انضم إلينا
اغلاق
كيف يستجيب الدماغ للخبرة؟

كيف يستجيب الدماغ للخبرة؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

كنتُ بارعا في البيولوجيا والفيزياء بالمدرسة الثانوية، لا زلتُ في الحقيقة أتذكر تلك الجملة الشهيرة التي لطالما كانت مثارا لانتباهي ولأسئلة الصواب والخطأ، تلك التي تقول إن الخلايا العصبية تمتلك خاصية غاية في الخطورة، وهي أنها "لا تنقسم ولا تتجدد وما يُفقد منها لا يُعوّض"، لقد كان ذلك أيضًا هو اعتقاد العلماء حتى فترة قصيرة، أن نمو الدماغ يتوقف بعد فترة حرجة محددة -السنوات الأولى-  من حياتنا الفرد ثم تستقر هكذا طوال العمر.

 

بسبب ذلك الزعم، كان من المفترض أنه حينما يحدث -لأي سبب- تلف في منطقة ما من الدماغ، منطقة نعرف وظيفتها تحديدًا، فإننا نفقد تلك الوظيفة للأبد، لكن ذلك لا يحدث في الواقع، فالمرضى قادرين على تطوير مجموعة من المهارات الخاصة بتلك المنطقة في بعض الحالات، ثم جاءت الأبحاث الحديثة على الفئران والقرود والبشر لتثبت أن الدماغ يمكنه، طول العمر، أن يصنع وصلات عصبية جديدة، تدعى هذه الظاهرة باللدونة العصبية1 (Neuroplasticity) حيث تتمكن الخلايا العصبية من خلالها أن تعوض الدماغ عن إصابة ما وتعدل أنشطتها استجابة للحالات الجديدة أو التغيرات الطارئة في بيئتها.

 

آليات متكيفة
لكي نفهم ذلك بشكل أكثر عمقا دعنا نتعرف على آليتين يمكن من خلالهما أن تحدث تلك اللدونة في الخلايا العصبية، يتعلق الأمر بكيفية توصيل المعلومات بين خلايا الجهاز العصبي، حينما ترفع اللدونة من عدد الوصلات الموجودة بالفعل بين الخلايا العصبية يعزز ذلك من سريان المعلومات المتبادلة بينها، فيرفع ذلك من كفاءتها وقدرتها على أداء الوظائف، وحينما تقلل منها ينحسر سريان المعلومات فيما بينها فيحدث العكس.

تبدأ اللدونة العصبية بشكل ثوري في مراحل الطفولة الأولى، فتنشأ الوصلات والخلايا الجديدة بسرعة مذهلة (الجزيرة)

يتم تعزيز التوصيل القائم بالفعل بين خليتين عصبيتين عبر رفع عدد الفروع أو تغيير كمية أو نوع الناقل الكيميائي، وقد تظهر اللدونة العصبية - ليس في صورة إنشاء وصلات جديدة - ولكن إنشاء خلايا عصبية جديدة بالمرة، هنا نحتاج أن نوضح أن سر فاعلية الخلايا العصبية هو التواصل فيما بينها، فخلية عصبية غير مرتبطة بالرفاق في المخ - مثلا - هي كأية خلية عادية.

 

تبدأ اللدونة العصبية بشكل ثوري في مراحل الطفولة الأولى، فتنشأ الوصلات والخلايا الجديدة بسرعة مذهلة، وتقل فيما بعد كثيرا لكنها لا تتوقف، هي فقط تستجيب لتلف الأنسجة الدماغية في أي عمر، أو حتى لتغيرات البيئة المحيطة، لذلك فاصطلاح الـ (Neuroplasticity) لا يعني أن لدينا دماغا بلاستيكيا، لكنه يعني أن الدماغ مرن، يتكيف مع الأوضاع القائمة ويعيد تنظيم ذاته لخدمة الوظائف الجديدة باستخدام تلك الآليات.

 

وخلال عمر الفرد يتم تعزيز حزم الخلايا العصبية التي تُستخدم بشكل أكبر -عبر التغذية الرجعية الموجبة- بالمزيد من الوصلات فتصبح أقوى، أما تلك التي لا تستخدم كثيرا -عبر التغذية الرجعية السالبة- فتنحسر بالتدريج، يشبه الأمر هنا ذلك التعبير الشهير القائل إن "الغني يزداد غِنىً والفقير يزداد فقرا"، تسمى تلك عملية التأشيب (Synaptic Pruning).

 

ولفهم أفضل لتلك الفكرة بشكل قريب دعنا نتخيل الدماغ كجيش يخوض معركة ما، في أثناء المعركة قد يحدث أن يتسبب ذلك الجيش في خرق قوي في خطوط العدو، هنا سوف يُدعم ذلك الخرق بمزيد من الأفراد والأدوات كي يستمر أفراد الجيش في التوغّل، بينما إن استطاع العدو السيطرة على منطقة تابعة لهذا الجيش فسوف تنسحب قوّاته منها بالتدريج، الأمر إذن أن تعيد ترتيب ذاتك وتتكيف مع تغير الظروف، لكن الفارق هو أن المخ يتعامل كسرب نمل بدون قيادة مركزية، فقط عبر تغذيات رجعية موجبة وسالبة وتكيّفات مع الأوضاع القائمة.

 

حينما تصاب المنطقة الخاصة بحاسة البصر بالتلف تحول مناطق القشرة المخية التي كانت تعمل على حاسة البصر إشاراتها العصبية وتعزز اللدونة العصبية من الوصلات في منطقة حاسة أخرى

دويتشه فيلله
 

نحن نعرف مثلا أنّ لكل فص من فصي المخ وظيفة مختلفة عن الآخر، رغم ذلك حينما يتضرر2 أحدهما لسبب ما يقوم الآخر بعمل تعزيز للوصلات مع الخلايا العصبية السليمة فتقوم بأداء بعض وظائف الجزء المفقود بالإضافة إلى أداء وظائفها، حينما تصاب المنطقة الخاصة بحاسة البصر بالتلف يحدث أن تحول مناطق القشرة المخية التي كانت تعمل على حاسة البصر إشاراتها العصبية وتعزز اللدونة العصبية من الوصلات في منطقة حاسة أخرى، كالسمع أو اللمس مثلا، فتصبح أقوى، وهو ما يفسر السمع المرهف لدى بعض فاقدي البصر.

 

أقرب الأمثلة هنا هو الذاكرة، لنفترض أنك قرأت هذا المقال الآن ثم لسبب ما -بعد غد- تذكرت تلك الفقرة التي تحدثت فيها عن الجيش، في اللحظة التي قرأت فيها تلك الفقرة ووضعتها في دماغك فقد حدثت تلك اللدونة العصبية بالفعل، لقد تغير دماغك حينما حافظ على تلك المعلومة، هل تتذكر حينما كنت في الصغر تذهب في زيارة لبيت جدتك؟

 

صوت العصافير على الشجر، رائحة الكيك الشهي المطبخ بانتظارك، صوت جرس بابها، ملمس ذلك السرير القديم، ثم يحدث أن تذهب لزيارتها بعد انقطاع طويل فما إن ينفتح الباب حتى تتذكر ذلك كله دفعة واحدة، الرائحة والملمس والمشهد والصوت، ما حدث هنا هو أن الخلايا العصبية التي ترتبط بحواس مختلفة والتي تم تفعيلها معا في هذا المكان عززت الوصلات العصبية بين بعضها البعض فأصبحت الذكرى واحدة لعدة حواس معًا، القاعدة إذاً حزم الخلايا العصبية التي تستثار معاً للعمل يرتفع عدد الوصلات فيما بينها (Cells that fire together wire together).

 

تجارب هامة
جميل جدًا، نفهم الآن بشكل مبسط ما يدور حوله مفهوم اللدونة العصبية، يمكن إذن أن تنشأ الوصلات العصبية الجديدة بسرعة مذهلة، لكن لكي تتصل تلك الخلايا -سواء كانت تلفت قبل ذلك أو فقط من أجل غرض جديد- يجب أن يتم تحفيز تلك الوصلات، هنا دعنا نتعرف على مجموعة من أشهر التجارب في ذلك النطاق، إنها تجارب مايكل ميرزنتش3 ورفاقه في جامعة كاليفورنيا على الفئران.

 


هناك مجموعتين من الفئران، تم تدريب المجموعتين للحصول على هدية - قطعة جبن مثلا - في حال استجابت لقوة نغمة ما (المجموعة الأولى) أو تردد نغمة ما (المجموعة الثانية)، نحن نعرف أن الاستجابة لتردد نغمة محدد يحتاج من الفأر أن يرفع من درجة انتباهه على عكس الاستجابة لقوة النغمة، بعد عدد محدد من المرّات لفترة زمنية محددة نحصل على نتائج تشير إلى تضاعف أعداد الخلايا العصبية في المنطقة السمعية المخية المسؤولة عن تلك الاستجابة للتردد، عن القوة، يعني ذلك أن انتباه الفأر فقط رفع من عدد الوصلات العصبية في مكان ما.

 

تجارب أخرى شهيرة تعلقت بعمليات إعادة تأهيل4 المرضى بعد الجلطات عبر حفز إعادة تنظيم القشرة المخية عبر ما يسمى "العلاج بتحفيز الحركة المقيدة"، والفكرة هنا بسيطة وقد تعلمناها منذ قليل، حينما يصاب المريض بجلطة وتتوقف أطرافه العلوية عن العمل يحدث أن يقلل المخ - عبر التغذية الرجعية السالبة - من الروابط بين المناطق المسؤولة عن تلك الحركة لأنها غير نشطة، فتقل درجة نشاطها بدرجة أكبر وهكذا حتى تتوقف تماما. حينما يتم تحفيز استخدام الطرف المتأثر عبر تمارين متكررة الدماغ تتكون وصلات عصبية جديدة ويستطيع الطرف اكتساب بعض قدراته السابقة، نفس الفكرة تتم باستخدام نبضات كهربية ضعيفة في تقنية تدعى الحث الكهربي الوظيفي.

 

في الفترة الأخيرة تطورت الادعاءات حول اللدونة العصبية لتشمل أفكارا تتعلق بتمارين ومساقات عقلية ما يمكن لها أن ترفع من قدرات الذكاء، الذاكرة، القراءة.. إلخ، مجموعة أخرى تتحدث عن قدرة الجسد على شفاء ذاته عبر التأمل5 وترك سبل الغضب، القلق، المثيرات النفسية السيئة ذات العلاقة بالعمل، ومجموعة ثالثة - تشمل هنا تصريحات لـ مايكل ميرزنتش - تتحدث عن تمارين جسدية ما قد تكون قادرة على شفاء الفصام والاكتئاب بنفس القدر كما تفعل الأدوية!

 

وأخيرًا -كالعادة- تجارة رائجة
حسنًا، تجد بعض من تلك الأبحاث القبول بدرجات مختلفة في الوسط البحثي، ولا مجال لفتح ذلك الباب الآن لكنه سوف يكون هدف مقالات القادمة، لكن ما نود توضيحه أن بعض تلك الادعاءات6 -صدقت أو كذبت- تروج لذاتها خارج نطاق المجلات العلمية عبر شركات تبهر المواطنين بالحديث -كالعادة- عن تمرين سوف يعطيك الراحة الأبدية، وآخر سوف يعطيك ذاكرة أينشتين، وعبقرية فاينمن، وقدرة شوبنهاور على خفض كل توقعاتنا عن العالم. تستند كل تلك الادعاءات التي تقابلك كإعلان في مجلة ما أو عبر الويب، على نفس الفكرة، اللدونة العصبية، قدرة الظروف البيئية على (تحفيز/تثبيط) قدرة المخ على إنشاء الوصلات العصبية بين خلاياه.

 


في مقال سابق7 تحدثنا بشكل أكثر تفصيلا عن وجود إمكانية مستقبلية نستطيع من خلالها، ربما، رفع درجات ذكائنا، لكن إلى الآن لا نجد أي شيء واضح يمكن الاستناد عليه للإشارة إلى تمرين ما، مساق ما - والأسوأ من ذلك - كتاب ما، يمكن له أن يحفز من درجة ذكائك بشكل مؤكد، فقط يلجأ الباحثون في العموم للتأكيد على أهمية ممارسة الرياضة، الامتناع عن التدخين، حل الألغاز عموما، القراءة، في تحفيز بعض قدراتنا.

 

كالعادة، تستغل بعض الجهات، التي تسعى فقط لربح سريع، ورقة بحثية ما، أو خبرا منشورا هنا أو هناك على جريدة علمية رصينة يتحدث عن مجموعة من احتمالات، أو تجارب مبدئية، لكي تنشئ (منظمات/مشاريع/شركات) كاملة تروج عبر تلك الأبحاث لقدرات برامجها العلاجية على شفاء السرطان، السكر، الضغط، عبر التأمل أو ممارسة بعض التمارين العقلية أو الجسدية، لكن ذلك كما وضحنا من قبل8 غير صحيح، فلكي نجيز استخدام دواء أو برنامج علاجي ما يحتاج الأمر لعدد طويل من السنين للتحقق من صحة نتائجنا وتأثير تلك الآليات على حيوانات التجارب ثم عينات صغيرة من البشر ثم دراسة أثر ذلك بعد استخدامه.

 

لذلك، فإن ما سوف أطلبه منك - كالعادة - هو أن تتحلى بدرجة من التشكك حينما تحاول البحث عبر الإنترنت أو غيره خلف موضوع اللدونة العصبية، خاصة لو كان ذلك من أجل حالة مَرَضية ما، حيث تنتشر هنا وهناك مراكز بحثية عديدة تنشر دراسات بالجملة لا يمكن التأكد من صحتها، لتكن مصادرك إذاً أكثر رصانة ومصداقية.

 

لكن ما يهم هنا في الحقيقة، وما يعطينا الفرصة للتأمل بعد الانتهاء من رحلتنا المُبسّطة، هو الفكرة ذاتها التي تلقي بنا إلى بحور من الأسئلة، إذ كيف يتشكل دماغنا؟ عبر الخبرة؟ هل نحن أبناء ظروفنا وبيئتنا التي تعرضنا لها في الطفولة فانطبعت (نشاطاتنا/ما ننتبه إليه) على أدمغتنا كفئران مايكل ميرزتش؟ أم نحن أبناء حتميتنا الجينية التي ولدنا بها؟ أم أن الأمر جدلٌ بين الحالتين؟ ما هي الإرادة الحرة؟ هل يمكن أن يفسر ذلك اختلاف تصرفات (الأعراق/الثقافات) البشرية تجاه نفس المواقف؟ تُرى كيف سيكون شكل المستقبل؟ هل سوف نتمكن من حفز أمخاخنا لقدرات غاية في الحدّة يوما بعد - قُل - ثلاثمائة سنة مثلا؟ أم سوف نخلق كائنات جديدة؟ صورة مختلفة منّا! وإذا كنّا سنخلق شيئًا جديدا، فمن نحن؟

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار