انضم إلينا
اغلاق
هل اكتشفنا أقدم حفرية في التاريخ لشيء حيّ؟

هل اكتشفنا أقدم حفرية في التاريخ لشيء حيّ؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
يُعد السؤال عن "متى" و"كيف" بدأت الحياة على كوكب الأرض واحدًا من أكبر وأشهر الأحاجي في تاريخنا، إنه مجال بحث تجريبي نشط يحاول العلماء من نطاقات علمية مختلفة أن يقدموا حلول تقريبية لتلك الأسئلة الخاصة به، لكن في تلك الأثناء ترتفع درجة اندهاشنا مع كل اكتشاف يؤكد أن الحياة على الأرض ظهرت في وقت أقدم مما كنّا نعتقد.
 

منذ أيام قليلة، أعلن فريق من الباحثين، بقيادة الدكتور دومينيك بابينيو أستاذ الجيوكيمياء وعلم الأحياء الفلكي بقسم علوم الأرض في مركز لندن لتكنولوجيا النانو التابع لكلية لندن الجامعية عن اكتشافهم لما قد يكون "أقدم حفرية دقيقة على وجه الأرض" لكائنات دقيقة عاشت على الأرض قبل مدة تتراوح بين 3770 مليون سنة على الأقل و4280 مليون سنة، وتغذّت على الحديد، يشير ذلك إلى أن الحياة ربما ظهرت على الأرض بعدة عدة ملايين من الأعوام فقط من تشكّلها.

أحد العينات التي تحصّل عليها دومينيك ورفاقه


خلال التصوير الليزري للعينات تمكنا من التعرف على أعمار تلك الحفرية الدقيقة، لقد كانت أقدم حفرية على وجه الأرض" يقول
1 ماثيو دود، المؤلف المساعد للورقة البحثية المنشورة حديثا في دورية ناتشر في نشرة كلية لندن الجامعية مستكملا "يبلغ قطر تلك الحفرية نصف قطر الشعرة الآدمية".

منافس مائية حرارية

وجد الفريق البحثي تلك الحفريات في أثناء دراستهم لطبقات من "الكوارتز" بحزام نووفواجيتوك الفوق قشري (Nuvvuagittuq Supracrustal Belt) الموجود بطول ستة كيلومترات على شاطئ خليج هدسون، منطقة كيوبك، بكندا، حيث من المعروف أن هذا الحزام الصخري يحتوي على مجموعة من أقدم الصخور الرسوبية في العالم، تلك التي تحتوي على منافس مائية حرارية (Hydrothermal Vents) غنية بالحديد تقع في عمق البحر.
 

المنافس المائية الحرارية هي  فتحات  تشبه مداخن المصانع تتواجد في قاع المحيط وتنفث المياه المعدنية الحارة إليه، تحتك تلك المياه في أثناء حركتها بالصخور فتتحول لسائل غني بالمعادن، تسمح تلك الظروف الديناميكية الدافئة الغنية بالمعادن  للحياة بأن تستمر، يدعم ذلك الاكتشاف إذا الفرضية -التي ظهرت لأول مرة على يد الكيميائي الألماني الشهير جونتر فانترشاوزر- القائلة أن الحياة الأولى على الأرض نشأت وتطورت في منافس بحرية حرارية معتدلة الحرارة بعيدة عن الشمس، أقل من 160 مئوية، بعد مدة ليست بكبيرة من نشأة الأرض نفسها، معترضة بذلك طريق الفرضية القائلة أن الحياة نشأت في بيئات ضحلة مشمسة.

منافس مائية حرارية

يقول الدكتور دومينيك بابينيو أن "هذه الحفريات الدقيقة التي اكتشفناها أقدم في العمر بحوالي 300 مليون سنة من تلك التي تصورنا قبلا أنها أقدم حفرية دقيقة، هذه الصخور الرسوبية التي اكتشفنا الحفريات بها ذات عمر يصل على الأقل لـ 3.7 مليار سنة ويعتقد بعض العلماء أن أعمارها تصل إلى 4.2 مليار سنة".
 

في الحقيقة كانت أقدم حفرية دقيقة معروفة قبل اكتشاف الفريق الآخير بعمر 3460 مليون سنة في غرب أستراليا، لكن الورقة البحثية الأخيرة لا توفر فقط ما نعتقد الآن أنه أقدم حفرية دقيقة على وجه الأرض، بل تقدم أيضا دعما تجريبيا يميل ناحية التأكيد على أنها آثار لكائنات حية وليست مجرد تشكلات صخرية.

 

حيث تشير الورقة البحثية2 إلى أن هذه الهياكل ميكرومترية الحجم قيد الدراسة تواجدت على شكل خيوط وأنابيب دقيقة من الهيماتيت، تلك الهياكل تمتلك أشكال وتجمعات معدنية مماثلة لآثار الكائنات الخيطية الدقيقة التي نتحصل عليها من رواسب المنافس الحرارية المائية الموجودة حاليًا، وتلك الأشكال والتجمعات التي نرصدها في الأحافير الموجودة بالصخور الأصغر سنا والموجودة في النرويج، منطقة البحيرات العظمى شمال أمريكا، وغرب استراليا.

عيّنات تتضمن أنابيب ترجح أماكن البكتيريا

الهيماتيت هو أكسيد الحديد الثلاثي، كالصدأ الذي نعرفه، يتخذ معدن الهيماتيت عدد من الألوان، فقد يكون أسود اللون، رمادي مائل للفضي، بنّي، أحمر بنّي أو أحمر. تتواجد مثل تلك البيئات الغنية بالحديد في المنافس المائية الحرارية الموجودة في قاع المحيطات، يُعتقد أنه -في عدم وجود ضوء الشمس- تنفسّت تلك الصور الأولى من الحياة الحديد وتغذّت عليه.

 

توجهات معارضة
 في الجهة المقابلة، تشير الدكتورة فرانسيس ويستال3 من مركز الفيزياء الحيوية الجزيئية بمدينة أورليان الفرنسية أن تلك الخيوط التي حصل عليها الباحثون من الصخور بحزام نووفواجيتوك كبيرة جدا، فلقد عملت مع فريقها من قبل على خيوط مماثلة نتجت عن بكتيريا حية لكن الأخيرة كانت أصغر كثيرا في الحجم، ذلك الحجم الكبير -الذي يشير إلى حجم الخلية البكتيرية وقتها- غير مبرر، لأن نقص الأكسجين في ذلك الوقت من عمر الأرض أجبر الخلايا البكتيرية أن تتخذ حجما صغيرا.

 

يجادل البعض أنه من المستحيل لصخور تكونت في تلك الظروف القاسية أن تترك أثرا بهذا الوضوح، وهنا يشير وولتر بليتر من جمعية المسح الجيولوجي بكندا أن مؤلفي تلك الورقة العلمية وضعوا تلك التكهنات الهشّة دونما وعي بجدية الأدلة القوية التي تقع ضد تفسيرهم، في الحقيقة تتمثل صعوبة البحث حول أصل الحياة في تلك النقطة تحديدا، كلما عدنا للوراء في الزمن يصبح من الصعب إيجاد أية دلائل على أي شيء.

وتقارن ويستال بين هذا الادعاء وآخر مشابه لفريق بحثي تابع لناسا في سنة 1990 حينما اعتقد4 فريق علماء تابع لناسا انهم اكتشوا حفريات اتخذت أشكالا تبدو بيولوجية المنشأ في أثناء عملية بحثية بقارة أنتراكتيكا لكن في النهاية تم رفض ذلك الادعاء، يحتاج الأمر لأكثر من ذلك لكي تثبت أن هناك أثر ما للحياة على سطح الأرض تواجد في تلك الأزمنة السحيقة.

 

في كل الأحوال، لازلنا في حاجة للمزيد من الدلائل والتجارب للتأكد من ادعاء باحثينا، لا شك أن ادعاءات بتلك القوة سوف تجد دائما من يقف ضدها في الوسط العلمي، لكن إن صدقت فسوف يفتح هذا الاكتشاف الباب لتساؤلات أخرى لها علاقة بالحياة خارج كوكب الأرض، حيث أن تلك الكائنات الدقيقة تواجدت في فترة غاية في القدم من تاريخ المجموعة الشمسية والتي تواجد خلالها كل من المريخ والأرض في نفس الظروف، مما يقترح أنه قد تكون هناك آثار لتلك الأشكال من الحياة موجودة بالفعل على كوكب المريخ حاليا، تلك الظروف أيضا يعتقد أنها تتواجد تحت سطح "يوروبا" قمر المشترى. 

كان المعتقد قبل الاكتشاف الجديد أنه لا يمكن لنا دراسة أثر الحياة فيما هو أبعد في العمر من 3500 مليون سنة، بسبب كم التغير والتحول الشديد الذي يحدث لتلك الأنواع من الصخور مع الزمن، خاصة مع وجود منافس مائية حرارية حولها، لكن المميز هنا هو تلك الآليات الجديدة التي استخدمها الفريق البحثي في التحقق من إمكانية وجود أثر حيوي في تلك الأشكال الكروية والخيطية، إذا تم التأكد بشكل كامل من صحة تلك الفرضيات فسوف تزودنا بمنهجية جديدة ربما للبحث عن ذلك النمط من الحفريات في أماكن كثيرة بالمجموعة الشمسية، وربما خارجها فيما بعد.

 

إذا كانت نتائج تلك الدراسة صحيحة فإن عدد الأسئلة حول إمكانية نشأة الحياة فقط بعد 350 مليون سنة من تكون الأرض يزداد باطراد، كيف يمكن لتلك المدة القصيرة أن تسمح بنشوء الحياة بهذا الشكل الخلوي المعقد وفي ظروف بتلك القسوة؟ هنا ربما سوف ترجح كفة الفرضية القائلة أن: الحياة ليست بنت هذا الكوكب، لكنها وافدة من مكان آخر في الكون، يدفع ذلك بنا لمحيط واسع من التأمل.
 

ما هي الحياة؟ هذا السؤال الذي أعطاه إيرفن شرودنجر سنة 1944 عنوانا لمحاضرة شهيرة تحولت فيما بعد لكتاب قصير لازال يؤرق الوسط العلمي، كيف نعرّف الحياة؟ إن آخر ما توصلنا إليه يرجح أنها ربما صفة طارئة على أنظمة معقدة تحافظ على حالة من التبديد المستمر للطاقة والمادة، حيث تنزع الأنظمة للانتظام فقط حينما تكون بعيدة عن الاتزان، نجد ذلك أكثر وضوحا حينما ندرس أشكال التكيف قبل البيولوجية للماكينات الجزيئية في الطبيعة، ربما يكون ذلك صحيح بالفعل، لكن ما هو مؤكد أننا لم نتحرك قيد أنملة في التأكيدات المتعلقة بهذا السؤال بعد، لازال السؤال عن الحياة هو سر هذا الوجود الأكبر.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار