انضم إلينا
اغلاق
كيف نقيس سرعة الضوء؟

كيف نقيس سرعة الضوء؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

لا شك أن تلك مشكلة كبيرة بالنسبة لإدراكنا البديهي. إن سرعة الضوء هي تقريبًا 300 ألف كم/ثانية، كيف يمكن لنا أن نقيس شيئا بهذه السرعة المهولة، والتي يمكن لك أن تدور بها حول الأرض سبع لفات ونصف في ثانية واحدة؟، ما بالك أن تعرف أن أوائل تلك المحاولات الناجحة لقياسه كانت بعصر لم تكن فيه أي من تلك التقنيات الليزرية النانوية موجودة، لم تكن الكهرباء نفسها موجودة، أليس ذلك غريبا؟

 

حاول "جاليليو جاليلي" في أوائل القرن السابع عشر أن يحدد سرعة الضوء، فأرسل بشخصين يحمل كل منهما مصباحا على مسافة ميل من بعضهما البعض، ثم بعدها يعطي أحدهما للآخر إشارة بالمصباح، وعلى الثاني بمجرد رؤيتها أن يرد بإشارة أخرى، وهكذا بانتظام، ثم قام "جاليليو" بحساب الزمن المنقضي بين إطلاق أحدهما الإشارة واستجابة الآخر، واضعا في الاعتبار معامل الخطأ البشري؛ ليرى أن الفارق ثمة كان واضحا؛ وهو الفارق الذي أخذه الضوء ليقطع مسافة ميل كامل، لكن التجربة بالتأكيد باءت بالفشل.
 

مواعيد خسوف قمر المشتري تتغير عن الموعد المحسوب لها بتغير بُعد الأرض عن المشتري أثناء دورانهما حول الشمس؛ فتكبر المسافة التي بينهما عندما تكون الأرض أبعد ما يمكن عن المشتري، وتصغر عندما تكون الأرض أقرب ما يمكن من المشتري.

فالضوء يقطع تلك المسافة في جزء من مئة ألف جزء من الثانية وهو أمر لا يمكن ملاحظته بالعين المجردة، هنا سجل "جاليليو" أن سرعة الضوء أكبر من أن تقاس بتجربة كتلك، ربما هي أكبر بـ10 مرات من سرعة الصوت، لم تمر أربعون عاما أخرى حتى جاء "أولي رومر" بتجربة غاية في الذكاء.

 

بين تلسكوبي رومر وبرادلي
في القرن السابع عشر كانت إحدى المشكلات تتمثل في تحديد توقيت مناسب يمكن لكل البحارة أن يتفقوا عليه حتى تنتظم رحلاتهم معا، لم تكن هناك ساعات أو أي أدوات تمكنهم -في البحر- من قياس الوقت، هنا تدخل "أوول رومر" الفلكي الدنماركي ليبني على توقعات "جاليليو" القائل إنه يمكن لنا استخدام خسوف أقمار المشتري المنتظم بدقة في قياس الزمن، وكانت تلك فترة يمكن للبحارة أثناءها استخدام التلسكوبات الصغيرة، وتحديد لحظة دخول أحد أقمار المشتري -آيو IO مثلا- في منطقة الخسوف بدقة، لكن ظهرت مشكلة.

 

لاحظ رومر1 أن مواعيد خسوف قمر المشتري تتغير عن الموعد المحسوب لها بتغير بُعد الأرض عن المشتري أثناء دورانهما حول الشمس؛ بحيث يتحدد الفارق في المدة من خلال مسافتهما من بعضهما؛ تلك المسافة التي تكبر عندما تكون الأرض أبعد ما يمكن عن المشتري، وتصغر عندما تكون الأرض أقرب ما يمكن من المشتري، وحين تكون الأرض في الوسط؛ يصبح الفارق وسطاً بين الحسابين، بذلك يصعب على البحارة استخدام تلك الفكرة لتحديد نظام التوقيت الخاص بهم، فأهملها الجميع، لكن "رومر" استمر في الرصد.


توصل "رومر" هنا إلى فكرة بسيطة تقول إنه: ربما المشكلة ليست في حركة القمر "آيو" أو في ظل المشتري، لكن المشكلة أن للضوء سرعة محددة، وبذلك يحتاج وقتا أطول للوصول للأرض حينما تكون بعيدة عن المشتري، قام "رومر" بعمل معادلاته لكنه ارتكب خطأ في حساب التغير في الموعد، فسجل سرعة الضوء على أنها 200 ألف كيلومتر في الثانية، إنه فارق ضخم بالفعل لكن طريقة "رومر" نفسها دقيقة للغاية ومع حسابات مضبوطة يكون الناتج دقيقا، في كل الأحوال نحن على بعد 50 عاما من تجربة أكثر دقة.

 

التزيّح Parallax هو تغير ظاهري في موقع الشيء الذي نرصده بسبب تغير موقعنا نحن، كأن تلاحظ أن الشمس أثناء الغروب توجد تماما فوق مئذنة البلدة، ثم تتحرك بسيارتك للأمام مسافة ما، وتنظر للشمس فتجدها الآن فوق منزل أحد الأصدقاء. حينما تدور الأرض حول الشمس يكون قطر مدارها حوالي 300 مليون كيلومتر، مما يتسبب في انحراف لمواقع النجوم التي نرصدها بالنسبة لنقطة ثابته، فإذا رصدنا نجما خلال الصيف ثم عدنا ورصدناه خلال الشتاء سوف نجد أن موقعه قد تغير أو "تزيح"، كلما كان النجم قريبا كان التزيح واضحا.

 

سنة 1728 بينما كان جيمس برادلي2، الفيزيائي البريطاني، يحاول قياس تزيّح النجم "جاما التنين" من كوكبة التنين اكتشف وجود مشكلة غريبة في القياسات، فقد تحرك النجم في السماء خلال الرصد في شكل بيضاوي كبير بقطر 41 ثانية قوسية؛ بل إن قياسات لمجموعات أخرى من النجوم تسببت في نفس النتائج، الجميع يتحرك بنفس الشكل، ولم يكن من الممكن أن تكون النجوم بهذا القرب أو أن تكون كلها بجانب بعضها.

يشبه الأمر أن تقف تحت المطر، سوف توجه المظلة للأعلى تماما، أما إذا كنت تجري فسوف يبدو المطر مائلا وسوف توجه المظلة للأمام حسب سرعتك، هنا يمكن حساب ميل المظلة وقياس سرعة المطر بالنسبة لسرعتك (الجزيرة)


ظل "برادلي" في حيرة من أمره حتى اكتشف أثناء رحلة في نهر التايمز بجنوب إنجلترا أن المشكلة ربما لا علاقة لها بموضوع التزيح، لكن المشكلة لها علاقة بسرعة دوران الأرض فقط؛ وليست المسافة التي قطعتها، لنفهم ذلك دعنا نتخيل أن هناك قطارا متوقفا تحت المطر، حينما تنظر من النافذة سوف تجد أن المطر يسقط بشكل رأسي تماما، أما إذا تحرك القطار فسوف ترى من النافذة المطر كأنما يسقط مائلا، وكلما ازدادت سرعة القطار كلما ازداد الميل الظاهري للمطر، ذلك -إذن- هو ما يحدث حينما نحاول رصد النجوم، فإن الضوء الساقط منها بشكل رأسي على الأرض لا يظهر رأسيا؛ لأن الأرض تتحرك، هنا تمكن "برادلي" من خلال استخدام حساب المثلثات في قياس زاوية ميل شعاع الضوء القادم من النجم أن يعطي تقديرا يقترب كثيرا من الدقة لسرعة الضوء، 301 ألف كيلومتر في الثانية!

 

لنعد إلى كوكب الأرض
حسنا، لنعد إلى الأرض، لقد كانت طريقة "جاليليو" صحيحة؛ لكن المسافة بين الشخصين كانت ضعيفة للغاية، لذلك مكنتنا المسافات الكبيرة بين الأرض والمشتري أو النجوم في عمق الخلفية السماوية من قياس سرعة الضوء بطريقة أسهل، لكن بحلول القرن التاسع عشر أعطتنا المحركات فرصة مختلفة لقياس سرعة الضوء، بدأت من عند "أرماند فيزو" الفيزيائي الفرنسي.


كانت فكرة فيزو3 بسيطة، مصدر للضوء يطلق شعاعا ضوئيا تجاه مرآة على بعد ثمانية كيلومترات ليضرب مرآة وينعكس مرة أخرى للمصدر، لكن في طريق شعاع الضوء سوف نضع عجلة ذات تروس تدور بواسطة موتور قوي، هنا -في أثناء عودته- قد يمر الضوء بين فتحات التروس وقد يصطدم بالجزء الصلب منها وبذلك لن يعود مرة أخرى للمصدر، هنا يقوم "فيزو" بضبط سرعة الموتور؛ بحيث يمر الشعاع الضوئي بين أحد التروس للمرآة ثم في طريقه للعودة يمر بالفتحة التي تليها، هنا يمكن قياس المسافة بين الفتحتين، وسرعة اللف، وبذلك نتمكن من قياس سرعة الضوء، وحسبها "فيزو" بقيمة 313 كم/ث بفارق 4% تقريبا عن النتيجة الدقيقة.

 

بطريقة مشابهة، أجرى الفيزيائي الأمريكي ألبرت مايكلسون4 سنة 1920 تعديلات غاية في الدقة والأهمية على تجربة فيزو، فأضاف -بدلا من عجلة ذات الأسنان- مرآة ثمانية الأوجه تدور بسرعات مختلفة، على مسافة 35 كم، لتعكس شعاع الضوء من مصدر إلى مستقبل في الجهة المقابلة، وبحساب سرعة دوران المرآة استطاع فريق "مايكلسون" قياس سرعة الضوء بفارق طفيف عن القيمة المعروفة لها، فلقد توقع أنها 299,796 مضافا إليها أو مطروحا 4 كيلومترات.


سرعة الضوء في المنزل
أما الصورة الحديثة عن سرعة الضوء فلقد تطورت بسبب الحرب العالمية الثانية مع حاجتنا لقياسات دقيقة تحدد سرعة الضوء كي نستطيع ضبط راداراتنا، وإرسال الشفرات إلى الطائرات والغواصات في أعماق الأطلنطي، كان مركز تلك القياسات هو تجربة الفيزيائي البريطاني لويز أيسن5 حينما صنع موجة راكدة عبر تمرير موجتي ميكروويف لهُما نفس التردد والسعة، لكنهما متضادتان في الاتجاه، بداخل مساحة محددة 8 ميكرون، وتمكنت تلك التجربة من تحديد قراءة دقيقة لسرعة الضوء بلغت 299,792.5 كم/ساعة، لكي تفهم طريقة "أيسن" بشكل أفضل يمكن لك تنفيذ نفس التجربة في المنزل.


كل ما تحتاجه هو جهاز ميكروويف، أزل منه الطبق الدوار، وضع بطول الميكروويف قطعة شيكولاتة طويلة، ثم أدر الجهاز لمدة دقيقة واحدة، ما سوف يحدث هو أن موجات الميكروويف هي موجات راكدة، تهتز فقط لأعلى ولأسفل في نفس المكان، في منطقة العقد بين الاهتزازات تكون طاقة الموجة أقل ما يكون، بينما تكون أعلى ما يكون في مناطق الموجات؛ لذلك حينما تخرج قطعة الشيكولاتة سوف تجد على سطحها مجموعة من النقاط التي انصهرت، والنقاط الأخرى التي لم تبدأ في الانصهار بعد.


الآن قم بحساب المسافة بين نقطتين منصهرتين على سطح قطعة الشيكولاتة، تلك هي نصف طول الموجة، يمكن بعملية حسابية بسيطة أن تضرب تلك القيمة في 2 للحصول على طول موجة كاملة، ثم بعد ذلك قم بضرب تلك القيمة في تردد الجهاز خاصتك -مدون في خلفية كل جهاز- وسوف تحصل على سرعة الضوء بشكل دقيق جدا، في المنزل!

 

ربما بعد تلك التجربة الأخيرة سوف يتضح لك الهدف الضمني لهذا المقال، للوهلة الأولى يبدو موضوع قياس سرعة الضوء أمرا غاية في الصعوبة، ويحتاج لمسافات ضخمة للغاية، لكن العلم يلعب دائما بطرق غير مباشرة، يدفعنا المنهج العلمي لابتكار طرق مختلفة تتحايل على ما يبدو مستحيلا فتنحي جزء الاستحالة جانبا، وتقتبس بعض الضوء من الممكن، في تجربة "فيزو" مثلا أبدلنا سرعة الضوء بسرعة دوران أسنان العجلة، وفي تجربة أيسن اعتمدنا قياس طول موجة راكدة واحدة، وها نحن نقيسها عبر قطعة شيكولاتة في المنزل، فقط لأن هناك قانونا ما يساعدنا على تحويل أشياء صعبة، لأخرى أسهل كثيرا، بمذاق رائع أيضا!

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار