36، 37، 38 الموجودة في كوكبة ممسك الأعنة (Auriga) هي هدفك التالي بعد الثريا والقفير وتجمع برشاوس.

 التجمع المزدوج من برشاوس، هل لاحظت أي التجمعين أكبر في السن؟ (مواقع التواصل)

لننتقل إلى التجمع العنقودي الوحيد الذي يمكن لنا رصده بتلسكوب صغير، التجمعات العنقودية Globular clusters  تضم عددًا مهولًا من النجوم المكدسة، تبدأ من عشرات وقد تصل إلى مئات الآلاف من النجوم في التجمع الواحد، ربما يصل قطر التجمع الواحد إلى160  سنة ضوئية، لا تقع تلك التجمعات ضمن المجرة نفسها؛ لكنها تنتشر في هالة المجرة، التجمعات العنقودية من أقدم الأجرام في الكون، ربما أقدم من بعض المجرات، حينما تلقي نظرة على تجمع عنقودي خلال تلسكوب ما فأنت تنظر الآن لشيء قدمه من قدم الكون نفسه، ألا يدعو ذلك للفضول؟!

 

التجمع M13 هو الأوضح في نصف الكرة السماوية الشمالي، وهو دائما هدف جيد للتلسكوبات المتوسطة، لا تستطيع التلسكوبات تحت 6 إنش تحديد شكل التجمع بوضوح؛ بل يظهر كغمامة خفيفة. سنة 1974 أرسل مرصد أريسيبو ببورتوريكو رسالة راديوية تجاه التجمع، تضم الرسالة معلومات عن الـ DNA البشري، والأعداد الذرية في الذرات، وموضع الأرض بالنسبة للمجموعة الشمسية، هذه الرسالة لم تصل له بعد!

تجمع هرقل، في التلسكوبات الصغيرة لا تظهر نجوم التجمع و إنما ترى فقط غمامة خفيفة دائرية. (الجزيرة)

 

مجرات عظيمة
المجرات بالطبع7، بسبب بعدها الشديد عنّا، سوف تكون أصعب أجرام السماء العميقة DSO's في الرصد بالنسبة لتلسكوب صغير، بالفعل هي كذلك؛ لكن ذلك لا يمنع أن يكون بعضها هدفا سهلا للتلسكوبات الصغيرة، لنبدأ بالصديق الأشهر للهواة، إنها الجارة أندروميدا.

 

مجرة أندروميدا هي واحدة من أشهر أهداف المبتدئين بتلسكوباتهم الصغيرة، يمكن العثور عليها بسهولة عبر اتباع نجوم الكوكبة Andromeda  المرأة المسلسلة، أندروميدا هي أكبر مجرات التجمع المحلي في الحجم، تليها درب التبانة ثم مجرة المثلث، المجرة تبتعد عنا 2.5 مليون سنة ضوئية، بقطر يصل إلى 260 ألف سنة ضوئية، وتحتوي على ما يقرب من تريليون نجم، ويُعتقد أنها ظهرت نتيجة تداخل مجرتين معًا قبل 5 مليارات سنة. تقترب أندروميدا منا بمقدار 100-140 مترًا في الثانية!، حيث سوف تصطدم بمجرتنا بعد 4 مليارات سنة، ربما قد نكون موجودين لنشهد ذلك اللقاء الملحمي. جدير بالذكر أن مجرة المثلث هي الأخرى سوف تنضم للاحتفال ليصنعوا ثلاثتهم مجرة واحدة عملاقة.

 

استخدم الأطالس المرفقة بالأعلى لتحديد موقع أهدافك، وبالجدول المرفق يمكنك أن تبدأ بمجموعة من أسهل الأهداف للهواة

في الحقيقة، ويمكن تطبيق تلك الفكرة على باقي الأجرام الملونة في جزئي هذا التقرير، أنت لن ترى مجرة أندروميدا بهذا الشكل المهيب الذي تبينه صور الويب، فتلك صور تمت معالجتها حاسوبيا ونتجت عن تعريض طويل أثناء التصوير؛ لكنك سوف تراها كسحابة خافتة ممتعة.

 

لننتقل الآن إلى مجرتين غاية في الروعة يمكن اصطيادهما عبر تلسكوب صغير، الأولى هي مجرة المثلث، في كوكبة المثلث (Triangulum)، إنها ثاني أبعد مجرة عن درب التبانة، فقط 3 ملايين سنة ضوئية، وهي مجرة حلزونية تمثل ثالث أكبر مجرات المجموعة المحلية، سبب صعوبة رصدها هو رقّة انتشارها.

 

أما عن الثنائي الشهير (M81 وM82) في مجرة الدب الأكبر (Ursa Major) فسوف يمثل قمة التحدي لك، لأنه هو ورفاقه أصحاب القدر الظاهري أعلى من 7 إنه تحدٍّ غاية في الصعوبة على تلسكوب بقطر 4 أو 5 إنشات، أتذكر جيدا أن اصطياد مجرتي الدب الأكبر هنا كان التحدي الأصعب لي مع تلسكوبي الـ 5 إنش، سوف يكون ذلك أشبه بالفوز في أصعب مراحل لعبة (Call Of Duty). استخدم الأطالس المرفقة بالأعلى لتحديد موقع أهدافك، وبالجدول المرفق يمكنك أن تبدأ بمجموعة من أسهل الأهداف للهواة.



المجرتان M81 وM82 كما تظهران من تلسكوب صغير بعد تعريض طويل، سوف تراهما كذلك؛ لكن أكثر خفوتا بعينيك المجردتين (مواقع التواصل)

 

حسنًا، انتهت رحلتنا في سماء الليل مع تلسكوب صغير، يمكن لك دائما العودة إلى هنا وطباعة التقرير أو طباعة قوائم الأجرام المناسبة لتلسكوبك، سوف يكوّن ذلك مع أطلس متوسط بجانب تلسكوب ومصباح يدوي أحادي اللون مع عدستين عينيتين بقيمة 17 و32 وبعض الرفقة الطيبة ربما، سوف يمثلون معا أدوات مثالية لليلة رصد ساحرة، ربما تنزل بعدها للمنزل بقدر أكبر من الهدوء، فكما أقول عادة، إن التعلم عن سماء الليل هو نوع من السلام الذي يحلو بالرفقة، نوع من الهدوء الذي تنشده، إن أعلى المنزل ليلاً مع سماء صافية ومجموعة أدوات بسيطة تكلمنا عنها منذ قليل هو أفضل مُنتجع ممكن، نعم، بإمكان متابعة سماء الليل أن تجعل نهارك التالي أفضل.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار