انضم إلينا
اغلاق
عدم اليقين.. ما هو اللاشيء؟

عدم اليقين.. ما هو اللاشيء؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
قد يكون رد فعلك الأول على عنوان هذا التقرير هو "ببساطة لا شيء، هل أنت مجنون؟"، لكن المشكلة أنك حينما تتحدث عن "لا شيء" فأنت توجده وتعطيه تعريف "شيء ما"، قد تبحث قليلًا خلف أية إمكانية لتصوّر هذا الـ"لاشيء" فتجد أنك في المقام الأول استخدمت أداة التعريف "الـ" والتي -في الأساس- توجده مرة أخرى، في كل مرة تحاول فيها المساس باللاشيء سوف تفشل؛ لأن المساس به -بنفس بساطة إجابتك الأولى- إيجادٌ له!

 

في تلك المرحلة سنتعلم أن أفضل الطرق للتعبير عن اللاشيء هي بالسكوت، فأية كلمة، تعريف، تفكير، إشارة واحدة فقط تلغي معناه، وقبل كل التأملات التي تطرحها تلك الفكرة والتساؤل عما إذا كنّا قد ابتعدنا بالفعل عن أرض العلم لحقل التفلسف، دعنا نبدأ في فض الاشتباك قليلا بتوضيح الفارق بين "العدم" (nothingness) و"الفراغ الفيزيائي" (Empty Space)، فالعدم هو اصطلاح فلسفي يشير إلى نقيض الوجود.

 

قد يبدو ذلك سخيفًا للوهلة الأولى، وربما يكون ذلك العدم هو وهم لغوي ابتدعناه؛ لكن ماذا لو سألنا عن مدى سخافة قيم رياضية كـ"سالب واحد"، "القسمة على صفر"، "جذر سالب واحد"؟ قد نضطر في بعض الأحيان لاستخدام أدوات، قد تبدو تلك الأدوات للوهلة الأولى أشياء سخيفة؛ لكن سخافتها تؤدي وظيفة ما تساعدنا في الفهم بشكل أفضل، يذكرني ذلك باقتباس شهير لأينشتين "إذا لم تبد الفكرة سخيفة منذ البداية فلا أمل فيها"!

 

جميل جدا، لنفترض الآن أن لدينا ممحاة سحرية يمكن استخدامها لحذف أي شيء في الوجود، سوف نبدأ بمحو تلك المجرة اللامعة هناك، مجرة السيجار من كوكبة الدب الأكبر، ثم قد نمحو تجمع مجرات العذراء في الجانب الآخر من السماء، لنستكمل المحو حتى نصل إلى نجوم مجرتنا، الذرات المتبقية في الفراغ، الطاقة والإشعاع، ثم سوف نمحو أنفسنا، والممحاة ذاتها؛ بحيث لا يتبقى لدينا إلا ذلك الفضاء المسطح الممتد في كل اتجاه، الآن حصلنا على الفراغ الفيزيائي.

 
عالم الفيزياء الألماني والحائز على جائزة نوبل فيرنر هايزبنيرغ سنة 1927 (1901-1976) (مواقع التواصل)

 

عدم اليقين

للوهلة الأولى يبدو سهلًا أن نخلق فراغًا كهذا؛ لكن ذلك غير صحيح للأسف، ولتبيّن حدود تلك المشكلة سوف نضطر لأخذ بعض الوقت من أجل تعلّم حفنة من الأساسيات في ميكانيكا الكم ثم نرجع لموضوعنا، دعنا نسافر بالزمن تسعين سنة للوراء، حينما صاغ فيرنر هايزنبرغ مبدأ عدم (التأكد/اليقين) سنة 1927، المبدأ الذي ينص على أنه لا يمكن تحديد خاصيتين مُقاستين من خواص نظام كمومي معًا إلا ضمن حدود معينة من الدقة، أشهر الأمثلة هنا هو استحالة حساب موضع وسرعة الإلكترون معًا في نفس الوقت؛ بل يمكن تحديد أحدهما بدرجة تقترب من اليقين والآخر بدرجة تبتعد عنه.

 

كانت تلك صدمة حقيقية لكل فيزيائي وقتها، لقد تعلمنا في حصص الفيزياء أنه حينما نود التعرف إلى حركة شيء فكل ما نحتاجه هو دراسة مساره عبر الموضع والزمن، سيكون في المكان "أ" عند اللحظة "س" وفي المكان "ب" عند اللحظة "ص" وهكذا، حينما نفقد الدقة في التعرف على أشياء بتلك البساطة فهناك حقًا مشكلة عظيمة تواجه الفيزياء ككل، لذلك احتج الكثيرون على تلك الصيغة واعتبر البعض أن مبدأ عدم اليقين هو مجرد هراء؛ ولكن رغم كل ذلك ثبتت صحة المبدأ تجريبيًا ونظريا، فكما أن سرعة الضوء هي حد السرعة الأعلى في الكون، عدم اليقين هو حد اليقين الأعلى.

 

ويخطئ البعض حينما يتصور أن سبب عدم اليقين هنا هو مشكلة الملاحظة فقط، كأن تحاول رصد الإلكترون مثلًا بكاميرا تشع جسيمات أخرى فتُخل تلك الجسيمات بحركته كجسيم هو الآخر؛ وبالتالي تهتز دقة نتائجنا، لكن مبدأ عدم اليقين يبتعد بنفسه لمستوى أعمق من ذلك؛ حيث يعد جزءًا أساسيًا من نسيج الكون سواء حاولنا الملاحظة أو لم نحاول، الإلكترون نفسه لا يمكنه أن يتخذ موضعًا وسرعة محددين في نفس الوقت، وتلك كارثة تمتد آثارها إلى الآن.

 

 

لفهم أفضل لمبدأ عدم اليقين دعنا نتأمل صيغته الرياضية، كالعادة: لا تقلق، فالأمر لن يتعدّى عملية ضرب عادية؛ لكنه في نفس الوقت سوف يشرح الكثير، في المعادلة يشير الرمز Δx إلى مقدار "عدم تأكدنا" من موضع الجسم، فمثلا -للتشبيه فقط- نقول إن الجسم موجود في أي موضع ما ضمن مسافة 10 سم، وذلك أصغر من أن نقول إن الجسم موجود في أية مسافة ضمن 40 سم، عدم التأكد في حالة الـ40 سم أكبر، وهكذا..، أما إذا كان معروفا أن الجسم موجود الآن في هذه النقطة تحديدا فلا يوجد "عدم تأكد" هنا، لذلك فالقيمة الخاصة بعدم التأكد تساوي صفرا، نحن متأكدون.

 

أما عن الرمز Δp فهو يشير إلى مقدار عدم التأكد في قيمة الزخم (كمية الحركة)، والزخم هو موضوع سهل؛ حيث يعني فقط حاصل ضرب سرعتك في كتلتك، نعرف أن تأثير ذبابة قادمة تجاهك بسرعة 80 كم /ساعة يختلف عن تأثير شاحنة ضخمة قادمة تجاهك بنفس السرعة؛ لأن زخم الشاحنة أكبر.

 

إذن حاصل ضرب عدم التأكد الخاص بموضع جسيم في زخمه دائما أكبر من أو يساوي قيمة ثابتة، لا تهتم كثيرا بقدر تلك القيمة التي تتعلق بثابت بلانك؛ لكن المهم أنه لا يمكن أبدًا أن يساوي صفرا، لذلك فإن الأمر يشبه تلك الطريقة التي درسّونا بها الرياضيات الأوّلية في الحضانة، فلنقل مثلا إننا نحتاج أن نعرف الأرقام التي مجموعها يساوي 6، إذا كان الطرف الأول في عملية الجمع هو 5 فالآخر 1، أما لو كان 4 فالآخر 2، وهكذا...، يعني ذلك أنه بسبب ثبات القيمة 6 كلما ارتفع طرف من طرفي عملية الجمع فالآخر سوف ينخفض.

 

بالمثل، إذا ارتفعت درجة تأكدنا من الموضع؛ فإن درجة تأكدنا من الزخم تنخفض؛ لكن ماذا لو تأكدنا تماما من قيمة الزخم مثلا؟ يعني ذلك أن قيمة "عدم التأكد مضروبة في الزخم" ستساوي "صفرا"، وبضرب الصفر في أية قيمة للموضع سوف يساوي الناتج "صفرا"، وهذا يقف تماما ضد أن تكون قيمة حاصل ضربهما أكبر من أو تساوي رقما ما.

 

هنا لا يوجد غير حل واحد فقط لتلك المشكلة، وهو أن تكون قيمة الموضع هي "لانهاية ∞" وبالتالي فإن حاصل ضرب "صفر" في "لانهاية سوف يساوي "لانهاية" وهي أكبر من الصفر؛ لكن الـ"لانهاية" تعني فيزيائيًا هنا أن الجسيم فقد ما يعنيه اصطلاح "موضع" لقد أصبح -حرفيًا- في كل مكان بالكون، هنا يتضح معنى أن نقول إنه إذا حددنا الزخم فلا يوجد أي معنى لاصطلاح الموضع، دعنا في دقيقتين نتأمل تجربة ممتعة تثبت ذلك:
 

 

قد يكون ذلك صعبا بعض الشيء، وربما ستحتاج للتوقف قليلًا وتأمل تلك الأفكار الجامحة التي بنت نفسها على تلك المعادلة الصغيرة، لتحقيق فهم عملي للفكرة دعنا نتصور أن الجسيم الكمّي بحجم كرة تنس أرضي، قد وضعنا تلك الكرة في صندوق زجاجي صغير؛ بحيث يتبقى لها مجال حركة ضعيف، حينما نطبق مبدأ عدم التأكد فإن درجة عدم تأكدنا من موضع الكرة قد انخفضت؛ لأننا وضعناها في صندوق ضيق، لذلك سوف ترتفع درجة عدم تأكدنا من الزخم، ما يعني أن كرة هايزنبرغ في حالتها العادية، ومن دون أن نلمسها، سوف تهرع كالمجنونة لتصطدم بحدود الصندوق الزجاجي بسرعة جنونية، في عوالم عدم التأكد لا يمكن لأي شيء أن يتواجد في حالة سكون، ويعد ذلك جزءا جوهريا من تركيب هذا الكون نفسه.

 

 

الفراغ والطاقة والمجال الكمّي
 

 
دعنا الآن نطور معارفنا قليلا، بعملية رياضية* يمكن لنا تحويل صيغة (الموضع /الزخم) في مبدأ عدم التأكد إلى صورة أخرى تشتمل على (الطاقة /الزمن)**، وبذلك -قياسًا على حديثنا السابق- لا يمكن لعدم التأكد الخاص بالطاقة مضروبا في رفيقه الخاص بالزمن أن يصبح صفرا، يجب أن يكون دائما أكبر من قيمة تحددها علاقة عدم اليقين، يدفعنا ذلك لتساؤل جديد، ما فائدة ذلك كله؟ علاقات عدم يقين وطاقة لا تصل إلى صفر، ونحن لا نزال لم نعرف مشكلة الفضاء الفارغ، هنا سوف نحتاج أن نتعرف إلى نظرية المجال الكمّي.

 

في تلك النقطة ربما ستود العودة إلى مقال سابق لتعلم بعض الشيء عما يعنيه المجال في فيزياء الكم، لنفترض أن هناك مجموعة من الأزرار الموزعة بانتظام في مربع ما كما بالشكل، تلك الأزرار المضيئة التي ما إن تضغطها حتى تعود للأعلى من جديد، وهي مرتبطة بوصلات مطاطية فيما بينها، هذه الأزرار تسمح لنا بالضغط عليها كلما أردنا، حينما نضغط على أحدها تهتز وتنشر تلك الاهتزازة في بقية الأزرار بالضبط كما يفعل إلقاء قطعة حجر في الماء.

 

 

هنا نقول إن هذا هو المجال الكمّي، ولكل جسيم نسخة منه، فهناك مجال الكوارك، والإلكترون، والجلون.. إلخ، وكل مجال منهم يملأ الكون كله، ويعرّف الجسيم في المجال الكمّي على أنه اهتزازة للمجال تنشأ حينما نقدم له قدرا محددا من الطاقة، حينما نقدم تلك (الضغطة/الطاقة) للمجال بقدر محدد فإن الجسيم يظهر في المجال الكمّي، قدر الطاقة يكافئ الكتلة كما تقول نسبية أينشتين في المعادلة الشهيرة E=mc2

 

سنقف هنا قليلا، لنعيد التأكيد على أن ما نقوم به، في هذا التقرير وغيره، هو محاولة للتقريب لا أكثر، محاولة أن نشرح بلغة حياتنا اليومية بعض الأمور الفيزيائية المعقدة؛ لكن ذلك فقط "يشبه" الواقع ولا "ينطبق" عليه، بمعنى أن المجال الكمّي في الواقع، إن كان هناك واقع بأي معنى واضح، لا يحتوي على زنبركات، ولا على كرات، ولا على أي شيء مادي، إن ما يهمنا هو تأمل المفهوم ذاته، ما يمكن أن تعنيه أفكار كتلك دون الوقوع في أسر أفكارنا الخاصة، وهو أمر مهم ورصين ويستحق بذل بعض الجهد في سبيله.

 

الفراغ ليس فراغًا إذن؛ لكن للأسف ليست تلك نهاية الأحجية؛ بل هي بداية أكثر غموضًا؛ حيث تُطرح الأسئلة التالية: ما هي تلك الجسيمات الافتراضية؟ هل هي جسيمات عادية أم لا؟ هل هناك مثلًا حالة ما وَسط؟

دعنا الآن ندمج ما تعلمناه معًا، إذا أوجدنا حالة مطلقة من الفراغ ومحونا كل جسيمات الكون فسيعني ذلك أن الفضاء الفارغ سوف تكون طاقته مساوية لصفر؛ حيث لا يوجد أية جسيمات تهتز في مجالاتها؛ لكن ذلك يقف ضد مبدأ عدم التأكد الذي يقول إنه لا يمكن أن تكون الطاقة صفرا أبدًا، هنا يضطر الفضاء الفارغ نفسه، امتثالًا لمبدأ عدم اليقين، أن يخلق حالة أدنى من الطاقة فيه، حالة ليست صفرا؛ بحيث تظل هناك دائما فرصة لعدم اليقين.

 

لذلك، تنشأ في الفراغ الفيزيائي أزواج موجبة وسالبة من المادة والمادة المضادة؛ بحيث تُفني بعضها البعض خلال لحظات غاية في القصر بعد خلقها تاركة قدرا من الطاقة يساوي تقريبًا ما مقداره فوتون في المتر المربع من مساحة الكون، تنشأ تلك الجسيمات وتفني بعضها البعض في كل مكان بالكون بحيث تحظر حالة الفضاء الفارغ نهائيًا.

 

تسمى تلك الجسيمات بـ"الجسيمات الافتراضية" (Virtual Particles)، وكلمة "افتراضية" هنا لا تفي المصطلح معناه، هو في النهاية مصطلح غاية في التعقد حتى على المتخصصين في المجال، دعنا نتعامل معها على أنها نوع من الاضطراب. الأمر كأن نقول أن حاصل جمع "1"و"-1" هو "0"، فراغ، لا شيء. تسمى تلك الظاهرة "التموج الكمومي"(Quantum fluctuation)، ويحدث ذلك بشكل طبيعي في الفراغ، وتستمر الجسيمات الافتراضية في التولد والتلاشي، وهكذا للأبد.

 

الفراغ ليس فراغًا إذن؛ لكن للأسف ليست تلك نهاية الأحجية؛ بل هي بداية أكثر غموضًا؛ حيث تُطرح الأسئلة التالية: ما هي تلك الجسيمات الافتراضية؟ هل هي جسيمات عادية أم لا؟ هل هناك مثلًا حالة ما وَسط؟ ثم، الأمر بسيط إذن أنت تقول إنه يوجد دائمًا شيء بدلا من لا شيء، دائما هناك شيء ما؛ لكن ذلك لم يجبنا على سؤال مهم: لماذا هناك دائمًا شيء؟ لماذا لا شيء؟ هل يمكن حينما نتحدث عن تكميم الزمان والمكان أن يخضع كل منهما لنفس الفكرة ونتحدث عن "عدم" حقيقي؟ حسنًا، سوف يتطلب ذلك منّا حديثا آخر مطوّلا لا يخلو من الرصانة والدفع بنا لتحدي عقولنا، فقد عودتنا طبيعة الأشياء في الكون أن نقف مذهولين أمام كل خرق ممكن لإدراكنا البديهي.

 

========================================

 

*لمحبي الفهم، وفقط لتبسيط الفكرة لا أكثر، قم بضرب طرف المعادلة الأيسر في قيمة (سرعة /سرعة) وهي تساوي 1 ولا تؤثر طبعا، السرعة بالأعلى تُضرب في الزخم لتساوي الطاقة Mv2 والسرعة بالأسفل تنزل تحت الموضع لتخلق الزمن من المعادلة البسيطة "الزمن يساوي الموضع في السرعة"

**الأمر أكثر تعقيدا من ذلك، يمكن لك أن تنظر القسم الثالث من هذا البحث لتفهم المراد.

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار