انضم إلينا
اغلاق
كيف تُمسك بثقب أسود؟

كيف تُمسك بثقب أسود؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

نعرف أن الثقب الأسود يتكون حينما ينهار -على ذاته- نجم عملاق تتخطى كتلته الشمس بثماني مرات أو أكثر. يقف أي نجم مستقر الحجم بسبب تساوي قوتين: قوة جاذبيته الخاصة التي تدفعه للانهيار على ذاته، وقوة الدفع للخارج عبر التفاعلات الاندماجية التي تحول الهيدروجين لهيليوم؛ منتجة كمًّا مهولا من الإشعاع الذي يدفع ضد قوة الجذب. حينما يَنفذ الهيدروجين يبدأ النجم بدمج الهيليوم لتحويله إلى عناصر أعلى، مرورًا بالكربون، النيون، الأكسجين، السيليكون، حتى نصل للحديد.

 

عند تلك النقطة (الحديد) لا يمكن للنجم الاستمرار في دمج العناصر، هنا تربح قوة الجاذبية المعركة، فينهار النجم على ذاته في جزء من الثانية ليصنع انفجارا غاية في القوة نسميه "مستعر أعظم Super Nova" مخلفًا في المركز ما يسمى "نجم نيتروني"، أما إذا كان النجم عملاقا بما فيه الكفاية فسوف تنهار نواة النجم تماما مخلفة ثقبا أسود.

 

أثناء التهام الثقب الأسود للنجوم تنتقل مادتها بسرعة كبيرة إلى القرص المزوّد الضخم الذي يدور حول الثقب، تتسبب تلك السرعة في ارتفاع درجة حرارة مادة القرص بشدة

مواقع التواصل
 

يرتبط وجود الثقب الأسود بقدرته على جذب شعاع الضوء نفسه للداخل، تسمى حدود المنطقة حول الثقب الأسود -والتي يمكن خلالها جذب أي نوع من الإشعاع- بـ"أفق الحدث"، ومن الخارج سوف يبدو الثقب الأسود كغرفة على شكل كرة أنوارها مطفأة؛ لكنها غرفة بدون جدران، فهو ليس كتلة سوداء مكونة من مادة؛ لكنه مكان لا يمكن لنا رؤية ما يحدث بداخله، يدفعنا ذلك لسؤال هام: كيف يمكن لنا رصد جرم لا يشع أي شيء؛ كان ضوءً، أشعة أكس، أو فوق البنفسجية، خاصة إن كان ذا حجم صغير حينما نعرفه كنجم منهار على ذاته؟ هل قمنا برصده أصلًا؟

 

حفلة شواء حول الثقب

أثناء التهام الثقب الأسود للنجوم التي شاء حظها السيئ أن تتواجد على مسافة قريبة للغاية منه، تنتقل مادتها بسرعة كبيرة إلى القرص المزوّد الضخم الذي يدور حول الثقب، تتسبب تلك السرعة في ارتفاع درجة حرارة مادة القرص بشدة، ويخرج منها بسبب ذلك -وقبل الدخول إلى الثقب الأسود- كمّ من أشعة أكس يمكن لنا رصده وحساب تدفقه بدقة ومقارنته مع تنبؤات معادلات أينشتين بطيف المادة التي تدور حول الثقب الأسود، يمكننا ذلك من التعرف على الثقب الأسود قيد التحري.

 

لهذا السبب -مع عدة أسباب أخرى- أعلنت ناسا1 في 2008، بالاتفاق مع وكالتي الفضاء الأوروبية واليابانية، نيتها لإطلاق أربعة تلسكوبات فضائية لتعمل معا تحت اسم "مرصد الكوكبة أكسConstellation X" على استشعار الأشعة أكس الصادرة من الأجرام السماوية بدقة أكبر مئة مرة من التلسكوبات المتخصصة المعروفة.
 

تحت الصورة: إلى اليسار صورة ملتقطة للنظام الدجاجة أكس -1، وإلى اليمين ما يتصور العلماء أنه ثقب أسود يسحب من مادة عملاق أزرق فائق. 
(مواقع التواصل )


كانت تلك هي الطريقة التي اكتشفنا بها وجود الثقب الأسود2 "الدجاجة أكس-1 Cygnus X-1" سنة 1971، أول جرم سماوي اتفق الفلكيون على أنه مرشح قوي ليكون ثقبا أسود، تم تأكيده في 2011؛ حيث كان الثقب جزءا من ثنائي يدور حول بعضه البعض، بينما رفيقه هو عملاق أزرق فائق كوّن قرصا مُزودا دوّارا حول الدجاجة أكس - 1 والذي لا يمكن لنا رصده، ولم تتفق نتائج رصد أشعة أكس الصادرة من الثنائي مع ما هو متوقع لو كانا نجمين، مع بعض الحسابات الإضافية أدى ذلك لتوقع أن الجرم غير المرئي الدجاجة أكس-1 هو ثقب أسود.

 

في سنة 2011 خرجت ثلاث ورقات علمية3 تدرس نتائج الإشعاع الضوئي، أكس، والراديوي الصادر من تلك النقطة؛ حيث تمكن العلماء من عمل حسابات دقيقة عبر قياس أشعة أكس تؤكد دوران أفق الحدث حوله بمعدل 800 مرة في الثانية الواحدة، وعبر قياس سرعة وشكل دوران النجم الرفيق الذي تنتقل مادته للثقب توقع العلماء أن كتلة الثقب قد تقترب من 15 كتلة شمسية.

 

تتضمن حكاية الدجاجة أكس-1 جانبا ساخرا، في 1975 قام ستيفن هوكينج بِرِهانٍ على الدجاجة أكس-1 مع الفيزيائي كيب ثورن ينص على أن يحصل كيب ثورن على اشتراك لمدة سنة في مجلة  Penthouse  بينما يحصل هوكينج على اشتراك في مجلة برايفيت آي (Private Eye)، كان رهان هوكينج هو أنه ليس ثقبًا أسود؛ بل نجم نيوتروني، بينما راهن ثورن على أنه ثقب أسود، وربح ثورن الرهان بعد أن أصبحت احتمالات كون الدجاجة أكس-1 ثقبا أسود تصل إلى 95%، في الطبعات الأخيرة من كتاب "تاريخ موجز للزمان" يؤكد هوكينج على أن ثورن قد حصل على مجلاته بالفعل، يراهن هوكينج كثيرا، ويخسر في كل مرة.
 

تحت الصورة: نسخة ورقية من وثيقة رهان هوكينج وثورن (مواقع التواصل)


 مثال آخر شهير هو مركز
4 المجرة NGC 4261 والذي نلاحظ حينما نلتقط صورا له -عبر التلسكوب هابل- وجود قرص دوّار ضخم من الغاز والغبار البين-نجمي بعرض 800 سنة ضوئية يدور حول نقطة في المنتصف، يؤكد ذلك وجود ثقب أسود فائق الكثافة (Supermassive Black Hole) في تلك المنطقة، تختلف الثقوب السوداء فائقة الكثافة عن الثقوب السوداء النجمية Stellar في كتلة كل منها، فالأولى تتخطى كتلتها حاجز المئة ألف مرة كتلة الشمس؛ حتى تتخطى الـ 10 مليارات مرة؛ بينما تدور كتلة الثقوب السوداء النجمية (Stellar Black Holes)حول 3- 10 مرات كتلة الشمس
 

تحت الصورة: مركز المجرة NGC4261 يحتوي على سحابة ضخمة تدور حول نقطة في المنتصف يعتقد أنها ثقب أسود فائق الكثافة  (مواقع التواصل)

 

طريقة أخرى لرصد الثقوب السوداء، في نفس السياق، تتعلق بالنجوم التي تدور حول الثقب الأسود على مسافة لا تمكنه من سحب مادتها، تلك النجوم تتأثر بقوة جذب الثقب الأسود فتدور حوله بسرعة أكبر من المتوقع لها حول أي نجم آخر؛ لكي نحقق فهما أفضل لتلك النقطة دعونا نتحرى مقطع فيديو تم التقاطه على مدى أربعة عشر عاما لمجموعة النجوم التي تدور حول الثقب الأسود فائق الكثافة5 الموجود في الكوكبة "القوس" في مركز مجرتنا ونسميه (Sgr A*) أو فقط (A*)

 


هل تلاحظ ذلك؟ إنها مجموعة من النجوم التي تدور بشكل غريب حول نقطة لا يمكن لنا أن نرى ما يقع بها، عبر حساب سرعة تلك النجوم الدوّارة وكيفية دورانها حول تلك النقطة يمكن لنا توقع وجود ثقب أسود هناك، وحساب كتلته وبعض الخصائص الأخرى المتعلقة به.

 

بجانب أشعة أكس، يُعتقد أن النفّاثات الراديوية الضخمة التي تخرج من مركز بعض المجرات ترتبط بوجود ثقوب سوداء فائقة الكتلة في مركزها، أشهر الأمثلة هنا هو مركز المجرة الإهليلجية 6M87 أو العذراء، أ والتي تطلق نفاثات راديوية، اكتشفها في عام 1918 الفلكي هيبر كورتيس ووصفها بأنها "فيض غريب مستقيم"، وتقدر كتلة ذلك الثقب الأسود بحوالي أربعة مليارات مرة كتلة الشمس!

 

تحت الصورة: نفاثات راديوية تخرج لمسافة 5000 سنة ضوئية من المجرة M87  (مواقع التواصل )


موجات جذبوية

تُعلمنا النسبية العامة7 أن الزمكان هو نسيج غاية في اللين يمتد ليملأ كل الكون، تخيل معي أن هذا الزمكان هو قطعة من القماش اللين مشدودة بين أطراف هذا الكون، ما إن توضع كتلة ما في هذا النسيج حتى ينحني، ويتسبب ذلك في حدوث الجاذبية، فحينما توضع الشمس في نسيج الزمكان تتسبب في انحنائه مما يدفع الأرض، وبقية كواكب المجموعة الشمسية للدوران حول الشمس بالضبط كما تدور كرة في قمع.

 

في بعض الحالات المتطرفة، كاصطدام ثقوب سوداء ببعضها البعض، أو اصطدام نجم نيتروني بثقب أسود يتسبب ذلك فيما نسميه "موجات جذبوية Gravitational waves" وهي تموجات في نسيج الزمكان رباعي البعد نفسه، تنتقل تلك التموجات من مصدر التصادم لتسري في الفضاء، في فبراير8 2016 أعلن العلماء من مرصد الموجات الجذبوية عبر الإنترفيروميتر الليزري (LIGO)  عن رصدهم للموجات الجذبوية الناتجة عن اصطدام ثقبين أسودين على بعد 1.3 مليار سنة ضوئية، اكتشاف آخر لنفس المرصد أعلن في شهر يوليو من نفس العام عن رصد الموجات الجذبوية الناتجة من اصطدام ثقبين أسودين على بعد 1.4 مليار سنة ضوئية.

 

تتيح تلك التقنيات الحديثة درجة من الدقة تمكننا من رصد تلك التموجات التي تصغر سعتها قطر الذرة بمليار مرة، يمكننا ذلك لأول مرة في تاريخنا من الحصول على تلسكوبات لا تحتاج أن تحصل على إشعاع صادر من الجرم المرصود، فقط يمكن لنا دراسة تأثير وجوده في الزمكان والتموج الجذبوي الصادر عنه، ويعد ذلك فتحًا عظيما في تاريخ الرصد، فبجانب تمكننا من رصد الثقوب السوداء في أعماق الكون، يمكن لنا كذلك فتح الباب لتلسكوبات ترصد المادة المظلمة، تلك التي نتعرف على أثرها جذبويا فقط.

 

إحدى الطرق التي تمكننا أيضًا بشكل غير مباشر من رصد الثقوب السوداء هي قياس التعدس الجذبوي (Gravitational Lensing) الذي يتسبب الثقب الأسود فيه؛ حيث تظهر الأجرام التي تقع في خلفيته بصورة مشوهة للراصد على سطح الأرض، بقياس درجة ذلك التشوه نتمكن من توقع وجود ثقب أسود في منطقة ما من الفضاء، لا حاجة لنا هنا بشرح المزيد عن هذا الموضوع، فقد ناقشناه بشكل مفصّل في مقال سابق بعنوان "قطة أينشتاين الضاحكة9"

 

أقرب الثقوب السوداء لنا قد يكون النظام(10V616 Monocerotis) من كوكبة وحيد القرن والذي يتواجد على بعد 2800 سنة ضوئية فقط من الأرض، ويتكون -ربما- من ثقب أسود ونجم مرافق من التصنيف النجمي K

مواقع التواصل
 

يتضح لنا إذن أن معظم الطرق التي نستخدمها لرصد الثقوب السوداء تأتي من آليات غير مباشرة تتعلق بتأثير كتلتها وقوة جذبها على أجرام مجاورة، وعبر كمِّ البيانات الضخم الذي نحصل عليه يمكننا استخدام حفنة من المعادلات التي صممها فيزيائيون بارعون للخروج بكم كبير من المعلومات عن تلك الثقوب السوداء، يساعدنا ذلك على تحقيق فهم أفضل لتطور النجوم، كذلك تعطينا تلك الآليات الذكية فرصة غاية في الروعة لتأمل مدى قوة ودقة المنهج العلمي في التفكير.

 

أقرب الثقوب السوداء لنا قد يكون النظام (10V616 Monocerotis)  من كوكبة وحيد القرن والذي يتواجد على بعد 2800 سنة ضوئية فقط من الأرض، ويتكون -ربما- من ثقب أسود ونجم مرافق من التصنيف النجمي K وتبلغ كتلته نصف كتلة الشمس، لفت النظام الأنظار للمرة الأولى حينما انطلق منه انفجار أشعة أكس الذي كشف عنه قمر صناعي بريطاني.

 

هناك حوالي 20 ثقبا أسود معروفا إلى الآن ضمن نطاق رصدنا للمجرة، يعتقد العلماء أن هناك 1 من كل 1000 نجم قد تحول بالفعل إلى ثقب أسود؛ مما يجعل عدد الثقوب السوداء النجمية المتوقع يتراوح بين 100-200 مليون ثقب أسود في مجرة درب التبانة، يعني ذلك أنه لا يزال أمام الفلكيين المتحمسين في المراصد الكثير من ساعات الرصد، والقوائم لملئها، والمجهول لسبر أغواره▪

تقارير متصدرة


آخر الأخبار