انضم إلينا
اغلاق
الفضاء الخارجي.. هل نحن وحدنا في الكون؟

الفضاء الخارجي.. هل نحن وحدنا في الكون؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

يشبه الأمر أن تستيقظ فجأة في مبنى ما؛ لتجد أن لا أحد هناك، تدور في أرجاء المبنى ولا تجد أحدا، تخرج من المبنى للشارع، تدور في شوارع المدينة، في الأسواق والصيدليات والملاهي، قد تركب إحدى السيارات لتسافر على مدى مئة كيلومتر بين المدن المختلفة، فلا تجد أي أحد، أنت فقط في ذلك البراح الواسع، ألا يدعو ذلك للرعب؟!

 

قبل آلاف السنين رفع البشر رؤوسهم لسماء الليل متأملين نجومها، تصور بعضهم أنه ربما هناك حيوات ذكية تعيش في ذلك الأفق البعيد، بشر مثلنا أو ربما ما هو أغرب؛ لكن على مدى تاريخ حضارتنا البشرية، وإلى الآن، لم نرصد أي شيء يبدو أنه حضارة عاقلة، فقط بعض التأويلات والحكايات الخيالية، يدعونا ذلك في البداية للتساؤل عما تعنيه الحضارة، ما هي المعايير التي يمكن من خلالها أن نقول إننا نتحدث مع حضارة أخرى؟

 

هناك عدد ضخم من المعايير الثقافية والإنسانية التي تخدم ذلك بالطبع، كقدرة هذه الكائنات على البناء، بناء المدن والسيارات والمركبات الفضائية وتخطيط الشوارع، أو قدرتها على الإبداع، بالرسم، الهندسة، الغناء ربما... إلخ، لكنها جميعا معايير لا يمكن رصدها من هنا.. معيار واحد فقط يمكن رصده من هنا؛ وهو قدرة هذه الكائنات على تحقيق تواصل معنا؛ حيث يتطلب ذلك قدرا لا بأس به من الذكاء كفعل إدراكي، كما يتطلب العمل على صنع أدوات معقدة، تلسكوبات راديوية مثلا، وهو ما يؤكد أننا أمام شيء ذكي بدرجة ما؛ لذلك يمكن لنا من وجهة نظر عملية أن نعرّف الحضارة بأنها1 "التجمع من الكائنات الذي يتمكن من التواصل معنا".

 

معادلة للبحث عن حضارة ذكية
من تلك النقطة انطلق فرانك دريك (Frank Drake) الفلكي والفيزيائي الأميركي سنة 1961 لوضع معادلته الشهيرة (معادلة دريك2) كمحاولة لتقدير عدد الحضارات العاقلة التي يمكن لها التواصل معنا، بذلك تصبح في مستوانا الحضاري؛ أو ربما أكثر تقدمًا من حضارتنا، إلى الآن تستخدم تلك المعادلة من قبل الفلكيين أثناء محاولاتهم للبحث عن حياة عاقلة، دعنا نتعرف عليها، وكالعادة فإننا ندعوك للاطمئنان، فلا يوجد أي تعقيد.

   

 
حسنا، هل تفهم لعبة معادلة دريك الرياضياتية البسيطة؟ إنها تنطلق من الصورة الأكبر (تشكل النجوم في العموم) ثم تأخذ نسبة حالة أكثر خصوصية من تلك الحالة السابقة (نسبة النجوم - من المجموعة السابقة - التي تسمح بوجود كواكب)، ثم أكثر خصوصية (نسبة الكواكب - من المجموعة السابقة - التي تسمح بوجود حياة) ثم إلى (التي تتواجد عليها بالفعل) وهكذا نزولا إلى رغبتنا الأساسية، تعريفنا للحضارة، وهو نسبة تلك الحضارات التي تتمكن من إرسال إشارات للتواصل معنا.

 

تلك البساطة في المعادلة هي سر فاعليتها؛ فهي بذلك تقدم لنا -أيضا- خطة بحث يمكن اتباعها بأن ننتقل بالتدريج من R حتّى fc بحثا عن إجابة للتساؤل عنوان مقالنا، ما يعني أنه رغم عدم قدرتنا بعد على إعطاء تأكيدات رقمية بالنسبة لبعض تلك القيم؛ لكنها تجعلنا أكثر قدرة على تنظيم جهلنا، وتلك نقطة غاية في الأهمية.

 

ماذا لو وصلتنا إشارة من نجم يبعد 700 ألف عام؟ هل يعني ذلك أن تلك الحضارة لا تزال موجودة؟ أم انتهت بالفعل وقضت على ذاتها وهو أمر متوقع كلما طال عمر الحضارة

قبل عدة عقود، أثناء وبعد وضع دريك لمعادلته، لم نكن قادرين على رصد أية كواكب خارجية (Exoplanets) والتي تدور حول نجوم بعيدة، ثم في أوائل التسعينيات بدأت الثورة التكنولوجية تخدمنا في إيجاد أول تأكيدات على وجود تلك الكواكب، ثم ها نحن في سنة 2017 نضع على قائمة الكواكب الخارجية التي قمنا برصدها حوالي 3600 كوكب منها أكثر من 50 كوكبا تقع ضمن النطاق الصالح للحياة كان آخرها تجمع (3TRAPPIST-1)، يمكننا ذلك من حساب إجابة -ليست كاملة ولكنها- أكثر دقة للنسبتين fb وne

 

في المقابل يتطلب الأمر من البيو-فلكيين المزيد من الجهد لتحديد أي من العلامات الحيوية (4BioSignatures) سوف تعطينا فرصة للتأكد -بما لا يدع مجالا للشك- أن كوكبا ما يحتوي على حياة، بالطبع ومع خوضنا لنقاش طويل سابق عن كيفية إيجاد حياة خارج الأرض يمكن لك أن تعرف مدى صعوبة وتعقد تلك الحالة، وبالتالي فإن القيمة fl هي تحدٍّ حقيقي لقدرة فلكيينا.

 

يعد المعامل L في المعادلة نقطة تأمل هامة، فنحن بالفعل لا نعرف كم من الزمن يمكن أن تستمر حضارة ما، عمر الحضارة البشرية حوالي 7000 عام، ماذا لو وصلتنا إشارة من نجم يبعد 700 ألف عام؟ هل يعني ذلك أن تلك الحضارة لا تزال موجودة؟ أم انتهت بالفعل وقضت على ذاتها وهو أمر متوقع كلما طال عمر الحضارة، فها نحن على مشارف حرب نووية ربما، وبالصدفة ربما تجاوزت الأرض أزمة مشابهة في الحرب العالمية الثانية، لذلك يقلص ذلك المعامل بقوة من عدد الحضارات العاقلة التي يمكن لنا التواصل معها.

 

بعد ظهور معادلة دريك خرجت العديد من الورقات البحثية التي تصف -وربما تضع تعديلات- لها تساعدها لكي تكون أكثر دقة، إحدى تلك المحاولات جاءت سنة 2010 على يد ورقة5 بحثية للفلكي كلاوديو ماكوني (Claudio Maccone) ونشرت بمجلة (Acta Astronautica)؛ حيث أضاف للمعادلة جانبا إحصائيا ساعد على تقوية جوانبها، سميت المعادلة بعد ذلك "معادلة دريك الإحصائية Drake Statistical Equation"، وتضع المعادلة نتائجها في شكل احتمالات تُرسم على اللوحات البيانية كمخطط الجرس الشهير، لتتوقع المعادلة -بعد إدخال بيانات من المشروع "سيتي" SETI) Search for Extraterrestrial Intelligence)- أن عدد الحضارات الذكية في الكون هو حوالي 4590 حضارة ذكية، وهو المتوسط على الرسم البياني بين صفر حضارة ذكية و15785 حضارة ذكية.

 

كيف نتواصل معهم إذن؟
هناك طريقان لا ثالث لهما للبحث عن حضارة ذكية كي نتواصل معها، الأول هو البدء بإرسال الرسائل، والثاني هو تجهيز أدوات لالتقاط أية رسالة قادمة من أي اتجاه في الكون، دعنا نبدأ بأول المحاولات التي قام البشر بها للتواصل مع كائنات ذكية، إنه اللوح بايونير (6pioneer plaque)، فقد قرر كارل سايجن الفلكي الأميركي بعد موافقة ناسا وضع زوج من الألواح الذهبية المطلية بأكسيد الألومنيوم بطول وعرض ورقة طباعة A4 عادية تقريبا على مركبتي بايونير 10 وبايونير 11 عام 1972، يحتوي كل منهما على مجموعة من المعلومات عن البشر والأرض في حال وقعت تلك المركبات يوما ما في أيدي كائنات فضائية، مركبتا بايونير هما أول التصاميم البشرية التي خرجت من المجموعة الشمسية.

  

 
كما تلاحظ في اللوح، فهو تصميم مبسط قدر الإمكان، يوضح صورة البشر الجسدية كذكر وأنثى، كذلك يوضح متوسط أطوالهم نسبة إلى طول طبق المركبة الرئيس (إلى اليمين)، وموقع كوكبنا في المجموعة الشمسية (يشار عليه بالمركبة بايونير القادمة منه) بالأسفل، بينما يشير التصميم منتصف اليسار والذي تظهر منه مجموعة من الخطوط الخارجة من نفس المركز إلى موضع الشمس في مجرة درب التبانة وبالنسبة إلى أربعة عشر نجما نابضا (Pulsar) معروفا.

 

تشير أطوال الأشعة الصادرة من المركز واتجاهاتها إلى أماكن تواجد تلك النوابض بالنسبة لنا، كذلك مع التدقيق في اللوحة سوف تجد بعض الخطوط العرضية الصغيرة للغاية المرسومة على تلك الأشعة، تشير تلك الخطوط إلى معدلات نبض البلسارات وهي مكتوبة بنظام العد الثنائي (Binary numbers)، والذي يتكون من (صفر) و(واحد). بالأعلى إلى اليسار تمثيل لحالة تردد خاصة بذرة الهيدروجين.

 

محاولة أخرى شبيهة لكنها احتوت على قدر أكبر من المعلومات، كانت لوحة فوياجر الذهبية (7Voyager Golden Records)، وهي أسطوانة فونوغرافية دائرية بقطر 30 سم تم إرسالها سنة 1977 على متن المركبتين فوياجر 1 وفوياجر 2، وهما بالفعل تتخطيان حدود المجموعة الشمسية حاليا، يحتوي اللوح على المعلومات السابق ذكرها في لوح بايونير بالإضافة إلى مجموعة من أصوات البشر في عبارات تحية بأكثر من 55 لغة، مع موسيقى من كل مكان بالعالم تقريبا، مرورا ببيتهوفن وباخ وموزارت، أصوات لعصافير، تكسر لأطباق، كلب ينبح... إلخ.
 

   

 
كذلك احتوت الأسطوانة على صور لعدة مناطق عشوائية من العالم كسيدة في سوبرماركت أو طريق سريع، هناك كذلك صورة من الفضاء لسيناء مصر ووادي النيل، الأسطوانة مصممة لكي تعيش لأكثر من 500 مليون سنة، عسى أن تستطيع في يوم ما مقابلة حياة عاقلة، الجملة المنطوقة بصوت عربي هي: "تحياتنا للأصدقاء في النجوم. يا ليت يجمعنا الزمان"، يمكنك أن تسمع أصوات وترى صور أسطوانة فويجار في الرابط المرفق بالمصادر8.

 

كذلك قام مرصد أريسيبو (Arecibo) الراديوي، ثاني أكبر مرصد راديوي في العالم حاليا، الموجود في بورتريكو بإرسال9 إشارات راديوية سنة 1974 لتعبر عن لوحة تحتوي على الأرقام من 1 لـ10، والعدد الذري لعدة عناصر تتواجد في الجزيئات الحية، تركيب الحمض النووي، تعداد سكان الأرض، شكل الإنسان، النظام الشمسي، والمرصد أريسيبو نفسه، تم إرسال الرسالة إلى التجمع النجمي العنقودي M13 -تجمع هرقل- والذي يبتعد عنا حوالي 25 ألف سنة ضوئية، يعني ذلك أن الرسالة -التي أرسلت منذ ما يقرب من أربعين عاما- لم تقطع بعد 1 من 500 من المسافة للتجمع!

 

رسائل أخرى حديثة تم إرسالها كرسالة المراهق الروسي لمجموعة من المراهقين، و"النداء الكوني (Cosmic call) " سنة 2003 والتي احتوت على صورة لحجر رشيد مع معلومات أخرى، الفكرة إذن أن نحاول بالأدوات التي يفهمها الكون، توصيل رسالة لكائن ما لا نعرف أي شيء سوى أنه يعيش في هذا الكون، لو كان حيّا بالطريقة التي نعرفها سيفهم ما يعنيه الـ (DNA)، وسيفهم ما يعنيه الهيدروجين؛ لأنه أكثر العناصر تواجدا في الكون، قد يفهم الكود الثنائي لأنه أبسط طريقة للحصول على المعلومات، وربما يفهم بعض قواعد الفيزياء والرياضيات الأساسية لأنها عامة في الكون كله، وطالما نحن أمام حضارة ذكية فبالتأكيد قد وصلت بالفعل لفهم تلك القواعد الفيزيائية، كذلك سوف نود أن نعرفهم بأنفسنا كحضارة، بثقافتنا.

 

في المقابل من هذا الطريق، توجهت بعض أنواع التكنولوجيا الفلكية إلى طريق آخر، وهو تصميم تلسكوبات راديوية تحاول التقاط أي إشارة من الفضاء الواسع، بدأت تلك المحاولات في 1957 بعد بناء التلسكوب الراديوي لوفيل (10Lovell) في مدينة مانشستر؛ حيث تم استخدامه لرصد الأجرام السماوية وكذلك لاستقبال الإشارات من حضارات أخرى.

 

من هنا انطلقت فيما بعد العديد من المشروعات للبحث عن إشارات لحضارات ذكية في الفضاء، تعهد بذلك كله المشروع الشهير سيتي والذي أنشئ في عام 1960 بغرض واحد وهو البحث عن الحياة خارج عالمنا، بدراسة كيفيات ذلك، وبناء التلسكوبات الخاصة به، أو التنسيق مع التلسكوبات الأخرى واستخدامها بشكل جزئي بجانب مشروعات فلكية عادية، أحد أشهر المراصد هو (Arecibo) الذي تحدثنا عنه منذ قليل، وهو يستخدم لعدة أغراض وليس فقط للبحث عن حضارات عاقلة، للأسف لم تخرج أبحاث مشروع سيتي بنتائج جوهرية، ولذلك قررت الحكومة الأميركية في عام 2013 خفض مصاريف المشروع.

  

 
آخر الإنجازات بهذا الصدد يجيء من الصين؛ حيث بدأ بالفعل العمل في التلسكوب الراديوي الأكبر في التاريخ، (The Five-hundred-meter Aperture Spherical Telescope)، أو (FAST) اختصارا11، بقطر 500 متر، على شكل نصف كرة من الداخل، كان (ARECIBO) هو الأضخم إلى الآن؛ لكن يأتي التلسكوب الصيني بضعف الحجم، هنا -ربما- سوف يتمكن فاست من تحقيق هدف البشرية الأكبر بالتقاط رسائل من حضارات ذكية تبعد عنا مليارات التريليونات من الكيلومترات في الفضاء الواسع.

 

رغم ذلك، وإلى الآن، لم يتأكد لنا رصد أية إشارة من الفضاء الخارجي، فقط إشارة واحدة12 التقطها جيري رايهمان سنة 1977 بينما كان يعمل في مرصد بيج إير (Big Ear) التابع لجامعة أوهايو، صدرت من كوكبة القوس، وفي منطقة توقعت بعض الأبحاث الفلكية وجود حياة عاقلة بها، وبمدة 72 ثانية من البث المكثف المنتظم، في ذروة البث كانت الإشارة أقوى بثلاثين مرة من الإشعاع الفضائي المعتاد، وتم تأكيد أنها من مصدر غير أرضي.

 

حينما وجد رايهمان الإشارة في سجل البيانات الخاصة بالمرصد كتب بجانبها كلمة (WOW) وهو تعبير عن الاندهاش فسميت فيما بعد الإشارة واو (Wow Signal)، وقتها وجّهت الكثير من المراصد تلسكوباتها لتلك المنطقة؛ لكن الإشارة لم تتكرر أبدا، لذلك أرجعها البعض لخطأ تقني ربما في التلسكوب نفسه، يمكنك أن تستمع للإشارة في المصدر المرفق أدناه.13

  

 
في دراسة أخيرة14، قام الباحثون من جامعة كاليفورنيا باركلي بمراقبة 5600 نجم منها 2000 نجم ذوات كواكب دافئة بحجم الأرض، ومحاولة التقاط أي إشارة ليزرية منها خلال "كيك تلسكوب" الموجود في هاواي؛ لكن للأسف لم يتلق الباحثون أية إشارة من تلك النجوم، لا يا صديقي، لم يحدث إلى الآن أن التقطنا أية إشارة لحضارة ذكية، هنا يخرج التساؤل الهام:

 

أين ذهب الجميع؟
في الحقيقة كان هذا السؤال البسيط هو ملخص ما نعرفه الآن بمفارقة فيرمي (15Fermi Paradox) المنسوبة إلى إنريكو فيرمي الفيزيائي الشهير، فالكون واسع، مليء بالنجوم والكواكب، انطلق منذ ما يقرب من 13.8 مليار سنة، وتلك أعداد كافية جدا لنشأة حضارة أكثر ذكاء منّا، إن أية حضارة تمتلك تكنولوجيا صاروخية متوسطة قد تستطيع بسرعة الوصول إلى كامل حدود المجرة خلال -قُل- 10 ملايين سنة فقط، إذا كانت تلك هي الحالة، لماذا لم تأت تلك الحضارة إلى الآن، أين هم؟

 

هناك إجابتان لتلك المفارقة؛ فإما أنه ليس هناك أي أحد، نحن فقط، وإما أنهم موجودون؛ ولكن لم نتواصل معهم بعد، وتلك إجابة مقبولة أيضا، دعنا نرجع إلى معادلة دريك الإحصائية، بفرض أن هناك 4590 حضارة ذكية في المجرة، وبفرض أنها جميعا تتواجد على نفس المسافة من بعضها البعض، يجعل ذلك من المسافة بين كل منها 28 ألف سنة ضوئية، بينما تضيف المعادلات أن حدود التفاؤل تقع بين 1361 و3979 سنة ضوئية، بينما أقصى حدود التقاط تلسكوباتنا هو 500 سنة ضوئية فقط، قد يكونون هناك بالأعلى؛ لكننا لم نستطع رصدهم بعد.

 

حلول أخرى ظهرت لمفارقة فيرمي، كالقول مثلا إنهم يراقبوننا بالفعل لكن لم يقدموا على خطوة التواصل بعد، أو أنهم قد فنت حضارتهم من مدة، فالحضارات تنشأ وتفنى بضغطة زر من مخبول كوري أو أميركي أو روسي ربما، أو أنهم هناك بالفعل لكنهم لا يهتمّون، أو أنهم ربما في بُعد آخر بينما نحن عبارة عن محاكاة حاسوبية، أو قد نكون مجرد تجربة ما!، إذن هناك عدد من الاحتمالات قائمة بالفعل على وجودهم، لكن، ماذا لو حدث؟ ماذا لو تلقينا إشارات تؤكد وجودهم؟ ما الذي سوف يحدث؟

 

اتصال
في روايته الشهيرة "اتصال Contact" والتي تحولت لفيلم غاية في الروعة، بطولة جودي فوستر وماثيو ماكوناهي، يتعرض كارل سايجن لبعض الجوانب الاجتماعية الخاصة بإعلان التواصل مع كائنات ذكية للمرة الأولى، بالطبع سوف تسود حالة من الهرج والمرج على نطاق عالمي، سوف يبدأ البعض بالقلق والتوتر تجاه نوايا تلك الكائنات البعيدة، هل هم أصدقاء بالفعل أم أعداء؟ هل جاؤوا ليتعرفوا إلينا أم يأكلونا؟ هل كان من الحكمة أن نقوم بتلك المغامرة من البداية؟

  

 
يهتم علم البيولوجيا الفلكية كثيرا بتلك الجوانب ويضعها في نطاق عمله البحثي، كذلك الجوانب المتعلقة بسوسيولوجيا تلك الكائنات، هل هم أعداء؟ إذا استطاعت حضارة ذكية التواصل معنا يعني ذلك أنهم يعملون في جماعات، على الأقل لبناء تلسكوباتهم، تخضع تلك الجماعات -كأي شيء في الكون- لقواعد الانتخاب الطبيعي؛ مما يجعلها تحتوي على جوانب مسالمة؛ وإلا كيف لهم أن يعيشوا في جماعات بدون تقبل الآخر بدرجة ما؟ لكنهم بالطبع لن يكونوا مسالمين بالكامل، في أية حضارة سوف يكون هناك ذلك الجزء العدائي.

 

تساؤل آخر عن الجانب الديني لاكتشافات كتلك، ما هو تأثيرها على البشر من جماعات دينية مختلفة؟، يظن البعض هنا أنه ستكون هناك حالة من عدم القبول؛ لكن النصوص الأساسية للديانات الثلاثة الرئيسة في العالم بالفعل تدعم بدرجة ما تلك الفكرة، ولا تجد مشكلة مع وجود كائنات أخرى، فكلها مخلوقات الله؛ لكن يظهر التوتر حينما نسأل عن ديانات تلك الكائنات، هل لهم ديانات؟ إذا كانو أكثر تحضرا منا كيف سوف تكون وجهة نظرهم عن الدين؟ هل سوف نتقبل ذلك؟

 

أسئلة عديدة غاية في الأهمية تتعلق بتلك الجزئية، كـ من الأول الذي سوف يتحدث معهم؟ رئيس دولة ما؟ مجموعة من العلماء؟ هل الأدباء أو الفنانون أفضل هنا؟ علماء النفس؟ رجال جيش أو دين؟ هيئة دولية ما تجمع من كل التوجهات؟ كيف نخبر الجمهور؟ هل يجب أن نخبر الناس فورا؟ هل نصنع خطة تدريجية؟ هل نكتم السر حتى نتبين نواياهم؟ ... إلخ.

 

إن السؤال عن "هل من أحدٍ هناك؟" لا يزال يؤرق باحثي البيولوجيا الفلكية بقدر ما يلفت انتباه كل البشر، الجميع في انتظار ذلك اليوم الذي نقول فيه "لسنا الوحيدين في هذا الكون الواسع"، إن تلك العظمة في أعداد النجوم والمجرات والتجمعات المجرية تعطينا انطباعا أن هناك أحدا بالفعل؛ وإلا ما فائدة ذلك كله؟، لكن تلك الإجابة غير كافية بالمرة لتأكيد أي شيء، فقط الرسالة الأولى منهم سوف تكون الرد المناسب، الرسالة التي قد لا نسمعها أبدا.

آخر الأخبار