انضم إلينا
اغلاق
"خارج نطاق الماء".. رحلة البحث عن حياة أخرى

"خارج نطاق الماء".. رحلة البحث عن حياة أخرى

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
هل نحن وحدنا في الكون؟ لا نزال لا نعرف -بعدُ- إجابة واضحة لهذا التساؤل؛ لكن ما نعرفه بالفعل هو أن الإجابة سوف تكون مربكة في كلتا الحالتين، فكل منهما يعني ملايين الأسئلة الأخرى العلمية والفلسفية والمجتمعية التي تبدأ بـ"كيف" ثم تنتهي بـ"لماذا؟"؛ لكن هنا يجب توضيح أن هناك فارقا بين وجود حياة في صورتها الأوّلية غاية في البساطة، ووجود ذكاء أو حضارة عاقلة قادرة على التواصل معنا، فالحالة الأولى أكثر قبولا للتحقق؛ حيث إنه أينما تواجدت الظروف المناسبة كان ممكننا للحياة أن تولد؛ لكن المشكلة الأكبر ذات علاقة بالتواصل مع حالة من الذكاء.

 

تطور التساؤل عن وجود حياة خارج النطاق الأرضي على مدى آلاف السنين، ها هو ميترودوراس1 -تلميذ ديمقريطس الفيلسوف الذي عاش قبل ما يقرب من ألفي وخمسمئة سنة- يقول إنه "سوف يكون من الغريب أن تتواجد سنبلة قمح واحدة في حقل قمح، كما هو غريب أن يتواجد عالم واحد مأهول في اللانهائي الممتد"، لنمر بأول مرة نتمكن فيها من النظر لكوكب آخر عبر تلسكوب جاليليو، ثم يكتب ويليم هيرشل أنه حينما ينظر إلى القمر فإنه يرى تلك الفوهات التي ظن بسبب تماثلها الرائع أنه تم تصميمها من قبل أهل القمر.

 

انطباع مشابه جاء على لسان الفلكي الشهير كريستان هوينجز الذي ظن أن ملامح المريخ والمشتري في التلسكوب هي سحب ومياه، تاريخ علم الفلك مليء بتكهنات الفلكيين المتفائلة للغاية بوجود حياة خارج النطاق الأرضي، حتى إن تطور التيكنولوجيا الفلكية عبر التلسكوبات الحديثة والرحلات الفضائية التي تسبر أغوار الكون هو ما قلل من تلك الدرجة المتفائلة تجاه وجود حياة إلى حد بعيد ليقوّضها بعدد محدود من المتغيرات التي يجب ربما أن تجتمع معًا.

 

منطقة مأهولة بالحياة

إننا نعرف بعض أسباب تواجد الحياة على الأرض، وحين تتجمع تلك الأسباب معا يمكننا أن نبحث عن الحياة على كوكب آخر في مفهوم "النطاق الصالح للحياة"

بكساباي

في كل الأحوال، يتعهد بمحاولة الإجابة على أسئلة كتلك علم جديد ناشئ نسميه علم الفلك الأحيائي Astrobiology) 2)، أو البيولوجيا الفلكية؛ حيث يهتم بدراسة ظاهرة الحياة من منظور أكثر اتساعا من نطاق أرضنا الزرقاء الباهتة، منظور كوني، فيبدأ بدراسة تلك الظروف؛ البيئة الكونية والأرضية، التي أسست لنشأة وتطور الحياة على الأرض في المقام الأول، بكل ما عانته من مشكلات كادت تطيح بها، كالانقراضات مثلًا، وكل ما لاقته مساعدات بيئية أبقت عليها، ثم ينطلق بعد ذلك لتطبيق تلك الظروف على عدة مناطق أخرى في الكون، سواء بداخل المجموعة الشمسية خاصتنا، أو في كواكب بعيدة تدور حول نجوم أخرى، هنا يجب أن نبدأ بالتساؤل عن: ما هي الحياة؟

 

دعنا كبداية نعيد صياغة هذا السؤال: هل هذه الحدود التي نفرضها على الحياة هي معايير (كونية/عامة)؟ بمعنى أننا سوف نستقي شروط نشأة الحياة وتطورها من الظاهرة الأرضية، ثم سوف نقوم بالبحث عن أكثر الظروف تطرفا على وجه الأرض لنرى إن كانت ممكنة لنشأة الحياة أم لا، ثم سوف نستخدم ذلك كله كأداة، آلة قياس، نبحث بواسطتها عن الحياة في أرجاء الكون الواسع، هل يعني ذلك أن تلك الظروف فقط هي ما يسمح بوجود حياة في مكان آخر بالكون؟

 

بالطبع لا، نحن فقط نستخدم ما نعرفه من المعلومات التي يمكن لنا تحصيلها في نطاق تعريفنا للحياة عبر دراسات وأبحاث نقوم بها، وهو تعريف غير ثابت يتحمل أكثر من وجه ويتسع لأكثر من حالة، خذ الجدل حول كون الفيروسات حية أم لا كمثال على ذلك، في مقال قريب سوف نوضح ذلك الجزء بشكل أكثر اتساعًا.

 

لكننا على الأقل نعرف بعض أسباب تواجد الحياة على الأرض، تتجمع تلك الأسباب معا حينما نبحث عنها على كوكب آخر في مفهوم3 "النطاق الصالح للحياة (سي إتش زد)"، (Circumstellar Habitable Zone) وهي المنطقة حول نجم ما والتي تسمح بتواجد المياه؛ حينما يتواجد كوكب يشبه الأرض في تركيبه وحجمه ويحتوي على الماء والعناصر التي تسمح بظهور الحياة فذلك مؤشر يحتمل وجود الحياة عليه.
 

لاحظ أنه كلما ارتفعت درجة حرارة سطح النجم (من الأسفل للأعلى في الصورة) ابتعدت المنطقة الصالحة للحياة عن النجم


تنضم حرارة سطح النجم الذي يحتضن هذا الكوكب إلى ذلك المفهوم، فالنطاق الصالح للحياة يبتعد عن النجم كلما ارتفعت درجة حرارته، ويقترب كلما انخفضت درجة حرارته، يمكن لك من أجل فهم أفضل لتلك النقطة مراجعة مقال سابق4 يشرح تحديدا النطاق الصالح للحياة الخاص بالنظام النجمي (TRAPPIST-1)، وكيف أنه أقرب كثيرا من الخاص بالنظام الشمسي مثلا.

 

تؤثر طبيعة النجم نفسه ونوعه الطيفي في درجة قابلية الحياة عليه، فنجم بربع ضيائية (Luminosity) الشمس مثلا سوف يقلص المسافة الخاصة بالنطاق الصالح للحياة إلى النصف. ويحدد العلماء بعض التصنيفات الطيفية للنجوم التي تحظى بإمكانية دعم وجود لحياة لكواكبها في النطاق الصالح للحياة، أضف لذلك أن النطاق الصالح للحياة يختلف باختلاف تطور النجم، فالنجم في التسلسل الرئيس تختلف درجة حرارة سطحه عند المراحل المتقدمة من عمره والتي يتحول فيها لعملاق أحمر، مما يؤدي لتغير حدود النطاق الصالح للحياة بتغير عمر النجم.
 

تمثل المنطقة الملونة بالأخضر الداكن النطاق الصالح للحياة، بينما تمتد المنطقة بالأخضر الفاتح للنطاق الممتد، لاحظ أن نطاق الأرض الصالح للحياة يمتد من منطقة ما عند أوج الزهرة حتى يقترب من مدار المريخ، بينما يتخطى النطاق الممتد ذلك الحاجز ليصل إلى الكويكب سيريس.


كذلك يتعلق حجم الكوكب نفسه بتواجده في النطاق الصالح للحياة، فكوكب أكبر من الأرض، أو لأي ظرف آخر، سوف يحتوي على غلاف جوي أكثر كثافة مما يعرّضه لتأثير الاحتباس الحراري بشكل أكبر، لذلك في بعض الأحيان ينقسم تعريف النطاق الصالح للحياة إلى "النطاق الحافظ الصالح للحياة" (conservative habitable zone) والذي يضم كواكب كالأرض، وآخر ممتد5 (extended habitable zone) والذي يبتعد بدرجة أكبر بحيث يسمح بتواجد الحياة على الكواكب الأكبر حجما (Super Earth) أو صاحبة الاحتباس الحراري القوي عموما "تأثير البيت الزجاجي".

 

هنا أيضا يجب أن نضيف أن درجة انحراف مركز المدار (eccentricity) الخاص بالكوكب عن النجم الذي يدور حوله سوف تؤثر في كون الكوكب صاحب هذا المدار صالح للحياة أم لا، فنحن نعرف أن الأرض مثلا تدور حول نقطة لا تقع الشمس في مركزها تماما؛ لكن رغم ذلك يظل مدار الأرض ضمن النطاق الصالح للحياة، بعض الكواكب قد تتخذ درجة انحراف كبيرة عن مركز المدار بحيث تكون خارج النطاق الصالح للحياة لفترة ما من العام، سوف يؤثر ذلك بقوة على تغير درجات الحرارة وقيم الضغط الجوي على مدى العام.
 

قد تؤثر درجة انحراف مركز المدار بقوة على احتمالات وجود الحياة عليه، فبعض الكواكب قد تخرج أثناء مدارها من النطاق الصالح للحياة (بالأخضر)

 

استثناءات أكثر غرابة

على الرغم من ذلك، لا يتعلق وجود الماء على كوكب ما بالنطاق الصالح للحياة فقط، خُذ مثلا قمر أوروبا6 أحد الأقمار الجاليلية الأربعة التي تدور حول كوكب المشتري، وهو بحجم القمر الأرضي، ويبتعد كثيرا عن النطاق الصالح للحياة بالنسبة للشمس؛ لكنه يحتوي على قشرة ثلجية صلبة يوجد تحتها ما يظن العلماء أنه محيط واسع من الماء السائل، يتضح أن سبب ذلك هو التأثير الجذبوي -المدّي (Tidal)- على هذا القمر الذي يجعله ينقبض وينبسط بشكل دوري مما يرفع درجة حرارة نواته.
 

القمر يوروبا قمر المشتري قد يحتوي على صور من الحياة (ناسا)


مثال آخر نال الكثير من الشهرة في الفترة الأخيرة، إنه إنسيلادوس (Enceladus)، قمر زحل الثلجي السادس في الحجم؛ حيث أعلن7 علماء التلسكوب العظيم هابل بالتعاون مع هيئة المسبار كاسيني (Cassini) قبل أيّام أنهم رصدوا دلائل على وجود هيدروجين ينطلق مع تلك النفاثات الضخمة التي تخرج من فتحات جنوب القمر، يظن العلماء أن ذلك القمر الثلجي يحتوي على محيطات واسعة من المياه أسفل سطحه؛ حيث إنه بالداخل درجات الحرارة أكبر بكثير من السطح، بسبب تأثير كوكب زحل الجذبوي، أو ربما بسبب انحلال بعض العناصر إشعاعيا.

 

قد يسمح ذلك بأن تصل درجة حرارة تلك المحيطات إلى 90 مئوية، هنا مع وجود الماء الخارج من تلك النفّاثات بتركيز يصل إلى 98%، والهيدروجين، وعناصر أخرى كالميثان والأمونيا، يمكن أن نضع القمر إنسيلادوس على قائمة الأماكن التي قد تقبل بوجود حياة، يتوقع العلماء أنها سوف تتمركز حول تلك النفاثات الضخمة (hydrothermal vents)، والتي بالفعل تصلح كمصدر لأنواع من الحياة على الأرض8 حيث تتواجد في قاع المحيط وتنفث المياه المعدنية الحارة إليه، تحتَّك تلك المياه في أثناء حركتها بالصخور فتتحول لسائل غني بالمعادن، تسمح تلك الظروف الديناميكية الدافئة الغنية بالمعادن للحياة بأن تستمر.
 

نفّاثات القمر إنسيلادوس، يتوقع العلماء أن الحياة قد تعيش حولها، بالضبط كما يحدث على الأرض (ناسا)


يحتاج الكوكب لكي يكون صالحا للحياة كذلك لعدة معايير أخرى هامة، كأن يكون نشطا بشكل جيولوجي وكيميائي، بمعنى أن تكون هناك دورات متتالية للطقس، التفاعلات الكيميائية على سطحه، حركة الألواح التكتونية.. إلخ، تساعد تلك الدورات الكوكب على إعادة استخدام نواتج تفاعلاته وإنتاج مصادر جديدة للطاقة والحياة، هنا نتعرف على مفهوم آخر يتعلق بقدرة الكوكب على الحفاظ على الحياة لمدة طويلة، ويسمى "النطاق الصالح لحياة مستمرة" (Continuously Habitable Zone) فهناك العديد من الظروف الضرورية للسماح للماء -وبالتالي الحياة- بالتواجد والاستمرار لمدة طويلة، الكثير من الكواكب قد تحتوي على مياه لفترات محددة من حياتها ثم تنتهي.

 

عامل آخر يتدخل لدعم وجود حياة مستمرة على كوكب ما وهو وجود قمر9 كبير الحجم نسبيا؛ ليتمكن من تثبيت حركة الكوكب، دعنا هنا نقارن كلا من الأرض والمريخ؛ حيث يعتقد العلماء أن المريخ كان فيما قبل عامرا بالحياة؛ لكن ميل الكوكب المتغير بسبب تواجده في نطاقي جذب المشتري والشمس معا تسبب في اضمحلال الحياة عليه، يُرجع البعض ذلك إلى صغر حجم، وضعف قوة جذب، قمري المريخ "ديموس وفوبوس"، بينما تستقر الأرض نسبيا بسبب تواجد القمر لأنه يساعد على تثبيتها، تسمى تلك الظاهرة "القفل المدّي" (Tidal locking)، يشبه الأمر أن تمسك بيديك يدي شخص آخر بينما تدور، يعطيك ذلك درجة أعلى من الثبات في مواجهة التأثيرات الجذبوية الخارجية.
 

كوكب الزهرة، رغم الظروف شديدة القسوة على سطحه إلا أن هناك احتمالات لتواجد الحياة في غلافه الجوي تعيش على أكاسيد الكبريت والكربون (ناسا)


رغم ذلك كله، قد تحتوي بعض الظروف البيئية الأكثر تطرفا على حياة؛ حيث يعتقد الفلكي الأحيائي ديفيد جرينسبون10 أن الزهرة (Venus)، بدرجة حرارة سطح تتخطى 400 مئوية، قد يحتوي على صور من الحياة في غلافه الجوي الذي يحتوي على أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت، والتي قد تكون غذاء مناسبا لبعض الأنواع من الميكروبات، نفهم هنا أنه رغم أن مفهوم النطاق الصالح للحياة قد لا يفي كليًا بالغرض، وقد تخرج منه استثناءات كثيرة إلا أنه هو كل ما نملك حينما نحاول البحث عن الحياة خارج النطاق الشمسي، ذلك لأن تلسكوباتنا لا تستطيع أن تلتقط أكثر من قطر النجم ومداره وبعض المعلومات الأخرى عن غلافه الجوي عبر مرور إشعاع النجم خلاله.

 

يفتح ذلك الباب للتساؤل عن ضرورة وجود الماء نفسه لوجود حياة، فـ "تيتان"11  (Titan) أكبر أقمار زحل مثلا هو استثناء كامل لكل ما يعنيه اصطلاح "نطاق صالح للحياة"، درجة حرارة سطح القمر هي 179 تحت الصفر، في تلك الدرجة القاسية يكون الماء المجمد بصلابة الجرانيت، على الرغم من ذلك يظن العلماء أن الكوكب قد يحتوي على حياة بسبب تواجد بحيرات سائلة من الميثان والإيثان على سطحه، قد يساعد هذا المحتوى من الهيدروكربونات على تكون صور من الحياة.

 

في الحقيقة يهتم متخصصو علم الفلك الأحيائي كثيرا بالحياة الناشئة خارج إطار الماء في المجموعة الشمسية؛ فحين نكتشف وجود حياة قائمة عن الماء فذلك قد يعني أنها انتقلت من الأرض أو إلى الأرض، وبالتالي يصبح منشؤها واحدًا، أما الحياة غير القائمة12 على الماء فتؤكد أنها مصدر مختلف المنشأ للحياة في الكون، سوف تكون تلك مفاجأة غاية في الأهمية.
 

تيتان أكبر أقمار زحل قد يكون صالحا للحياة الدقيقة التي تتغذى على بحيرات الميثان وأمطار الإيثان (ناسا)


بل إن بعض متخصصي البيولوجيا الفلكية يتساءل إن كان الفضاء "الحيوي" 13 (Bio-space) المحتوي على الكربون كقاعدة لنشأة الجزيئات الحية، بالتعاون مع الماء كمذيب يمكن أن يحتوي التفاعلات الحيوية بين تلك الجزيئات، هو فقط ما يسمح بوجود حياة. من المؤكد -إلى الآن- أن كلا من الكربون والماء هما الأفضل لدعم أي حياة، فالكربون، -المكون الرئيس لكل الجزيئات الحية خاصة (دي إن أيه)-، يستطيع تكوين روابط مع معظم عناصر الحياة كالهيدروجين، النيتروجين، الفسفور، والأكسجين، كذلك يمكن كسر الروابط معه أو بناء روابط جديدة عبر استهلاك قدر ضئيل من الطاقة مقارنة -مثلًا- مع مركبات السيليكون والتي ترتبط به بقوة.

 

أما الماء فهو مذيب جيّد لمعظم المواد الكيميائية، لذلك يسمح للتفاعلات الحيوية بالحدوث خلاله بسهولة، كذلك يتميز الماء بصفة غاية في الأهمية وهي أنه حينما يتجمد فإنه يطفو على السطح، فكثافة الثلج أقل من كثافة الماء، مما قد يسمح بالحياة تحت سطح هذا الثلج أن تستمر، وهو ما يحدث بالفعل على سطح الأرض، لو كان الثلج أكثر كثافة لنزل للأسفل كلما تجمد؛ وبالتالي لتسبب ذلك في تجمد كل المياه ومنع الحياة من التواجد، هنا نتعلم عن مدى أهمية عدد ضخم من المتغيرات الهامة أثناء البحث خلف الحياة في الكون، فملاحظات قد تبدو بسيطة كتلك قد تمنع الحياة عن كوكب كامل.

 

رغم كل ذلك، يعرف متخصصو البيولوجيا الفلكية أنه ليس من الضروري أن يكون نظام (الكربون/الماء) هو فقط الفضاء الحيوي الوحيد الذي قد يسمح بنشأة حياة، قد تظهر كيمياء حيوية مختلفة تعتمد معايير مختلفة تماما، قد تتمكن أنظمة الـ (سيليكون/أمونيا) أو الـ (كربون/أمونيا) من دعم الحياة رغم ذلك، في الحقيقة سوف يكون اكتشاف من ذلك القبيل بمثابة نقلة ثورية في تاريخ فهمنا لما تعنيه الحياة.

 

الحياة ممكنة إذن؛ لكن احتمالات وجودها ضئيلة بسبب تعقد الظروف الممكنة لنشأتها وتطورها، وقد تكون بعض الكواكب ضمن النطاق الصالح للحياة ولا تحتوي على حياة لظرف أو لآخر لا نعرفه، كذلك قد يعطي الكوكب دلائل على وجود حياة لكنها ليست حيوية المصدر، خذ مثلا الغلاف الجوي للمريخ يحتوي على ما قيمته 14% من الأكسجين من مصدر غير حيوي، يضطرنا كل ذلك التنوع والتغير لتوسيع مجال بحثنا عن الحياة في الكون.

 

لِم نبحث عن الحياة؟

حسنًا، كان ذلك استعراضًا مبسطًا لما يمكن أن نتصوره عن كيفية تواجد الحياة خارج كوكب الأرض، يساعدنا ذلك على تحديد العلامات الحيوية (Bio-signatures) التي تنطلق منها كل تصميماتنا للتكنولوجيا الفضائية، من فويجر إلى كاسيني إلى كوروت إلى كبلر، للسعي خلف تلك الصور البدائية من الحياة في أي مكان تشير إليه أصابع العلماء، في المجموعة الشمسية أو خارجها.

 

تبني كل تلك التكنولوجيا قاعدتها على الصور والأرصاد المباشرة لتلك الكواكب أو الأقمار الخاصة بالمجموعة الشمسية والتي يُعتقد أن تحتوي على أية صورة من الحياة، عبر مركبات مارة أو مركبات تحط عليها لعمل بحث أكثر قربًا، أو بالحصول على الطيف (Spectrum) الخاص بالكوكب، بطريقة تشبه الحصول على أطياف النجوم، لمعرفة أي العناصر يمكن لغلافه الجوي أن يحتويها. وجود الأكسجين، الأوزون، أو المركبات الكربونية كالميثان، ثاني أكسيد الكربون، وربما الكبريت، مثلا، بجانب المعايير الأخرى الخاصة بالنطاق الصالح للحياة، يفتح مجالا لاحتمال وجود حياة تتنفس تلك العناصر.
 

كاسيني تمر بجوار زحل، صورة تعبيرية (ناسا)


في كل الأحوال، يبقى السؤال عن تواجد حياة ذكية خارج النطاق الأرضي حكاية أخرى غاية في الإثارة والأهمية سوف نفرد لها -قريبا- مقالا يستعرض كيفياتها وآثارها العلمية والفلسفية والاجتماعية أثناء حديثنا المستمر عن هذا العلم الجديد المثير للانتباه، البيولوجيا الفلكية14 (Astrobiology).

 

في هذه المرحلة، ومع تأملك لكل تلك التعقيدات التكنولوجية والعلمية التي نحتاجها للبحث عن حياة خارج الأرض، مع كل تلك السنين المبذولة من البحث العلمي الرصين غالي الثمن، ربما قد تسأل ببساطة: لِم؟ لم نبحث عن الحياة خارج هذا الكوكب؟ ما فائدة كل تلك الجهود والتكاليف؟

 

في الحقيقة لا نجد إجابة قوية على ذلك السؤال، بالطبع سوف تساعدنا كشوفات من هذا النوع على دراسة مفهوم الحياة بشكل أفضل لتأمل الأسباب والكيفيات الحقيقية لنشأتها وتواجدها، سوف تساعد الإدارات السياسية للدول صاحبة الكشف على استعراض عضلاتها وامتلاك بعض من القوة الناعمة المفيدة جدا ولنا في صعود الأمريكان للقمر عبرة.

 

لكن رغم ذلك يبقى السبب الرئيس ذا علاقة "بالوِحدة"، نعم يا صديقي، إلى الآن نحن فقط هنا، يشبه الأمر أفلام الرعب التي تتحدث عن فيروس قضى على كل البشرية بينما بقي في مدينة باريس مثلا شخص واحد فقط، إن شعور هذا الشخص بالوحدة والخوف هو شعور البشر تجاه الكون، هذا الشعور الذي دفعنا في الأساس للعلم، للبحث وراء المجهول أيا كان، لمحاولة تفهم ذواتنا والكون كله*.
 

 =============================================

*لمزيد من التوسع في البيولوجيا الفلكية يُنصح بمرجع غاية في البساطة والأهمية وهو (Astrobiology: Understanding Life in the Universe) للدكتور تشارلز كوكل أستاذ البيولوجيا الفلكية بجامعة أدنبرة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار