انضم إلينا
اغلاق
راقصو الفضاء.. نجوم ثنائية ترسم ملامح تطور الكون

راقصو الفضاء.. نجوم ثنائية ترسم ملامح تطور الكون

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

إن كانت تلك هي المرة الأولى التي تتعلم فيها عن عالم النجوم، فربما سيكون من المدهش معرفة أن نصف نجوم السماء تقريبا هي نجوم ثنائية، أي أنها تتكون من شمسين يدوران حول بعضهما البعض، يحدث ذلك بشكل دائم ويراقبها هواة الفلك بنظاراتهم المُعَظِّمة وتلسكوباتهم، وفي حالات قليلة يمكن للعين أن تلتقط زوجا منها، أحد الأمثلة هنا هو النجم زيتا من كوكبة الدب الأكبر، الواقع في ذيل المقلاة الضخمة المعروفة، وقد تحدثنا عنه من قبل(1) مع مجموعة أخرى من النجوم المزدوجة الرائعة والتي يمكن لك رصدها بتلسكوب صغير لا يتخطى سعره مئة دولار، لكن حديثنا هذه المرة سوف يكون حول طبيعة تلك الحالة المثيرة للانتباه، والعلم الممتع وراء ذلك كله.

 

كانت أشهر إشارة إلى النجوم المزدوجة تاريخيا من الفلكي ويليم هيرشل حينما كان يقيس تزيّح -نوع من الحركة في السماء- مجموعات من النجوم، واكتشف أن بعض النجوم القريبة من بعضها تتفاعل جذبويا معا، فكتب في أواخر القرن الثامن عشر أن بعض النجوم تقترب من بعضها بحيث تصنع نظاما مستقلا يتأثر كل من فرديه بجاذبية الآخر، وجمع منها في عام 1802 سبعمئة زوج في قائمة خاصة، وكان أول من أطلق عليها لقب ثنائيات (Binary)، لكن هنا تجدر الإشارة إلى أن وجود نجمين بجانب بعضهما البعض لا يعني بالضرورة أنهما يدوران حول بعضهما البعض، فربما يكونان هكذا فقط بالنسبة للناظر من على الأرض.

 

رقصة بقوانين نيوتن

في تلك الحالة نسمّيها(2) ثنائيات ضوئية أو كاذبة (Optical Binary)، ويشبه الأمر أن ترى من على الأرض طائرتين تقتربان في السماء بشكل خطير وتخشى أن يصطدما، لكن ذلك لا يحدث لأنهما بعيدتان بالفعل عن بعضهما البعض، ويستخدم اصطلاح نجم مزدوج (Double Star) للإشارة إلى أي نجمين يقفان جنبا إلى جنب في السماء، سواء كانا مرتبطين جذبويا أو فقط مجرد ثنائي ضوئي، لكننا نطلق لقب نجم ثنائي (Binary Star) على تلك النجوم التي ترتبط ببعضها البعض جذبويا بالفعل -أي تدور حول بعضها-، ونطلق اصطلاح ثنائي بصري (Visual Binary) على تلك المجموعة من النجوم الثنائية التي يمكن للعين المجردة، النظارة المعظمة، أو التلسكوب بأية قدرة الفصل بين فرديها، أي أن تراهما بجانب بعضهما البعض كما حكينا منذ قليل عن ميزار وألكور من كوكبة الدب الأكبر، في حين أن هناك مجموعات من الثنائيات لا يمكن لنا رصدها بالتلسكوبات، وسوف نتعرف إليها بعد قليل، لكن دعنا في البداية نشير إلى نقطة مهمة.

 

دوران الأجرام السماوية حول بعضها البعض في كل الأحوال -سواء كانا كوكبا وقمرا، أو نجمين، أو كوكبا وشمسا- لا يعني أن أحد الجرمين يقف ثابتا بينما يدور الآخر حوله، قد يبدو ذلك عجيبا، فأنت تعرف بالفعل أن الشمس تقف ثابتة بينما تدور كل كواكب المجموعة الشمسية حولها، لكن الحقيقة هي أن كل جرمين سماويين -حسب قوانين نيوتن- يدوران حول نقطة ما بينهما تتعلق بفارق كتلتيهما، تسمى تلك النقطة مركز الكتلة(3)، يشبه ذلك -ليس بالضبط ولكن للتقريب- النقطة بين كفتي الميزان.

 

إذا كانت كتلتي الجرمين متساوية يدوران معا حول نقطة في المنتصف تماما بينهما، وكلما ازدادت كتلة جرم منهما على الآخر اقتربت تلك النقطة من الجرم الأكبر في الكتلة، وإذا كان فارق الكتلة مهولا ستقترب النقطة من الجرم الأكبر في الكتلة حتى تدخل فيه، لكنها لا تكون أبدا في مركزه، لذلك، يمكن القول إن الشمس هي الأخرى -بشكل أو بآخر- تدور حول الأرض.

 

كما ترى في الحالة الأولى، لدينا نجمان متساويا الكتلة، هنا يدور كل منهما حول نقطة في منتصف المسافة بينهما، أما إذا كانت كتلة أحدهما أكبر من الآخر (الحالة الثانية) فإن مركز الدوران يتحرك ناحية الكتلة الأكبر، وفي حالة يكون فارق الكتلة (الحالة الثالثة) فيها ضخم يكون مركز الدوران بداخل أحد الرفيقين، حالة الشمس والكواكب.

 

يعني ذلك أن النجوم الثنائية متساوية الكتلة لا يدور أحدها حول الآخر ولكنهما يدوران معا حول نقطة تقع في المركز، وكلما اختلفت الكتلة اختلف موضع المركز، أحد أشهر الأمثلة هنا هو نجم الشعرى B والذي يدور مع الشعرى اليمانية(4) (Sirius) أو الشعرى A حول مركز مشترك يميل بشكل أكبر ناحية الشعرى A لأنه ذو كتلة أكبر بفارق واسع من رفيقه، فالشعرى A هو عملاق أبيض، بينما رفيقه هو قزم أبيض بحجم كوكب أورانوس مثلا لكن بكتلة تساوي كتلة الشمس تقريبا، هنا يمكن ملاحظة أن نظام تسمية الثنائيات بسيط، يوضع الحرف A بجانب النجم الرئيس في النظام وB بجانب الذي يليه، ويمكن إن كان النجم متعددا -أي يتكون من أكثر من نجمين، ثلاثة نجوم معا مثلا أو أكثر- أن نضيف حروفا تالية كـ C ثم D وهكذا.

 

كما ترى في هذا التصميم التخيّلي، فإن الفارق ضخم بين حجم الشعرى A والشعرى B، رغم ذلك فإن كتلة هذا القزم الأبيض تساوي تقريبا كتلة الشمس، وبذلك يقع مركز الكتلة أثناء الدوران في نقطة قريبة للشعرى A.

 

هناك طريقة أخرى لتسمية النجوم التي تفصلها مسافة قوسية كبيرة، تلك التي توجد في أطلس باير(5) النجمي، في تلك الحالة نسمّي النجوم بالأرقام، بمعنى أنه حينما يكون النجم ألفا من الكوكبة ثنائيا فيُسمّى فرديه بـ ألفا1 وألفا2، وفي بعض الأحيان يتم تسمية الرفيق حسب مُكتشفه، وفي أحيان أخرى إن كان هناك فارق في درجات الحرارة بين النجمين يسمى أحدهما الرفيق الساخن (Hot companion) والآخر بالرفيق البارد (Cold Companion).

 

إلى اليسار ترى دورة الشعرى اليمانية A ورفيقه B حول مركز مشترك، الدورة بين عامي 1960 و2010، دورة الرفيق الصغير أكثر اتساعا من الأخ الأكبر، وترى إلى اليمين شكل نفس الدورة كما تظهر بالنسبة لنا على الأرض.

 

في بعض الأحيان يكون أحد الرفيقين أكبر من الآخر كما رأينا في حالة الشعرى، يصعّب ذلك إمكانية أن نرصد هذا الثنائي بالتلسكوبات حيث إن لمعان أحدهما يغطي الآخر، وفي حالات أخرى يمكن لنا فصل النجمين، كلما ازداد قطر تلسكوبك تمكنت من رؤية عدد أكبر من النجوم المزدوجة، فاقترابها من بعضها يتطلب تلسكوبات كبيرة لفصلها، الكثير من النجوم تظهر للعين المجردة والتلسكوبات الصغيرة كنجم مفرد، ثم يتبين في تلسكوب أكبر أنها نجم مزدوج، وبعض التلسكوبات الصغيرة تتمكن من فصل نجم مزدوج لكن يظهر بالنسبة لتلسكوب أكبر أن كلا من الرفيقين هو الآخر له رفيق يدور معه، بمعنى أننا الآن أمام نظام يحتوي على أربعة نجوم تدور حول بعضها البعض، هنا كما قلنا تسمى نظما متعددة (Multiple star systems)، والنظام ميزار وألكور من كوكبة الدب الأكبر هو مثال رائع على تلك الحالة، فهو يتكون في الحقيقة من ست نجوم تدور معا.

 

تقاس المسافة بين الرفيقين إذن بالثواني القوسية(6)، وكلما اقتربا احتجنا لتلسكوب أكبر، فتلسكوب بقطر 2 (بوصة/إنش) قادر فقط على فك النجوم ضمن مسافة أكبر من 2.5 ثانية قوسية، بينما تلسكوب بقطر 12 بوصة قادر على فك الثنائي ضمن .5 ثانية قوسية، ولتحقيق رصد أفضل للنجوم المزدوجة يمكنك الرجوع لمقال سابق للكاتب يرشح خلالها بعض الأطالس والكتب الجيدة المناسبة، علما بأن تتبع ورصد النجوم المزدوجة هو هواية ذات متعة خاصة، بل يقوم بعض الهواة بتتبع تلك النجوم(7) بشكل أكثر دقة عبر رسم الزاوية والمسافة بين الرفيقين وإرفاقها بأية قاعدة بيانات شهيرة للنجوم المزدوجة، أما إن كنت تسأل عن أطلس فيُنصح باستخدام أطلس كامبردج للنجوم المزدوجة (Cambridge Atlas Of Double Stars).

 

ولكي ندرس النجوم الثنائية بطريقة أدق وأكثر سهولة، فهناك آلية عامة لرسمها يتعامل بها أهل علم الفلك حينما يقومون برصد أي ثنائي، وهي أن نضع كلا منهما على خريطة سماوية يكون النجم الرئيس بالمركز في دائرة للاتجاهات الأربعة، ثم نحدد الزاوية والمسافة بينه وبين رفيقه بالثواني القوسية، والثواني القوسية هي وحدة قياس المسافة في السماء، فالمسافة بين نجمين مثلا تبدأ بالدرجة، وتتكون كل درجة من ستّين دقيقة، وكل دقيقة من ستّين ثانية، يشبه الأمر أن تقف على الأرض لتشير إلى نجمة ما بذراعك الأيمن، وأخرى بالأيسر، مقياس الزاوية بالمنقلة بين ذراعيك هو مقياس المسافات في السماء بالدرجات.

 

بتلك الطريقة يتمكن الفلكيون عبر خرائط النجوم المزدوجة من التعرف إلى الزاوية والمسافة بين النجمين، هنا دورة الشعرى B حول الرفيق A، بين عامي 1950و 1999، بعض النجوم المزدوجة تستكمل دورة كاملة في مئات وربما آلاف السنين، والبعض الآخر قد يأخذ ساعات.

 

ورقصة على أنغام دوبلر

في بعض الأحيان يكون الرفيقان في النجم الثنائي على مسافة غاية في القصر بحيث يكون من غير الممكن فصلهما بالتلسكوبات العادية، هنا نضطر إلى استخدام تقنيات غير مباشرة للتعرف على الثنائي خاصتنا، في حالة استخدامنا للمقاييس الطيفية تسمى الثنائيات ثنائيا طيفيا (Spectroscopic Binary)، حيث نستخدم تأثير دوبلر(8) (Doppler's Effect) الشهير الذي يحدث بسبب التغير الظاهري لتردد الأمواج عندما تُرصد أثناء حركة نسبية بين المراقب والمصدر، لفهم أفضل دعنا نخوض قليلا في بعض الفيزياء البسيطة.

 

يحدث أن تكون واقفا على الطريق فتأتي من بعيد سيارة إسعاف أو مطافئ أو قطار مسرع بصوت حاد، ثم بعد أن يمر بك تنقلب تلك الحدة لدرجة أكثر هدوءا. في الحالة الطبيعية حينما تكون واقفا على مسافة ثابتة من مصدر الصوت يظل تردد الصوت ثابتا، ذلك لأن الصوت يعبر الوسط بينكما على شكل موجات منتظمة تشبه موجات الماء. 

 

والتردد هنا هو عدد الموجات التي تمر بك في الثانية الواحدة، كلما كان الصوت أكثر حدة كانت موجاته أقصر، وبالتالي ذات تردد أعلى، وكلما كان أقل حدة كانت موجاته أطول وذات تردد منخفض. يحدث تأثير دوبلر حينما يقترب أو يبتعد مصدر الصوت -الموجات- منك مسرعا، حينما يقترب منك المصدر يضغط الموجات فتصبح أقصر، فيبدو تردد الصوت بحدة أكبر، والعكس صحيح.

 

يمكن لنا رصد النجم منزاحا للأزرق كلما اقترب منّا، ومنزاحا للأحمر حينما يبتعد عنّا

 

نلاحظ تلك الظاهرة حينما ندرس النجوم كذلك، عندما يكون النجم ثابتا في مكانه بالنسبة لك -كالشمس مثلا- يظهر الضوء الخارج منه إلينا ثابت التردد مهما اختلفت اتجاهتنا، لكن حينما يكون النجم البعيد مقتربا منك أو مبتعدا تختلف الأمور، حينما يقترب النجم من المراقب -أنت- تنضغط موجات الضوء الصادرة منه فتبدو أقصر من طولها المعتاد، لذلك تنزاح ناحية الاتجاه الأزرق ذي الطول الموجي الأقصر والتردد الأعلى، والعكس صحيح حينما يبتعد النجم عن المراقب، حيث تنزاح موجات الضوء لتصبح أكثر طولا وأقل ترددا ناحية الأحمر، لذلك تستخدم تلك التقنية في دراسة النجوم الثنائية الطيفية، في أثناء الدوران يكمل النجم نصف دورته مقتربا من الراصد على الأرض والنصف الآخر مبتعدا.

 

تمكننا أدوات القياس من رصد الثنائيات الطيفية عبر التعرف إلى حركة النجمين تجاهنا أو مبتعدة عنّا

 

في بعض الأحيان يمكن استخدام طريقة أخرى للتعرف على النجوم المزدوجة، وقد تعلمنا بعض الشيء عن تلك الطريقة حينما تحدثنا عن الكواكب الخارجية(9) وكيفية التعرف عليها، في تلك الحالة يكون مستوى دوران الثنائي مواجها بحافته لنا، ويحدث أن يدور أحد النجمين أمام الآخر بالنسبة لأدوات قياسنا، فنتمكن من تسجيل الفارق بين كمية الضوء الصادر من النجم الأول وكم الضوء الصادر حينما يمر رفيقه أمامه أو خلفه، يساعدنا هذا القياس في التعرف على حجم وكتلة ومدار كل من الرفيقين، يوضح التصميم المرفق كيفية ذلك القياس، وفي تلك الحالة نسميها ثنائيات كسوفية (Eclipsing Binaries).

 

كما ترى فإن أحد الرفيقين هو عملاق أزرق (ساطع للغاية) والآخر هو عملاق أحمر (ذو سطوع قليل)، هنا يمكن لنا قياس الانخفاض في كم الضوء حينما يمر الأحمر أمام الأزرق، الحالة 2، أو خلفه، الحالة 3، ثم يكون بعيدا عن المشهد، الحالتين 1 و 3، والتعرف بسبب ذلك إلى الكثير من البيانات حول دورة الرفيقين.

 

طريقة ثالثة غير مباشرة أيضا يمكن أن ندرس بها حركة نجم مزدوج دون أن نراه تتعلق بقدرتنا على رصد ترنح النجم الرئيس، فكما أشرنا قبل قليل إلى أن مركز الثقل -نقطة دوران النجمين- لا يكون أبدا في المركز، يمكن لنا إذن دراسة حركة نجم ما، فإذا ظهر كأنما يدور حول نقطة ارتكاز قريبة جدا منه فهو ثنائي له رفيق صغير جدا لا يمكن رصده لكنه يؤثر على النجم الرئيس، تلك الطريقة هي التي نستخدمها لدراسة الشعرى اليمانية، فما يظهر أمامنا فقط هو النجم A، لكننا نراه يترنح كأنما يدور حول نقطة ما، هنا نعرف أن هناك رفيقا آخر، ومن خلال دراسة حركة النجم الرئيس يمكن جمع الكثير من المعلومات حول رفيقه، في تلك الحالة نسميه ثنائيا قياسيا(10) (Astrometric Binary).

 

 
وراقصان يتلامسان
دعنا الآن ننتقل إلى موضوع أخير مختلف ذي علاقة بالنجوم الثنائية، حيث يمكن لكل شيء أن يحدث، أقصد هنا أن تلك النجوم الثنائية قد تختلف كثيرا في أنواعها وأعمارها وفي المسافات بين الرفيقين، في بعض الحالات إذن يمكن للرفيقين أن يقتربا بحيث يتمكن أحدهما من شد جزء من مادة الآخر، هنا نحتاج أن نبدأ بالتعرف إلى ما نسميه حيّز روش(11) (Roche Lobe)، فكل نجم بالطبع يجذب مادته إلى ذاته، وفي حالة النجوم الثنائية قد يحتفظ كل نجم بمادته مستقلة بالضبط كما يتراقص اثنان على الجليد في مسابقات الرقص، في تلك الحالة نسمي نجمينا ثنائيا منفصلا (Detached Binary).

 

في الحالة الأولى يحتفظ كل نجم بمادته داخل حيز روش الخاص به، الحيز المحدد بالخط أحمر اللون، لكن كما نرى في الحالة بالأسفل فإن تخطي النجمين لحيز روش يتسبب في تبادل المادة بينهما

 

لكن في بعض الحالات تتمكن جاذبية الرفيق من سحب مادة رفيقه، يحدث ذلك حينما يتجاوز النجم حيز روش الخاص به بسبب تضخم حجمه لسبب أو لآخر ، هنا يمكن للنجم الرفيق أن يكون منفصلا ضمن حيز روش الخاص به فيسحب مادة رفيقه "ثنائي شبه منفصل" (Semidetached binary )، أو يتخطى النجمان معا حيز روش الخاص بكل منهما فيتلامسان معا "ثنائي متلامس" (Contact Binary)، يحدث أيضا أن يقوم النجم بسحب مادة رفيقه إذا تحول إلى جرم عالي الكثافة، كنجم نيتروني أو ثقب أسود، وهناك حالة لأحد النجوم (Cygnus-x) والتي يسحب ثقب أسود خلالها رفيقا له، تعلمنا عنها الكثير من قبل أثناء حديثنا عن كيفية الإمساك بثقب أسود(12).

 

يدفعنا المنهج العلمي لابتكار آليات مختلفة تتحايل على ما يبدو مستحيلا فتنحي جزء الاستحالة جانبا، وتقتبس بعض الضوء من الممكن، فها نحن ذا نتمكن من التعرف إلى كتل، أحجام، درجات حرارة، دورات، نجوم تبتعد عنّا آلاف السنين الضوئية

حالة أخرى مثيرة للانتباه هنا، وهي ما يحدث حينما -مثلا- يتحول أحد الرفيقين إلى قزم أبيض في نهاية عمره بعدما يفقد أغلفته الخارجية في شكل رياج نجمية عاتية، بينما لا يزال رفيقه في مرحلة العملاق الأحمر المتضخم، هنا سوف يتجاوز هذا العملاق بينما يتضخم حيز روش الخاص به، فيقوم رفيقه القزم الأبيض بسحب مادة العملاق الأحمر بسرعة شديدة، ومع تراكم مادة العملاق الأحمر على رفيقه القزم وارتطامه السريع به يبدأ الهيدروجين في إحداث تفاعلات نووية سريعة ومفاجئة مما يتسبب في انفجار نجمي نسميه نجم جديد (Nova).

 

أما إذا ازداد كم المادة المنقولة من العملاق الأحمر إلى رفيقه الأبيض عن حد معين (يُدعى حد تشاندراسيخار(13) (Chandrasekhar limit) ويساوي تقريبا أن تصل كتلة القزم الأبيض إلى 1.44 كتلة شمسية) فإنه ينفجر محدثا ما نسميه مستعر أعظم (Supernova)، نسميه تحديدا مستعر أعظم من النوع Ia، لقد أطلق القدماء على تلك الأجرام اصطلاح (Nova) والتي تعني "نجم جديد" لأنه ظهر لهم كنجمة لامعة مفاجئة في السماء، فقاموا بتسميتها كنجم جديد، بينما في الحقيقة هو انفجار نجمي محدود أو آخر عظيم.

 

يهتم الفلكيون بالنجوم الثنائية كثيرا، فهي تعطينا قدرا لا بأس به من المعلومات، فتحديد نقطة مركز الكتلة -التي يدور الرفيقين حولها- يسهّل على الفلكيين في مراصدهم التعرف إلى كتلة كل منهما، مما يعطينا معلومات أكثر عن المسافة بينهما، ومدة الدورة الخاصة بالثنائي، ودرجة حرارة سطح كل منهما، والتصنيف الطيفي لهما، ويحسن ذلك من قدرتنا على فهم التطور النجمي، وتطور الكون كله بالتالي بشكل أفضل.

 

كما ترى، العلم يلعب دائما بطرق غير مباشرة، يدفعنا المنهج العلمي لابتكار آليات مختلفة تتحايل على ما يبدو مستحيلا، لتُنحِّي جزء الاستحالة جانبا، وتقتبس بعض الضوء من الممكن، فها نحن ذا نتمكن من التعرف إلى كتل، أحجام، درجات حرارة، دورات، نجوم تبتعد عنّا آلاف السنين الضوئية، فقط بابتكار تقنيات ومعادلات تسهّل لنا دخول تلك العوالم.

 

هنا يتضح سر قوة العلم، فقوانين صاغها شاب صغير يجلس على مكتبه في ليلة صيفية حارة قادرة أن تمد يدينا إلى أبعد مما يمكن أن نرى، وتمد عقولنا إلى غياهب الفضاء الرحب، فنرى مستعرات عظمى في غياهب الفضاء الرحب، ونتعرف إلى ثقوب سوداء تبتعد مسافة تريليونات الكيلومترات، دون حاجة لنا في أن نذهب إلى هناك، فقط بعقولنا التي تعتمد الدقة والرصانة في حساباتها عبر المنهج العلمي في التفكير، أليس ذلك رائعا؟!

أكثر 20 مدينة جذبا للزوار عالميا خلال العام 2016

تقارير متصدرة


آخر الأخبار