انضم إلينا
اغلاق
طبيبك النفسي بحاجة لتعلم تقنيات جديدة لعلاجك

طبيبك النفسي بحاجة لتعلم تقنيات جديدة لعلاجك

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
أحدث التطور المعلوماتي طفرة هائلة في عدد كبير من المجالات، لم يكن العلاج النفسي حتى وقت قريب منها. فالعلاجُ النفسي من أكثر المجالات اعتمادا على العلاقة الشخصية، وذكاءِ وفراسة المعالج. وهو ما يراه الكثيرون خارج قدرات الأجهزة والبرامج الحديثة. لكن هذا غير صحيح. تحوي هذه المقالة تجربة معالج نفسي مع هذا النوع الجديد من الأدوات، يذكر فيها قصة مريضتهُ الراحلة التي جعلته يدرك ضعف أدوات المعالج النفسي التقليدية، كما يذكر عدد كبير من الأبحاث، والتجارب الواقعية، التي تثبت فعالية الأدوات الجديدة، وإن كان كثير من زملائه يتعاملون مع الفكرة نفسها بتشكك وريبة. إنها إضافة كبيرة وحقيقية للعلاج النفسي، وهذه هي قصتها.


نص المقال
كانت جريس مدمنة هيروين مضى على تعافيها ستة أشهر تقريبا، وكنت أنا معالجا نفسيا تحت التمرين في الرابعة والثلاثين من عمري. حين بدأنا جلسات العلاج في 2006، لم تكن الكثير من الأمور تجري لصالح جريس. كانت أما عزباء، بلا وظيفة، خاضت سلسلة من العلاقات مع رجال عنيفين، وكانت مدمنة مخدرات. لكن رغم هذه التحديات، كانت جريس تكافح بشجاعة لإصلاح حياتها، والاحتفاظِ بحضانة طفلها الصغير. (لقد قمت بتغيير أسماء المرضى وبعض التفاصيل المتعلقة بهم حفاظا على الخصوصية).

تغيبت جريس عن ثلاث جلسات متتالية. وحينما ظهرت أخيرا، كانت قد عادت إلى إدمان الهيروين. خلال الشهور القليلة التالية، انهار كل ما شيدته

بيكساباي


ركز علاجنا على تشجيع حضور جريس اجتماعات مدمني المخدرات المجهولين، وتقليص القلق النفسي الذي قالت إنه سبب لجوئها إلى المخدرات. مرت الأشهر القليلة الأولى على ما يرام. كانت تخبرني أسبوعيا بنجاحاتها، فقد حضرت اجتماعات المدمنين، وحصلت على وظيفة، ووجدت حبيبا يحترمها.
 

كنا سويا على علم بالتحديات التي تواجهها، من حضانة ابنها، وربما استمرار حياتها أيضا، لكننا رفضنا اعتبار الفشل خيارا ممكنا. كنت أطلب منها باستمرار تقديم إفادة عن نتائج عملنا معا. وأكدت لي باستمرار على الأثر الإيجابي للجلسات. مع ذلك، كان يشوب حماسها شيء من اليأس، كانت كثيرا ما تتحدث بسرعة، مع ابتسامة صغيرة متكلفة.
 

كنت أخضعُ لإشرافٍ أسبوعي من قبل أخصائية نفسية تتبع موقع التدريب على الإرشاد الاجتماعي الذي التحقت به. كانت ذكية ولماحة، تتمتع بخبرة لعقودٍ في مساعدة المدمنين، كنت محظوظا بدعمها لي. بعد ثلاثة أشهر من العلاج، أخبرت مشرفتي أن حالة جريس تتقدم كثيرا، إلى درجة اتفاقنا على مضاعفة الفترة الزمنية بين الجلسات، من أسبوع إلى أسبوعين. قلت لها: "إنها تتقدم بسرعة استثنائية". لكن مشرفتي كانت حذرة، فأجابتني "إن التخلص من الإدمان صعب، لكن الاستمرار في ذلك أكثر صعوبة".
 

وقد كانت محقة. بعدها بقليل، تغيبت جريس عن ثلاث جلسات متتالية. وحينما ظهرت أخيرا، كانت قد عادت إلى إدمان الهيروين. خلال الشهور القليلة التالية، انهار كل ما شيدته. فقدت وظيفتها، وحبيبها، وواصلت تعاطي المخدرات. إلا أنها كانت تأتي إلى الجلسات صادقة، مما أتاح لي الاطلاع على تفاصيل حياتها الأليمة عن قرب. جربت كل منهج علاجي أمكنَني التوصل إليه، لكن لم يحرز أي منها نجاحا مستمرا. طوال هذه الفترة، كانت جريس تؤكد على استطاعتها القيام بذلك. كانت تقول: "علي فقط تجنب الانتكاس".

ركز علاجنا على تشجيع حضور جريس اجتماعات مدمني المخدرات المجهولين، وتقليص القلق النفسي الذي قالت إنه سبب لجوئها إلى المخدرات

بيكساباي


بعد الانتكاس بأشهر قليلة، توفيت جريس بسبب جرعة مخدر زائدة، وأرسل طفلها إلى ملجأ. كنت منهارا تماما. لقد سببت لي هذه الواقعة أزمة: أي شيء آخر كنت أملك فعله؟ كيف لي أن أصبح معالجا نفسيا أكثر فعالية؟

 

وفي أثناء بحثي عن إجابات، تذكرت فكرة ناقشها أحد أساتذتي في الفصل قبل عام؛ كان قد قرأ كتاب "كرة المال"، الذي تناول الطريقة الثورية التي استخدم بها فريق بيسبول أوكلاند أثليتيك مقاييس الأداء، مما أثار فضوله عما إذا كان العلاج النفسي أيضا يمكنه الاستفادة من توفر مزيد من البيانات والتحليلات. عرض علينا الأستاذ بحثا تمهيديا واعدا، لكنه أشار كذلك إلى الارتياب الذي تعامل به كثير من المعالجين النفسيين مع الفكرة.
 

ربما لن يساعد العلاج النفسي كل الأشخاص، لكن ذلك ينطبق على مجموعة كاملة من أدوية الأمراض الجسدية أيضا. إنه يساعد كثير من الأشخاص بالفعل، وهذا هو ما يهمنا

لم يجذِب الموضوع اهتمامي، حين ذكره الأستاذ أول مرة. بدت الفكرة نفسها شديدة الافتراضية والأكاديمية، وتكاد تكون مهينة للمهنة؛ فالعلاجُ النفسي يختلف عن أي مجال آخر، في ظني، بسبب الطبيعة المتغطرسة التي يكتسبها من كونه غير قابل للاختبار. إن العلاقات الإنسانية هي مجال عملنا. وهي ما لا يمكننا قياسها. لكن عقب وفاة جريس، وجدتني أكثر تقبلا للاتجاهات المختلفة، أصبحت متقبلا لأي شيء قد يصلح مساحات جهلي ونقاط ضعفي.

 

يظهر نذر يسير من الأبحاث الطبية أن المعالجين النفسيين - وهم كل من يقدمون علاجا بالحوار، بدءا من الأخصائي النفسي إلى الأخصائي الاجتماعي - يتفاوتون بشدة في الفعالية. مثلما ظهر في دراسة، قادها جون أوكيشي من جامعة بريجهام يونج، حيث قارنت بين النتائج الطبية لواحد وتسعين معالجا نفسيا، وتوصلت إلى أن أفضلهم أداء قد ساعد العملاء على التحسن أسرع من المعالج المتوسط بعشر مرات. على الضفة الأخرى، هناك دراسة قادها الأخصائي النفسي ديفيد كروس، وجدت أن عملاء المعالجين النفسيين الأقل فعالية، يصبحون أشد سوءا بدرجة خطيرة، في مجالات العنف وإساءة استعمال المواد المخدرة، مع انتهاء فترة العلاج.


كانت بداية علاقتي بالمجال على يد معالجي النفسي، الذي ساعدني كثيرا خلال سنوات مراهقتي المضطربة. أخبرني معالجي النفسي مرة: "إن العلاج النفسي فن لِلعلاقات. لا يمكنك قياس درجة النمو الذاتي". في الحقيقة، لم أفهم مقصده ساعتها، لكن لقائي به على مدار سنوات ساعدني بشكل كبير في فترات اكتئابي، وغضبي، وقلقي. أيا كان ما فعله معي، فقد كان ناجعا.

يمكن للعلاج النفسي أن يكون شديد الفعالية؛ فنحن لا نعاني أي نقص في الأدلة التجريبية التي تثبت نجاح العلاج النفسي في مساعدة المرضى الذين يعانون من مدى واسع من المشاكل

بيكساباي


بعدها بعقد ونصف، وبعد مغامرات كثيرة ووظائف غريبة خلال عشرينات العمر وأوائل الثلاثينات، التحقت بالدراسة، متبنيا الرأي نفسه عن العلاج النفسي "إنه فن أكثر دقة وتعقيدا من أن يقاس". رغم ذلك، في أول منصب تدريبي لي، لم أملك إلا ملاحظة ثبات حالة كثير من عملائي في منطقة وسطى، رغم بذلنا أفضل ما لدينا. كما انسحب نحو ربع العملاء أو أكثر قليلا من العلاج، دون تفسير، بعد أسابيع أو أشهر قليلة من بدايته. وراحت حالة عشرة بالمئة على الأقل تتدهور. ولما كان كثير من العملاء قد جاءوا يطلبون العلاج، وهم يشعرون بميل إلى الانتحار، أو على وشك الاضطرار إلى دخول مصحة، لم يكن في وسعهم تحمل مزيد من التدهور. كذلك عجزت بصورة متواصلة عن التنبؤ بالعميل الذي ستتجمد حالته، أو سينسحب، أو سينتكس.


بشكل عام، يمكن للعلاج النفسي أن يكون شديد الفعالية. وهذه نقطة تحتاج التأكيد عليها، لأن كثيرا من الناس ما يزالون يشككون في فعاليته. نحن لا نعاني أي نقص في الأدلة التجريبية التي تثبت نجاح العلاج النفسي في مساعدة المرضى الذين يعانون من مدى واسع من المشاكل، بداية من الأبسط نسبيا (مثل الخوف من الطيران) وصولا إلى الحالات الأكثر تعقيدا والمقاومة للعلاج (مثل اضطراب الشخصية الحدية). ربما لن يساعد العلاج النفسي كل الأشخاص، لكن ذلك ينطبق على مجموعة كاملة من أدوية الأمراض الجسدية أيضا. إنه يساعد كثير من الأشخاص بالفعل، وهذا هو ما يهمنا ههنا.

 

سواء كان الأمر في العلاج النفسي أو في غيره، ما تزال هناك مساحة جيدة للتحسينات. وقد جاءت تجربتي تحت التدريب، مشابهة للنمطِ الأعم، حيث قُدرت الانسحابات بنحو 25% أو أكثر، مع %5 إلى %10 هي نسبة الانتكاسات خلال العلاج، وكانت الأخيرة هي الأكثر إحباطا. تم الاعتراف بهذه المشكلات منذ ميلاد العلاج النفسي، حينما كتب فرويد نفسه مقال "التحليل، محدد الأمد وغير محدد الأمد".


ومع إدراكهم لهذا التحدي، عمل المعالجون النفسيون بجد لتحسين النتائج. وتركز أغلب هذا الجهد، طوال العقود الثلاثة الأخيرة، على دراسة ومناقشة أي من نماذج العلاج هي الأكثر فعالية. إلا أن نتائج هذه المبادرات جاءت مخيبة للآمال بدرجة كبيرة. أبلت كثير من النماذج - مثل العلاج البينشخصي، والعلاج المرتكز على العواطف، والعلاج السلوكي المعرفي - بلاء حسنا في الدراسات. لكن سيتبين لنا بعد إجراء تحليل تَلَوي أوسع، أن معظم النماذج ليست أكثر نجاحا من غيرها باستمرار. لقد لخص هذا البحث في بيان للجمعية الأمريكية لعلم النفس عام 2012، أعلنت فيه أن "أكثر طرق العلاج النفسي صحة وإحكامًا، تكاد تكون متماثلة في الفعالية".


لا شك أن بعض النماذج قد تكون أفضل أو أسوأ بالنسبة لأفراد العملاء. لكن تشجيع المعالجين النفسيين على تفضيل نموذج على آخر بشكل عام، لم يحسن من حالة العميل. على سبيل المثال، اختبرت دراسة بريطانية حديثة نتائج مجهود جبار لتدريبِ المعالجين النفسيين على العلاج السلوكي المعرفي. فتبين أن حالة العملاء لم تتحسن، رغم الاستثمار الهائل للوقت والمال.


إذا كان تفضيل نموذج على البقية لا يحسن حالة العميل، فأي شيء سيفعل؟ "إنها خصال المريض والمعالج، التي لا تظهر عادة في تشخيص حالة المريض، أو في استخدام المعالج لنموذج معين، هي التي تؤثر على النتائج" حسب بيان الجمعية الأمريكية لعلم النفس. أو بعبارة أخرى، إن مهارة المعالج أكثر أهمية من النموذج المتبع: هل يمكن للمعالجين كسب ثقة المرضى ودفعهم إلى الصراحة؟ هل يمكنهم تشجيع المرضى على مواجهة أكثر مخاوفهم تجذرا؟ هل يمكنهم معاملة العملاء بدفء وشفقة، مع اعتراضهم بحزم، في الوقت نفسه، إذا تطلب الأمر؟


بينما يعتمد الأطباء على عدد كبير من الأدوات، مثل السماعات الطبية، واختبارات المعمل، والمشارط، يبقى المعالجون النفسيون هُم أنفسهم الأدوات الرئيسية للعلاج النفسي. لكن ذلك يعيدنا إلى السؤال المركزي الذي واجهته عقب وفاة جريس، ألا وهو كيف يمكن تحسين هذه الأدوات؟ وأعني بذلك المعالجين النفسيين أنفسهم.


شهدت معظم المجالات تقدما هائلا خلال القرن الماضي. وتضمنت قصة تقدمها في الأغلب ظاهرتين وثيقتيّ الصلة، كانت التكنولوجيا هي السبب الرئيسي فيهما.


كان أولهما التغذية الارتجاعية عن الأداء، التي منحت الأفراد وعيا متقدما بمدى جودة أو سوء أدائهم لعملهم. وتأمل الأثر الحديث لتكنولوجيا مقاطع الفيديو بطيئة الحركة، على الرقص الاحترافي. ففي 2015، اعتبرتها مجلة وايرد "أداة مفيدة للراقصين بدرجة لا تصدق، يستطيعون بها شحذَ قدراتهم. فلقد مكنتهم هذه التكنولوجيا الحديثة من تحسين تقنيات الرقص، وتهذيب شريط اختبار القبول الخاص بهم قبل تقديمه، وفصل جوانب معينة من أدائهم لم يكن تحديدها من قبل ممكنا".


لسوء الحظ، يبدو أن العلاج النفسي هو أكثر مجال يواجه صعوبات في الاستفادة من التغذية الارتجاعية. فالمعالج النفسي يعمل - غالبا - في عزلة، بعيدا عن تقييمات الأداء الموضوعية، ويرجع ذلك إلى الطبيعة الشخصية والحساسة لعملنا، التي تحميها القوانين واللوائح والمعايير المهنية العامة. حاول التفكير في جراح، أو راقص، أو أي نوع من التعليم الرياضي، لا يخضع لإشراف ما، اللهم إلا مشاركة بعض الانطباعات عن الأداء الأخير مع الرؤساء. هذا هو المأزق الذي يواجهه كثير من المعالجين النفسيين.


بالتأكيد يمكننا سؤال العملاء عن رؤيتهم الجوانب الإيجابية والسلبية في العلاج، وهكذا يفعل كثير من المعالجين. لكن السؤال لن يجدي إلا مع عميل مستعد لتقديم إجابات صريحة. لكن الكثير من العملاء يتكتمون على الإفادات الانتقادية، خاصة حينما يكون العلاج غير مجد. في دراسة مسحية حديثة، أجراها مات بلانكارد وباري فاربر من جامعة كولومبيا، سئل 547 عميل عن مدى صراحتهم خلال العلاج.
 

فاعترفت نسبة هائلة بلغت 93% بتجميل تقييمات الأداء التي يدلون بها للمعالجِ، عادة عبر "التظاهر بأن العلاج أثبت فعالية وإنكار الرغبة في إيقاف العلاج". لكن إذا كان المرضى لا يخبروننا بالحقيقة، كيف لنا أن نتوقع انتكاساتهِم، مثلما حدث لجريس أمام عيني؟


يقودنا ذلك إلى التطور الآخر الذي شهده القرن العشرون، والذي دفع بالكثير من التخصصات إلى الأمام، رغم تجاوزه العلاج النفسي بصورة كبيرة، ألا وهو استخدام المقاييس للتنبؤ بالنتائج المحتملة. وأشهر تطبيقٍ للمقاييسِ هو مفهوم "كرة المال" الذي ألهم أستاذي، وقد حدث في السبعينات، عندما جمع مشجع بيسبول يدعى بيل جيمس كمية عظيمة من بيانات الأداء، التي أهملتها الفرق الاحترافية في السابق (أو على الأقل لم تمنحها التقدير الكافي)، مثل نسبة اللجوء إلى العنف، ونسبة اتباع القواعد. وصمم جيمس باستخدام هذه البيانات، أدوات إحصائية للتنبؤ بأداء لاعبي البيسبول. في النهاية، قلبت هذه الأدوات طريقة إدارة فرق البيسبول. فهل يمكن لمقاربة مشابهة، أعني البحث عن نمط إحصائي في سلسلة شاسعة من نتائج العلاج النفسي، أن تحسن قدرة المعالجين النفسيين على التنبؤ بمسار حالة المرضى؟

بالاعتماد على بيانات تاريخية تخص آلاف الحالات، أنتجوا خوارزميات يمكنها التنبؤ بمعاناة المريض من خطر الانتكاس

بيكساباي


على مدى العقود القليلة الأخيرة، قام مايكل لامبرت، الباحث بجامعة بريجهام يونج، بتطوير نظام يجيب فيه العملاء على استقصاء من 45 سؤال قبل كل جلسة، يتولى بعدها حاسب آلي جدولة إجاباتهم. ثم تعرض النتائج على هيئة رسم بياني يوضح مسار أعراض كل عميل، مما يتيح للمعالج تتبع تطورات الحالة.


كذلك كان لامبرت وفريقه في طليعة الساعين إلى تطوير مقاييس للعلاج النفسي. وبالاعتماد على بيانات تاريخية تخص آلاف الحالات، أنتجوا خوارزميات يمكنها التنبؤ بمعاناة المريض من خطر الانتكاس. فإذا اتضح من إجابات العملاء أنهم في خطر، يستقبل المعالجون إنذارات مرمَزة لونيًَا، حسب الحالة، فيشير الإنذار الأحمر لخطر التغيب عن الجلسات أو الانتكاس، والإنذار الأصفر للحالة التي تتطور بمعدل أقل من المتوقع. وفي اختبار أولي للخوارزميات، نجحت في التنبؤ بالعملاء الذين سينتكسون، بدقة بلغت 85 بالمئة، بعد ثلاث جلسات فقط.


واليوم، تعرف هذه الأسئلة والخوارزميات باسم العلاج القائم على التغذية الارتجاعية. ويعزز هذا النظام العلاج بطريقتين رئيسيتين؛ أولا، يوفّر هذا النظام تقييما موضوعيا للأداء، يفتقر إليه المعالجون كثيرا. فغالبية العملاء أكثر استعدادا للإبلاغ عن تفاقم الأعراض أمام الحاسب الآلي، حتى وهم يعرفون أن المعالج سيرى هذه النتائج، أكثر من استعدادهم لإحباط معالجِهم وجها لوجه.


أما الفائدة الثانية فمصدرها المقاييس؛ إذ يسمح الإنذار للمعالجين النفسيين بتعديل العلاج، كما قد يساعدهم على تعويض القصور الناتج عن الثقة الزائدة بالنفس، ومناطق الجهل السريري. ففي إحدى الدراسات، طلب إلى 48 معالجا نفسيا، يتابعون عدة مئات من العملاء في عيادة واحدة، التنبؤ بالمرضى الذين ستسوء حالتهم. لم ينجح سوى معالج واحد في تحديد عميل واحد في خطر. والجدير بالذكر، أنه كان معالجا تحت التدريب.  لم ينجح أي من المعالجين المجازين في التنبؤ بحالة انتكاس محتمل واحدة. فقط تم التنبؤ بانتكاس ثلاثة مرضى، رغم إبلاغ الباحثين للمعالجين بأن معدل الانتكاس للعيادة عموما يقترب من ثمانية بالمئة، ورغم أن 40 عميلا، أو نحو سبعة بالمئة ممن شملتهم الدراسة، انتكسوا في نهاية الأمر بالفعل.

قبل كل جلسة، تستغرق جون دقائق للإجابة على الأسئلة، حيث تتفاعل مع عبارات من قبيل "أشعر بالخوف"، و"أستمتعُ بوقت فراغي"، بإجابات تتراوح ما بين "أبدا" و"دائما تقريبا"

بيكساباي


بعد وفاة جريس بعدة أعوام، بدأت في العمل مع عميلةٍ تدعى جون. في هذه المرحلة، كنت أستخدم العلاج القائم على التغذية الارتجاعية كجزء من منهجي في العلاج، بعدما ألهمتني محاضرات سكوت ميلر، الذي شارك في تأسيس المركز الدولي للتميِيز السريري، وساعد في تطوير نظم العلاج القائم على التغذية الارتجاعية، مستخدما خوارزميات اعتمدت على 250 ألف حالة كاملة من حول العالم.


جاءت جون، التي تركت الدراسة مؤخرا في كلية مجتمع محلية، تطلب العون للتغلب على القلق، والاكتئاب، والعزلة الاجتماعية. أخبرتني أنها عانت من هذه الأعراض طوال حياتها. كانت تعيش بصحبة والدين من المتدينين الأصوليين، شديدي التسلط.


بدت جلسات العلاج في البداية مبشرة. كانت جون خجولة وهادئة، لم تتلاقَ أعيننا قط. لكنها أظهرت اهتماما صادقا بتعلم مهارات تحد من قلقها، كما أفادت بممارسة هذه المهارات بين الجلسات. حينما كنت أطلب من جون تقييما في نهاية كل جلسة، كانت تجيب بأن العلاج يفيدها بالفعل. قالت بصوتها الرقيق الحذر"إن المهارات التي أتعَلمها منك جيدة حقا".


قبل كل جلسة، تستغرق جون دقائق معدودة للإجابة على الأسئلة، باستخدام حاسب لوحي من طراز أبل في غرفة الانتظار، حيث تتفاعل مع عبارات من قبيل "أشعر بالخوف"، و"أستمتعُ بوقت فراغي"، بإجابات تتراوح ما بين "أبدا" و"دائما تقريبا". ورغم استطاعتي الاطلاع على الرسم البياني الخاص بحالتها في كل جلسة، لم أهتم بذلك في البداية، لأنها بدت لي في تحسن عظيم.


أخيرا تفقدت الرسم البياني، بعد عدد قليل من الجلسات، فعلت ذلك مدفوعا بالواجب، أكثر منه إيمانا بفائدة الرسم في هذه المرحلة. لكني صدمت حينما أظهر الرسم لي إنذارا أحمر اللون. لم تتحسن أعراض جون منذ جلستنا الأولى. علاوة على ذلك، أشارت الخوارزميات تعرضها إلى خطر حقيقي، ما بين الانتكاس أو الانتحار.


كان انطباعي الأول عن الإنذار متشككا، كما هو الحال حتى يومنا هذا، متى تعارضت خوارزميات البرنامج مع حدسي. هناك خطأ ما في البرنامج لا محالة، هكذا ظننت. سألتها عن حالها، فأجابت ناظرة إلى ركن الغرفة، أن المهارات التي تتعلمها مني مفيدة. لكني أصررت هذه المرة، قلت "إني مسرور بسماع ذلك، لكن كيف حالك؟" صمتت جون لفترة، وغيرت جلستها على المقعد، كان من الواضح أنها لا تشعر بالراحة. بدأ قلقي يتعاظم، وقاومت الرغبة في تغيير الموضوع. قلت لها "خذي ما تشائين من الوقت. لا داعي للعجلة". وبعد فترة صمت، نظرت جون إلى عيني، ربما للمرة الأولى، وقالت "أنا آسفة، لكني أظن أن حالتي تتدهور. أرجوك لا تظن أنه خطأك أنت، بل هو خطئي. لقد ساعدتني حقا". كانت جون تنتكس، وما كنت لأكتشف ذلك أبدا بدون البرنامج.


تعكس تجربتي واقع المعالجين النفسيين حول العالم. لقد شجع نجاح بحث مايكل لامبرت على ظهور موجة ضخمة من أنظمة التغذية الارتجاعية: تم تطوير ما يقرب من خمسين نظام، خلال العقدين الأخيرين. ومع انتشار هذه النظم، تراكم المزيد من بنوك البيانات السريرية الأكبر حجما. أظهرت الدراسات أن المقاييس تحسن فعالية العلاج النفسي بشكل كبير، ويشمل ذلك تقليل معدلات الانسحاب من العلاج، وتقليل مدة العلاج. أي شيء لا يستحق الإعجاب في ذلك؟


للأسف، لم تستقبل التخصصات المختلفة المقاييس بترحاب. ويعتبر تاريخ ميزان الحرارة (الترمومتر) مثالا جيدا. في منتصف القرن التاسع عشر، بعد قرنين ونصف من اختراع ميزان الحرارة، حلل كارل فاندرليخ درجات حرارة أكثر من 25 ألف حالة. فوجد أن متوسط درجة الحرارة العادية للشخص السليم يتراوح ما بين 37 و38 درجة. حينئذ اقترح فاندرليخ تتبُّع حالة المريض عبر قراءة درجة حرارته على فترات منتظمة.


جاء رد فعل كثير من التخصصات الطبية متشككا. كان ميزان الحرارة في ذلك العصر ضخم الحجم، يبلغ طوله نحو قدم، ويستغرق من 20 إلى 25 دقيقة لتسجيل درجة حرارة المريض. كذلك كانت هناك مشاكل في الاعتمادية، ولم يكن الأطباء والممرضون واثقين من طريقة الاستخدام المثلى. لكن بغض النظر عن هذا الإزعاج، وجد الأطباء في فكرة اعتمادهم في التشخيص على بيانات تقدمها لهم أدوات طبية، شيئا من الإهانة. فقد كانوا يشخصون الحمى في الماضي عن طريق لمس أجزاء مختلفة من جسد المريض بأيديهم، ومن ثم التوصل إلى التشخيص، عبر مزيج من الحدس والخبرة. كما خشي البعض من أن يؤدي استخدام ميزان الحرارة إلى تردي مهارات الأطباء.


بعد مرور قرن ونصف، استقبلت المقاييس وأنظمة التغذية الارتجاعية برد الفعل نفسه. لقد نُشرت عشرات الدراسات التي تثبت فوائد المقاييس والتغذية الارتجاعية منذ أول ظهور لهذه النظم. غير أن تكيف المعالجين مع الوضع الجديد كان بطيئا. وجدت دراسة أجريت عام 2003، بقيادة آن جارلاند من جامعة كاليفورنيا سان دييجو، أن 92% من العينة التي تضم معالجين نفسيين من مقاطعة سان دييجو، لم تستخدم التقارير التي قدمت لها عن حالة المرضى. كذلك هناك ورقة بحثية نشرها جيمس بوزويل وزملاؤه في جامعة ألباني عام 2013، استشهدوا فيها بأبحاث نُشرت عام 2002 و2004 و2008، لقد ورد في هذه الورقة أن "الدراسات الاستقصائية التي تغطي مختلف البلدان، تشير إلى أن استخدام العلاج القائم على التغذية الارتجاعية في العمل اليومي يقتصر على عدد محدود من الأطباء".


إن لم تكن الدراسات الأحدث تخلو تماما من أي بيانات صلبة عن استخدام أنظمة التغذية الارتجاعية، فإنها لن تتواجد - في أحسن الأحوال - إلا في قلة منها، إلا أن انطباعي الشخصي يخبرني أن استخدام العلاج القائم على التغذية الارتجاعية اليوم ما يزال محدودا بين المعالجين النفسيين بدرجة محبطة. ومن خبرتي في التحدث إلى أقراني، أرى أن أكثر أسباب العزوف عن تبني هذه التقنية شيوعا، هو الإيمان بأن البيانات الكمية - أو الحاسوب، وهو الأسوأ - لا يمكنها استيعاب دقائق العلاج النفسي، وبالتالي يشعر كثير من المعالجين بوجوب رفض فكرة المقاييس نفسها دون تردد.

 

الجزء الأول من هذه المحاجة صحيح؛ إذ لا يستطيع مقياس واحد للصحة النفسية تشخيص المرض النفسي، إلا كما يستطيع ميزان الحرارة تشخيص السرطان، أو داء السكري، أو أمراض القلب. إضافة إلى احتمالية تقديم أنظمة العلاج القائم على التغذية الارتجاعية نتائج خاطئة، مما سيؤدي إلى المبالغة في تقدير المخاطر، أو التقليل من شأنها. لكن هذا ليس بالسبب الكافي لتجاهل البيانات كلية، بالضبط كما نقرُّ بقيمة المعلومات التي يقدمها ميزان الحرارة، حتى إن لم يكن لها الكلمة الأخيرة في تحديد حالة المريض الصحية.


كتب المؤرخ أ. ج. يونجسون يقول إن "هذا صحيح على الأرجح؛ فإِحدى المشكلات الأكثر شيوعا للأفكار الجديدة، وخاصة العملية منها، هو ما يشوبها من نقص". لقد احتاج الأمر إلى قرنين ونصف من الزمان، بعد اختراع ميزان الحرارة، كي يتوصل فاندرليخ إلى بروتوكول فعال لقياس الحرارة السريري. بالمثل، سيستغرق تحسين العلاج القائم على التغذية الارتجاعية فترة من الزمن. على سبيل المثال، أظهر تحليل بعدي حديث، أن هذه الأنظمة لا تحسن نتائج الجلسات العلاجية لجميع العملاء، بل من يعانون من خطر الانتكاس فقط (أقر بذلك مايكل لامبرت من قبل). كما أن المقاييس لن تفيد إلا الأطباء الذين يعرفون كيفية توظيفها لتحسين العلاج. إن جمع بيانات العلاج النفسي خطوة هامة لتحسين فهمنا لحالة مرضانا. لكن ذلك لن يشفي مرضا نفسيا، مثلما لن يشفي وضع ميزان الحرارة في فم المريض وحده الأنفلونزا.


تملك روبي بابنس-فاجنر خبرة في التعامل مع الإمكانيات الاستثنائية والألم الشديد المرتبط بهذه المقاييس. إنها الرئيس التنفيذي لمركز كالجاري للمشورة، وهي منظمة مجتمعية ضخمة للصحة النفسية في غرب كندا، تضم 24 معالجا و55 متدربا. سمعتُ عن المركز للمرة الأولى قبل عدد من السنوات. كنت أسأل سكوت ميلر عن أمثلة لِأطباء يستخدمون العلاج القائم على التغذية الارتجاعية، فقال: "عليك التحدث مع روبي، إنها في الصدارة، تسبق الجميع بعقد من الزمان".


كانت بابنس-فاجنر تملك 14 عاما من الخبرة السريرية، حين شغلت منصب مدير الاستشارات في مركز كالجاري للمشورة عام 1992. وفي أثناء بحثها عن طرق لتحسين المركز، قرأت عن نظام المقاييس الجديد الذي أسسه مايكل لامبرت، فأعدت خطة لتطبيق مقاييس العلاج النفسي في مركزها، بالتعاون مع فريق العمل خلال هذه الفترة. كانت تأمل في استخدام بيانات العلاج القائم على التغذية الارتجاعية لخلق "مناخ يساعد على تحسين أداء المعالجين"، حسبما قالت بابنس-فاجنر في الورقة التي شاركت فيها لاحقا.


ومع نهاية فترة تجريبية من أربع سنوات، حللت بابنس-واجنر البيانات التي جمعها المركز. وبينما كان متوسط النتائج جيدا، اتضح أنه لم يستخدم العلاج القائم على التغذية الارتجاعية سوى نصف المعالجين فقط، رغم طلب الإدارة ذلك من الجميع. لقد أتاحت عباءة الخصوصية السميكة، التي تخيم على غرفة العلاج، للمشككين، تجاهل التعليمات التي وجهت إليهم.


تقول بابنس-فاجنر إن الشكوى الأكثر شيوعا بين المعالجين كانت "إنها بيانات خاطئة، لا يتوجب إرغامُنا على فعل ذلك، أنا أعي ما أقوله جيدا". ويعنون بذلك أن "حدسي يخبرني، أو خبرتي في الجلسات تخبرني، أني أعرف حالة عميلي". استمعت بابينس-واجنر إلى مخاوف المعالجين، وطلبت منهم إفادة عن كيفية تحسين نظام المقاييس. كما أكدت أن جمع البيانات أمر إلزامي. وخلال أشهر قليلة، استقال 40 بالمئة من المعالجين.


لكن بابينس-واجنر لم تلن، وكذلك لم تذهب مثابرتها سدى. فحص سيمون جولدبيرج من جامعة ويسكونسن في ماديسون، بيانات المركز (كنت واحد من ثمانية شاركوا في الدراسة، لكن جولدبيرج تولى الغالبية العظمى من العمل) فوجد تحسنا ضئيلا، لكن مستمر، في الفعالية السريرية، كل عام، على مدار سبعة أعوام. وحسب معرفتي، هذه هي المرة الثانية في التاريخ، التي يثبت فيها بحث نفسي، بمنهج تجريبي، تحسن فعالية المعالج النفسي، على مدى سنوات، قياسا على تحسن حالة المرضى. (تظهر الدراسات الأخرى تحسنا في استخدام المعالجين لنماذج محددة، أو الالتزام بها. لكن تحليل بعدي لـ36    دراسة أظهر أن "تمكن المعالج والتزامه يلعب دورا ضئيلا في تحديد التوجه المستقبلي للعرض")
 


رغم هذه النتائج المذهلة، ما تزال نسبة كبيرة تجد صعوبة في التأقلم مع استخدام البيانات. أخبرتني ميشيل كيو، وهي مستشارة نفسية في المركز، كيف كانت مرتابة في النظام حين بدأت تدريبها قبل سنوات قليلة. تتذكر قائلة "كانت لدي بعض المخاوف المتعلقة بالكيفية التي يمكن بها استخدام رسم بياني أو إحصائيات لصالح العملاء". كذلك كانت قلقة من أن يسبب ذلك توترا يؤثر على علاقتها بالمرضى. لكن بمرور الوقت، قالت إنها اكتشفت أن النظام يحسن التواصل بالفعل. "الآن لا يمكنني حتى التفكير في الاستغناء عنه". كما أخبرتني أن كثيرا من المتدربين الذين تشرف عليهم يخوضون رحلة مشابهة، تبدأ بالتخوف مبكرا وتنتهي بتبني النظام.


أتفهم جيدا ذلك التردد التلقائي في استخدام المقاييس. فمواجهتي بنقاط ضعفي أمر لا يسر أبدا. يكون ذلك مزعجا في أفضل الحالات، ومهينا في أسوئِها. يتطلب ذلك معركة يومية مع عقلي، الذي يلح علي كي أتجاهل أي بيانات جديدة لا تتناسب مع افتراضاتِي وتوقعاتي، أو أعاملها بريبة على الأقل.


لكن مع علمي بصعوبة تجاهل المعالجين لغرائِزهم الصادقة، لصالح بيانات باردة، أعلم أيضا، من التجربة المباشرة، كيف يكون الأمر قاسيا على المريض حين يعجز المعالج عن إدراك حقيقة حالته بدقة. ففي الثلاثينات الأولى من عمري، قبل أن أصبح معالجا نفسيا، عاود القلق والاكتئاب الذي واجهته في فترة مراهقتي هجومه، وبدأت أستخدمُ العقاقير دون إشراف في أول الأمر. لكن عندما أدركت حجم المشكلة، بدأت في حضور جلسات مع أخصائي نفسي، كان قد ساعدني بصورة رائعة من قبل. لكن في هذه المرة، لم تبد لي الجلسات مفيدة. ومثلما حدث في حالة جريس، وجدتني مستترا في إحدى ثنايا غفلة معالجي. لم يستخدم معالجِي المقاييس، وكذلك لم يقتنع قط أن حالتي تنتكس، حتى بعد اعتيادي حضور الجلسات منتشيا.

تولى برنامج التغذية الارتجاعية دور المرشد الذي لا غنى عنه، فساعدنا سويا على رؤية ما كنا نميل إلى تجاهله

لحسن الحظ، كان لي أصدقاء شجعوني على البحث عن علاج نفسي أكثر فعالية. عشت فترة غاضبا من معالجي النفسي السابق. لكني الآن أكثر تفهما: فقد فشلت في توقع كثيرا من الانتكاسات والانسحابات عند مرضاي. هناك كثير من الأمور التي لا نستطيع رؤيتها في الضباب، نحتاج دوما نحن المعالجين النفسيين إلى تذكر ذلك، والترحيب بالأدوات التي ربما تساعدنا على تجنب ما قد تؤدي إليه رؤيتنا القاصرة.


في حالة جون، ربما تكون المقاييس وتقييمات الأداء قد أنقذت حياتها. فبرنامج التغذية الارتجاعية، كأنه منارةٌ علم نفس، نبهتني إلى انتكاستها. والانتباه إلى المشكلة يسمح لك بالبحث عن الحلول الممكنة. حصلت على إذن جون في تسجيل إحدى جلساتنا، وعرضت الفيديو على الاستشاري جون فريدريكسون. تدرب فريدريكسون ليكون عازف موسيقى كلاسيكية، لكنه بدل مجال عمله في ثلاثينياته.

 

وفي سنوات دراسته، فوجئ فريدريكسون أن العلاج النفسي لا يستخدم بعض المبادئ التي تشكل أساس التدريب الموسيقي، مثل تقييمات الأداء المتكررة. والآن، مع عقود قليلة من الخبرة في العلاج النفسي، تخصص فريدريكسون في مساعدة المعالجين النفسيين على تحسين فعاليتهم.


شاهدنا فيديو جلسة جون معا، وانتبه فريدريكسون إلى بعض المشكلات. على سبيل المثال، لاحظ فريدريكسون إمساك جون بمعدتها، وذلك قد يعني أن القلق يثير غثيانها. كما لاحظ ممارستها المهارات التي تعلمتها مني خلال الجلسة بصورة مكثفة، لكنها لم تتحدث مطلقا عن شعورها في أثناء قيامها بذلك. قال فريدريكسون شارحا: "لقد خلقت، من غير قصد منك، علاقة رأسية، تجري من الأعلى إلى الأسفل، تقوم فيها أنت بدور المعلم، وهي تحاول أن تكون تلميذة نجيبة عبر تقليص أعراضها المرضية. إنها لا تخبرك بما تقاسيه احتراما لك".

قلَّ قلق جون تدريجيا. وبعد عامين، تخرجت من الجامعة مع مرتبة الشرف. وفي آخر جلساتنا، مدت يدها وصافحتني، للمرة الأولى

بيكساباي
عندما سألته عن الطريقة المناسبة لمساعدتها، أشار علي بالتخلي عن الدور السلطوي، والتعامل معها كشريك مكافئ، ومساعدتها في الاعتراف بألمها وقلقها بدلا من الخضوع لي. فلما لقيت جون لاحقا، أخبرتها بما قاله فريدريكسون، وطلبت معرفة رأيها. جلست جون صامتة لدقيقة، ثم رأيت بريقا خافتا لابتسامةٍ على وجهها. وقالت مقرة "قد يكون محقا في ذلك".


 اتفقنا على استكمال عملنا معا، بمزيد من التركيز على قلقها، وبتعاون أكثر توازنا. لم يكن هذا سهلا على أي منا. شعرت جون برغبة داخلية متواصلة في تبني دور الطالب الجيد المذعن، وتقليل أعراض مرضها المؤلمة، وشعرت أنا كثيرا برغبة في تعليمها مزيدا من المهارات، بدلا من الاستماع إليها باهتمام أكبر. طوال هذه العملية، تولى برنامج التغذية الارتجاعية دور المرشد الذي لا غنى عنه، فساعدنا سويا على رؤية ما كنا نميل إلى تجاهله.
 

وكلما أعطاني النظام إنذارا بتردي أعراض جون، وأن الانتكاسة قد عادت تحوم حولها، كنت أسجل جلسة وأطلب استشارة تعينني على إصلاح أخطائِي.


خلال العام التالي، قلَّ قلق جون تدريجيا. وبعد عامين، تخرجت من الجامعة مع مرتبة الشرف. وفي آخر جلساتنا، سألتها أي جانب من العلاج ترى أنه كان الأكثر فائدة. فأجابت بابتسامة خجلة "لقد رأيتني، رغم بعد المسافة". ثم مدت يدها، وصافحتني، للمرة الأولى.

_________________________________________________________________
المقال مترجم عن الرابط التالي
مئوية سايكس بيكو

آخر الأخبار