انضم إلينا
اغلاق
"أنا وابن عمي على الغريب".. لماذا نحابي أقاربنا؟

"أنا وابن عمي على الغريب".. لماذا نحابي أقاربنا؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

قديما، قبل ما يقترب من مئة ألف سنة، وقبل رحيله عن أفريقيا الحارة، عاش الإنسان حياة بسيطة يتحكم فيها عدد قليل من المتغيرات التي تتعلق بالمخاوف من الافتراس، وتوفير الطعام المناسب للفرد وعائلته، وقد فرض ذلك على البشر، وباقي الرئيسياتأ، أن تتخذ جميعا نمطا اجتماعيا مترابطا يختلف في درجة تعقيده من كائن لآخر.

 

من السهل أن نفهم سر قوة القطيع1، حيث يحمي أفراده بعضهم البعض من الافتراس، ويوفر كل منهم للآخر تجربة يمكن التعلم منها، بالتدريج تزداد أعداد الجماعات المتكونة، وتكون أكثر قدرة على التكيف من الأفراد المنعزلة، يخلق ذلك درجات من التقارب بين أفراد الجماعة، هنا يظهر نوع من تبادل المنفعة.



الإيثار المتبادل (Reciprocal altruism)، حين يقوم أحد أفراد الجماعة بخدمة فرد آخر على حسابه الشخصي ثم انتظار المقابل في وقت لاحق، هذا السلوك يمكن أن نجده في قطاع واسع من الحيوانات، لكنه تطوَّرَ في الحالة البشرية ليخلق لدينا القدرة على اتخاذ نوع من "المحاسبة الاجتماعية" التي تحسب العوائد في مقابل المدفوعات، إنه سبب سلوكنا الاقتصادي كاملا بداية من عمليات التبادل البسيطة حتى نصل إلى فهم عقلانية البشر في اختياراتهم عبر نظرية الألعاب ومعضلة السجينين الشهيرة.

 

الجين الأناني يجعل الحيوان في محاولة دائمة للحفاظ على ذاته عبر تأمين عدد أكبر من الاحتمالات الكائنة في باقي الأفراد من القطيع.

عند تلك المرحلة ربما نكون قد فهمنا السبب البسيط - والقوي - لتعاون أفراد المجتمع مع بعضهم البعض، الأمر إذن يتعلق بطريقة "نقطة مقابل نقطة"، لكننا نواجه مشكلة حينما نحاول فهم السلوك الإيثاري غير المتبادل، والذي يتمثل - مثلا - في مساعدة أطفالنا ومحاباة أقاربنا دون انتظار المقابل، وهو أمر نعرفه جيدا، كيف يمكن إذن لعلم النفس التطوري أن يفسر تلك النقطة؟

 

قانون هاميلتون
كان أول من أشار لتلك النقطة المتعلقة بالقرابة هو تشارلز دارون نفسه2 في كتابه "أصل الأنواع" حينما تحدث عن مشكلة الإيثار في المجتمعات التي تحتوي على أفراد عقيمين يقومون بالتضحية بذواتهم في سبيل المجموعة، أشار داروين هنا إلى أن الأمر قد لا يكون مفهوما حينما نحاول التفكير على مستوى الانتخاب الفردي، لكن حينما نتحدث عن انتخاب له علاقة بالمجموعة ككل فالأمر يصبح أكثر وضوحا.

 

إننا نرى ما نسميه اصطفاء القرابة (Kin selection)، والذي يُعرف على أنه أي سلوك إيثاري غير متبادل يقلل من تكيّف الفرد مع البيئة لكنه يرفع من تكيف أفراد آخرين في الجماعة، بشكل واضح مع الأقارب جينيا، وهذا يقع -فيما يبدو- ضمن نطاق يختلف مع فكرة الانتخاب الطبيعي، والذي يدفع الأفراد للعمل على رفع درجة تكيفهم مع البيئة، من أجل تحقيق أفضل فرصة لعمل نجاح تزاوجي وتمرير صفاتهم لنسلهم، دعا ذلك ويليام هاميلتون، عالم البيولوجيا البريطاني، سنة 1964 لوضع فرضية تقول أن الوحدة الأساسية للتطور ليست الكائن الحي، بل الجين فقط، وهي الفكرة التي روّج لها فيما بعد ريتشارد دوكنز في كتابه "الجين الأناني".

تقوم الحيوانات العقيمة بمهمة حماية القطيع والصياح لتنبيههم حينما يظهر مفترس؛ فيحوّل ذلك انتباه هذا المفترس عن القطيع للفرد الذي يصيح

بيكساباي


تعتمد تلك الفكرة على أن هدف الجينات هو أن تنتقل إلى الجيل القادم، الجينات وليس الأفراد، لذلك فالجينات لا تهتم بالقالب/الجسد الذي يحملها، المهم أن تنتقل هي لجيل آخر، لذلك حينما يقوم أحد أفراد العائلة بالتضحية في سبيل آخر، كأن تقع أنثى الفيل عمدا في الفخ كي تحمي أطفالها، أو أن يقوم أحد أفراد القطيع عمدا بالصياح والكشف عن مكانه لإعلام المجموعة بوجود مفترس، فإن جيناته تحاول الحفاظ على ذاتها عبر تأمين عدد أكبر من الاحتمالات الكائنة في باقي الأفراد، لفهم ذلك بشكل أفضل دعنا نتأمل قاعدة هاميلتون3، وهي الصيغة الرياضياتية التي صممها جورج برايس، عالم وراثة الجماعات الأمريكي، التي تصف الشكل الإحصائي لعملية الإيثار في التجمعات الحيوية.

rB˃C

 

إنها علاقة بسيطة يمكن فهمها، يمثل الـ r مقدار القرابة (relatedness)، ويعني مقدار ما تتشاركه من صفات جينية مع هذا القريب الذي سوف تقدم خدمة ايثارية له، وترتفع قيمة r كلما ارتفعت درجة القرابة، فهناك الابن، الأخ الشقيق، الأب، مثلا في مستوى أول، لاحتوائه على أكبر قدر ممكن من جيناتك، 50%، ثم الأجداد والأحفاد والأعمام في مستوى آخر، وهنا تقل احتمالات وجود جيناتك إلى 25%، ثم أبناء العم والخال... الخ. يعبر معامل القرابة إذن على مقدار ما قد يحمل هذا الفرد من جيناتك، فكلما كان الاحتمال أكبر كانت هناك رغبة أكبر منك في حمايته.

 

هناك دائما تأثير متبادل بين قدرة الجينات على التحكم في سلوكنا الواعي، وقدرة سلوكنا الواعي على لوي عنق التأثير الجيني.

تمثل القيمة B قدر الفائدة (Benefit) التي سوف يحصل عليها الشخص الذي سوف نقوم بخدمته، ويعني عدد النسل الذي يمكنه الحصول عليه إن ساعدناه في رفع درجة تكيفه، في المقابل ترتبط قيمة الرمز C بالتكلفة (Cost) التي يدفعها الفرد القائم بفعل بالإيثار، ويعني عدد النسل الذي تقل فرصنا في الحصول عليه حينما نعمل على خفض درجة تكيفنا. نحن إذن نتحدث عن تكيف أكثر شمولا مما كنّا نظن، (Inclusive fitness) تكيف شامل، فهنا نحن نعرف نوعين من التكيف: نوع مباشر يقع على عاتق الفرد تجاه ذاته، وآخر غير مباشر يقوم به الفرد لحماية آخرين أقرباء له، يجمع التكيف الأشمل الجانبين، المباشر وغير المباشر.

 

يتضح في النهاية أنه حينما يكون الإيثار في خدمة تمرير جيناتنا عبر أقربائنا، أي حينما يكون جانب قانون هاميلتون الأيسر أكبر من الأيمن وليس العكس، يعمل الانتخاب الطبيعي في سبيل التشديد على حدوث الإيثار، إذن الجين مستعد للتخلص من الفرد الذي يحمله، طالما أن المحصلة النهائية أن ينجو هو بقالب آخر، هذا هو ما دفع جون هالدن للسخرية ذات مرة قائلا "قد أضحي بحياتي في سبيل أخّين، أو ثمانية من أبناء العم".4

 

جرائم قتل


تظهر تلك الصفة بوضوح في حالة المجتمعات العليا (Eusociality)، غشائيات الأجنحة
5 مثلا كالنمليات والنحليات، حيث يظهر بشكل واضح تنوع النظام الجنسي لأفرادها ويمثل ذلك تجلي -ربما- لفكرة اصطفاء القرابة، فالفارق في جانبي قانون هاميلتون يحدد الفارق بين أهمية العمال العقيمين في القطيع والأفراد ذوي الخصوبة، كما نكتشف أن الأفراد العقيمين في قطعان السناجب والسرقاط - قط الصخور - هم من يقومون بمهمة حماية القطيع والصياح لتنبيه بقية القطيع حينما يظهر مفترس؛ فيحوّل ذلك انتباه هذا المفترس عن القطيع للفرد الذي يصيح، حتى أن اصطفاء القرابة يظهر واضحا في بعض النباتات حينما تتنافس في بيئات قاسية - كالإسليح - على الغذاء في التربة عبر مد جذورها، حينها قد تحابي بعض النباتات أقربائها حسب دراسة شهيرة6 لـ سوزان دودلي  بجامعة ماكماستر، كندا.

 

تدفع بنا فكرة هاميلتون لتأمل عدة موضوعات أخرى، فطالما أننا سوف نحابي أقاربنا أملا في تمرير جيناتنا، يجب إذن أن تتكون لدينا غرائز لها علاقة بالكشف عن هؤلاء الأقرباء والاهتمام بهم، هنا قام مارتن دالي ومارجو ويلسون7 سنة 1980 باختبار تلك الفكرة عبر دراسة الأطفال المتبنين ومقارنة رعاية الوالدين غير البيولوجيين معهم مع والدين طبيعيين، حتى مع تقديم رعاية متماثلة في الدرجة، استخدم باحثَينا فكرة بسيطة كمعيار للعملية، فالحب الموجود بالفطرة في الوالدين الطبيعيين يقلل للغاية من درجة العنف تجاه أطفالهم، مما يعني أنه من المفترض كنتيجة للتجربة أن ترتفع درجة العنف تجاه أطفال متبنين، فرغم أن عملية عنيفة كقتل الأطفال تعد شيئا نادرا، إلا أنه ضمن تلك النتائج تم تسجيل فارقا بمقدار 70- 100 ضعفا من العمليات العنيفة تجاه الأطفال في حالة الآباء غير البيولوجيين، إنه التأثير الذي اتخذ -فيما بعد- في أوساط علم النفس التطوري اسما غاية في الدرامية "تأثير سيندريلا  (Cinderella effect)".

 

دعنا نوضح هنا أنك لا تتجول في شوارع مدينتك لتحابي أقاربك8 على حساب الآخرين لأنك تساعد بذلك في تمرير قدر أكبر من جيناتك للمستقبل، بالطبع لا، فأنت تفعل ذلك لأن غريزتك تدفعك لذلك، أما عن المقاربة التطورية هنا فهي تحاول إعطاء تفسير أكثر عمقا لغرائزك، إنه تفسير ذو علاقة بتاريخك التطوري، وبخاصة في تلك الفترة التي عاش فيها أسلافك -قديما- بين الكائنات المفترسة بغابات السافانا.


يصل علماء علم النفس التطوري بعد ذلك لمحاولة فهم مصطلحات كالـ "سُمعة"، فالإيثار قد يتخذ شكلا غير مباشرا هنا، فأنت تقوم بتأدية خدمة لشخص ما، دون مقابل، لكن المقابل هو سمعة جيّدة تكتسبها داخل الجماعة مما يدفع أفرادا آخرين لخدمتك، فالأفراد دائما ما يميلون لأن يكونوا أكثر سخاءً مع أولئك الذين يمتلكون سمعة طيبة، وفي الحقيقة فإن ذلك ينقلنا لنقطة غاية في الأهمية.

 

إن ما يقدمه علم النفس التطوري من مقارباتب يساعدنا في تفسير عدد كبير من سلوكيات البشر، وربما يساعد- حالة دراسات دالي وويلسون مثلا- في لفت انتباه السلطات القانونية، الاجتماعية، السياسية، لتوخي الحذر في حالات معينة، ويمكنك هنا مد الخط إلى نهايته لتخيل كمّ الدعم الذي يمكن أن تقدمه فرضيات كتلك، لكن يظل الأمر بعيدا عن استخدام آخر غاية في الحتمية لتلك المقاربات، حيث أن أول ما يثير انتباهك عند التعرف على أفكار كتلك هو: هل يمكن أن نكون مجبرين على كل شيء إلى تلك الدرجة؟ هل الأفعال النبيلة والمخلصة لها تلك الجوانب البيولوجية المادية الجامدة؟

 

في الحقيقة، لا يمكن أن ننظر للأمور بهذه الوجهة ذات البعد الواحد، فرغم تلك التأثيرات إلا أن البشر في المقابل يمتلكون الوعي، هذا المكون غير المفهوم كلية بعد والقادر دائما على إعادة النظر بشكل متتالي في كل الأمور مهما بلغت بها الحتمية الجينية من قسوة، فهناك دائما تأثير متبادل بين قدرة الجينات على التحكم في سلوكنا الواعي، وقدرة سلوكنا الواعي على لوي عنق التأثير الجيني، وهكذا.


____________________________________________________

أ: رتبة من طائفة الثديات

ب: يجب هنا توضيح أن تلك المقاربات لازالت تجمع الدلائل من أجل تأكيد صحتها، كما أن فكرة "الجين الأناني" لازالت تقع في منطقة ما بين الفلسفة والعلم.

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار