انضم إلينا
اغلاق
الصُّدفة المفاجئة.. حقيقة أم وهم؟

الصُّدفة المفاجئة.. حقيقة أم وهم؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"ما يمكن أن يحدث سوف يحدث إذا قمنا بعدد كافٍ من المحاولات"

(أوغست دي مورغان)

 

بينما أنت تتمشّى في أحد شوارع مدينة فرانكفورت الألمانية حدث أن فكّرت -دون سبب واضح- في موقف مُضحك لصديق دراسة قديم جلست بجواره لثلاث سنوات في إحدى المدارس الثانوية، صديق لم تره منذ ذلك الوقت، ثم إذا بك تجده أمامك ضاحكًا في ذات اللحظة، على بعد عشرة آلاف كيلومتر من موضع لقائكما الأخير، أليس ذلك غريبًا ومفاجئًا للغاية؟

 

الجميع يواجه صدفا مماثلة بدرجات مختلفة، ومعظمهم تتعلق صدفهم بإيجاد رابط مع شخص تراه لأول مرة، في عرس صديق ما مثلا، تجلس بجوار أحدهم عشوائيًا ثم تكتشف أنه نفس الصيدلي الذي اشتريت منه مسكّنا للصداع في رحلة قبل عامين، أو أنه صديق أخيك الأصغر، صدف أخرى مثيرة للانتباه تتعلق بتوافق أرقام كأعياد الميلاد، أو تواريخ التخرّج من الجامعة، أو حتى أن تتفاجأ بأن نفس المقطوعة الموسيقية لـ"باخ" يتم تشغيلها في كل مكان تزوره في يوم محدد!

  

 
في المقابل تتواجد مجموعة من الصدف الأكثر غرابة من أي شيء آخر، عادة ما تشتهر تلك الحالات في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام عمومًا، كالرجل الذي ضربه البرق سبع مرات ولم يمت، والآخر الذي أفلتت رصاصة كانت مصوّبة له إلى شجرة مجاورة ثم بعد أربعين عامًا بينما هو يقوم بقطع نفس الشجرة ترتد نفس الرصاصة إليه وتقتله، وزوجان اكتشفا بالصدفة أن صورة واحدة قد جمعتهما بينما كانا طفلين، فلماذا يحدث كل هذا؟

 

قبل الخوض في هذا الموضوع المثير للانتباه دعنا نبدأ بتعريف(1) الصدفة، وسنعطيها تعريفًا أكثر عملية من كونها "حدثا نادرا" لكي نستطيع تحليلها بشكل أفضل، الصدفة Coincidence هي "التوافق المفاجئ بين مجموعة من الأحداث، والذي يُدرَك على أنه ذا معنى، مع عدم وجود علاقة سببية ظاهرية"، بمعنى أنك قد صادفت صديقًا كنت تفكر فيه بالفعل حالًا، وكان ذلك مفاجئًا؛ لأنك لم تره منذ مدة كثيرة وإذا بك تراه -الآن- في مكان غريب؛ لكن ليست هناك أي علاقة سببية تدفع التفكير فيه لاستحضاره من مصر إلى ألمانيا أمامك.

 

كانت المحاولات الأولى لفهم مشكلة "الصدفة" على يد عالم البيولوجيا بول كاميرر والنفساني الأشهر كارل جوستاف يونج أوائل القرن العشرين(2). قدّم كاميرر في كتابه "قانون السلاسل: نظرية تكرار الأحداث في الحياة والمجتمع" لما سماه نظرية التسلسل (Theory of Seriality) بناء على مجموعة كبيرة من الحكايات عن المصادفات الغريبة التي جمعها ورتبها في سلاسل مرتبطة، تفترض فكرة التسلسل أن هناك قوى خفية تحكم تحرك موجات الأحداث في العالم، وما يظهر لنا هو قمم تلك الموجات فقط، أما يونج فقد طوّر فكرة التزامن (Synchronicity) في كتابه "التزامن: مبدأ ترابط لا سببي" والتي تفترض أن عدد الأحداث ذات التصادفات الغريبة أكبر من عدد احتمالات حدوثها الرياضيّاتية، مما يجزم أن هناك عاملا إضافيا -التخاطُر يقصد- يشرح ظاهرة الصُدف؛ لكن محاولات كل من كاميرر ويونج باءت بالفشل.

 

لعبة عيد الميلاد
دعنا نترك البعد النفسي للصدفة جانبًا لنعود إليه بعد قليل، حتى نفهم ما تعنيه الصدفة من وجهة نظر إحصائية علينا أن نلعب قليلًا، لنفترض أنك الآن في غرفة واسعة مغلقة، كم شخصًا تحتاج أن يتواجد معك في الغرفة لكي تتمكن من القول إن هناك احتمالا بقيمة أكبر من 50% أن يتوافق اثنان منهم معًا في تواريخ ميلادهم؟
 

بتتبع لعبة عيد الميلاد سوف يتضح أنه لكي يصبح احتمال تشابه عيد ميلاد شخصين معًا بقيمة 95% داخل المجموعة تحتاج فقط لـ 48 فردا

بيكساباي


بالطبع نعرف أن هناك 365 يوما في السنة، بغض النظر عن السنة الكبيسة، ويعني ذلك -للوهلة الأولى حسب إدراكنا البديهي- أنه لنتخطى حاجز الـ 50% نحتاج عددا ضخما من البشر في القاعة حتى ترتفع درجات احتمالاتنا فوق النصف؛ ليكن مثلا 200 شخص مثلًا أو ربما 300؛ لكن علم الاحتمالات له إجابة مخالفة قليلًا هنا؛ لأنه لتحقيق 50.7% من الاحتمالات تحتاج فقط إلى 23 شخصا في الغرفة، ماذا تقول! كيف؟

 

إذا كانت تلك هي المرة الأولى التي تسمع فيها عن مشكلة عيد الميلاد(3) (Birthday Problem) فلا بد أنك اندهشت لمدى مخالفة تلك النتيجة لإدراكك البديهي؛ لكن لنفهم ذلك جيّدًا دعنا نبدأ بالعكس، فإذا كانت كل الاحتمالات الممكن حدوثها وغير الممكن حدوثها (الممكن+غير الممكن) تتجمع معًا في قيمة 100%، فيمكن لنا -إذن- أن نبدأ من الاحتمالات غير الممكن حدوثها، أي أن نحسب في أفراد المجموعة الثلاثة والعشرين احتمالات عدم تشابه أعياد ميلاد أي منهم.

 

لنبدأ بالتدريج، الآن هناك فرد واحد في الغرفة، هنا لا يمكن أن نرصد أي تشابه أو اختلاف في أعياد الميلاد طبعًا، سوف نحتاج أن نُدخل شخصا آخر، هذا الشخص الآخر قد يكون له نفس عيد ميلاد الشخص الأول أو لا، واحتمالات أن يتشابه عيد ميلادهما معًا هو 1/365، الذي هو عيد ميلاد رفيق الغرفة، بينما احتمال عدم تشابههما معًا هو نسبة ما تبقى من أيام السنة أي 364/365، من القسمة نحصل على .997 ما يعني أن هناك احتمالا بقيمة 99.7% أن لا يتشابه أعياد ميلاد الفردين.

  


الآن لنُدخل الشخص الثالث، هنا يكون احتمال عدم تشابهه مع الفردين الآخرين هو 363/365، ثم سوف نستمر في إدخال كل أفراد المجموعة الثلاثة والعشرين، وحساب احتمال عدم تشابه كل منهم مع البقية، ثم لكي نحصل على احتمالية عدم تشابه أي فرد من تلك المجموعة مع الآخر سوف نضرب كل الأرقام الناتجة في بعضها البعض ليكون الناتج في النهاية هو .4927 أي أن هناك احتمالية أن لا يتشابه عيد ميلاد أي من تلك المجموعة بقيمة 49.27%، ما يعني أن احتمالية وجود تشابه هو 50.73%.

 

سر تواجد هذا القدر الكبير من الاحتمال في مجموعة صغيرة الحجم بهذا الشكل يرجع إلى عدد الأزواج المحتملة بين أفراد تلك المجموعة وليس الأفراد أنفسهم، فلو افترضنا مثلا أن هناك مجموعة مكونة من شخصين 1 و2، فإنهما يشكلان زوجا واحدا، وإذا كان هناك ثلاثة أشخاص فهناك ثلاثة أزواج محتملة، أما إذا كان ستة أشخاص فيمكن أن نحصل على 15 زوجا، وهكذا يتخذ عدد العلاقات المحتملة في التصاعد شكلا لاخطّيا؛ بحيث يتصاعد باضطراد.

 

كلما ارتفع عدد أفراد المجموعة ارتفعت إمكانية تكوين أزواج مختلفة منهم (الخطوط) بشكل أسرع كثيرا، فمجموعة من فردين تكون علاقة واحدة، ومجموعة من ستة أفراد تكوّن خمسة عشرة علاقة (الجزيرة)


بتتبع لعبة عيد الميلاد سوف يتضح أنه لكي يصبح احتمال تشابه عيد ميلاد شخصين معًا بقيمة 95% داخل المجموعة تحتاج فقط لـ 48 فردا، وبقيمة 99.99997% نحتاج فقط لـ100 فرد في المجموعة، هنا تتضح فكرتنا عن الصدفة من خلال لعبة الاحتمالات، فما نظن أنه بعيد للغاية، غير محتمل الحدوث، ولذلك فهو مفاجئ، ربما يكون أقرب مما نتصوّر احتماليًا، ربما ما قد نضع احتمالية حدوثه كـ 2% وهو عند الـ 90% بالفعل؛ بينما لا ندري، لذلك فإن الإجابة عن سؤالنا الشخصي بصيغة التعجب (يا ربّي!، ما هي احتمالات ذلك؟!) عندما تحدث مصادفة غريبة قد تكون هي -بداية-  أن لا نتعجّب.

 

احتمالات صغيرة في مجموعات مهولة
ربما -الآن- نكون قد خفّفنا بعض الشيء من تأثير كلمة "مفاجئ" في تعريفنا للمصادفات الغريبة، حيث ربما تقابل كلمة "مفاجئ" اصطلاح "محتمل بدرجة أكبر من تصوراتنا" في حياتنا، هذا الشيء المحتمل بالفعل ترتفع إمكانية حدوثه في حياتنا مع ازدياد عدد أفراد المجموعة، والمجموعة هنا تعني كل شيء، أحداث، أشخاص، أو أماكن، خاصة وأننا نختبر عددا ضخما منها على مدى حياتنا، في الحقيقة هناك قانون ربما يساعدنا في فهم تلك الفكرة.

 

ينص قانون الأعداد الكبيرة(4) حقًا (Law Of Truly Large Numbers) على أنه في عيّنة ضخمة كفاية يمكن لأي حدث مهما كان شاذا أن يحدث، والفكرة هنا هي أنه مع الأعداد الكبيرة للغاية من الأفراد في العيّنة موضع التأمل؛ فإن الاحتمالات الصغيرة للغاية -كأن نقول "تحدث مرة في المليون"- تبدأ في اتخاذ إمكانية جوهرية في شعب عدد أفراده 350 مليون شخص مثلًا، فهي بالفعل شيء يحدث مرة في المليون؛ لكنه هنا سوف يحدث 350 مرة، الحدث نادر بالفعل؛ لكن حدوثه أصبح شبه مؤكد في أعداد ضخمة.

 

بصورة أكثر وضوحا يمكن القول إنه في عيّنة ضخمة -بما فيه الكفاية- سوف تتفق النتائج العملية مع الفرض النظري بشكل دقيق للغاية، خذ مثلًا لعبة لفّ العملة "ملك أم كتابة"، هناك احتمال بقيمة 50% أن تكون النتيجة "ملك" و50% أن تكون "كتابة" لكن حينما نقوم بلف العملة أربع مرّات ربما لا نحصل على النسبة بدرجة صحيحة، فيكون الناتج -مثلًا- ثلاث مرات "ملك" أي 75% ومرة "كتابة" أي 25%، لكن حينما نرفع حجم العيّنة تدريجيًا؛ أي أن نرفع عدد اللفات، سوف نجد أن النتيجة تقترب من الـ 50% شيئا فشيئًا بحيث إنه حينما نلف العملات عشرين ألف مرة سوف نجد أن النتائج تقترب للغاية من الـ50% ملك أو كتابة.

 

 

تلك هي الطريقة التي تستخدمها شركات التأمين في حساب أرباحها، وهي الطريقة التي ينجح بها محللو الانتخابات -غالبًا- في توقّع نتائج شبه دقيقة للتصويت حتّى قبل بدء الانتخابات، فحينما نحاول حساب احتمال أن يتوافق عيد ميلاد أطفال ثلاثة لنفس العائلة سوف نقوم بضرب 1/365 في 1/365 مما يجعل هناك احتمالا بقيمة 1 إلى 135 ألفا أن يحدث ذلك؛ لكن في دولة بها 20 مليون عائلة ذات ثلاثة أطفال سوف يكون هناك احتمالية كبيرة لحدوثه، حوالي 150 مرة.

 

من تلك النقطة يظهر ما نعرفه بمبرهنة القرود لامتناهية العدد(5) (Infinite Monkey Theorem) والتي تقول إنه إذا قامت مجموعة من القرود -أو الآلات ذات الذكاء الاصطناعي- بالطبع عشوائيًا على آلة كاتبة ولمدة غير محدودة ستُنتج وبشكل شبه مؤكد الأعمال الكاملة لشكسبير في مرحلة ما، إن احتمال أن يحدث ذلك هو نسبة ضئيلة للغاية، لكن حينما نقول إن التجربة سوف تستمر إلى ما لانهاية، أو حتى بعمر الكون كله، هنا يتخذ هذا الاحتمال مكانًا جيّدا، قد تكون -إذن- الاحتمالات غاية في الضآلة؛ لكن الأعداد الكبيرة جدا تجعل من تلك الاحتمالات الضئيلة مؤكدة.

 

كذلك، بعيدًا عن صرامة القوانين الإحصائية التي تحدثنا عنها منذ قليل، فإن هناك عدة أسباب نفسية أخرى قد ترفع درجة احتمال حدوث صدفة كتلك بشكل أكبر من ألعاب الاحتمالات، فتشابه عيد ميلادك مع شخص ما تلقاه بالصدفة يعد أمرًا غريبًا، كذلك يعد غريبًا أن يتشابه عيد ميلاده مع ميلاد والدتك، أو أخيك، أو أختك، أو والدك، هنا يقلل كل ذلك من عدد العيّنة محتملة التشابه، بحيث يقع احتمال الـ 95% في مجموعة صغيرة جدًا من الأفراد بينما تظن أنت أنه بعيد للغاية.

 

في الحقيقة يدفعنا عدد الاحتمالات الضخم في حياتنا، مع بعض القوانين التّي تعلّمناها منذ قليل، للقول إنه من المحتمل جدًا أن يحدث ذلك النوع من المصادفات العجيبة والتي لن تخرج ربما من ذاكرتنا أبدًا، فمع عمر قد يصل إلى 80 عاما، وعدد مهول من الحوادث والعلاقات في حياتنا، بالتأكيد سوف يحدث مرّة، أو اثنتين، أو حتى عشرين مرة، أن يلتقي حدثان لا علاقة سببية بينهما في لحظة ما بحيث نتفاجأ من إمكانية حدوث ذلك، إن تضخيم ذلك الأمر الغريب بالتأمل وتكرار تذكره وسرده هو -ربما- ما يعطي الصدف تلك القداسة، ينقلنا السطر الأخير لمجموعة مهمة من النقاط.

 

لعبة الكلمات المتكررة
في الغالب حدث ذات مرة أن قرأت أو استمعت لكلمة ما للمرة الأولى، كلمة كـ"آداتية" أو "بارادايم" أو "حد شاندراسيخار" مثلا، ثم تقرأها أو تسمعها مرة أخرى وبعد أيام قليلة، لنقل مثلًا إنك الآن في الثامنة والعشرين من عمرك، واستمعت لكلمة كتلك، ثم بعد عشرة أيام فقط استمعت إليها مرّة أخرى، أليس ذلك غريبًا؟!

يتغير إدراكك للكلمات بتغير معانيها، فالكلمة التي ترتبط بحدث مهم بالنسبة لك، ستلاحظ تكرار سماعك لها كثيرا 

ستوك سناب

دعنا هنا نضيف مجموعة جديدة من أسباب الصدف سنجملها معًا في فرضية نسمّيها "العالم الجديد"، وتعني أن انتقالك -فكريًا- إلى نقطة ما ينقلك إلى عالم جديد تتكرر فيه مصطلحات كتلك، كأن تبدأ بعد التخرج من المرحلة الثانوية مثلا في الاهتمام بالفلسفة أو العلوم الفلكية، من الطبيعي هنا أن تتكرر كلمات كالتي ذكرناها منذ قليل بتردد أعلى في حياتك.

 

لكن ذلك الأمر يسهل إدراكه، سوف تفهم أنت الرابط سريعًا دون مفاجأة، بعض الحالات تتضمن تغير معنى الكلمة ذاتها بالنسبة لك، لنقل مثلا إن هناك فضيحة سياسية ضخمة اكتسبت عنوانًا إعلاميا ما، ليكن كلمة "السد"، بعد أن تقرأ عنها يتغير معنى كلمة "السد" من وجهة نظرك، وبينما كان تواترها أمامك منتظمًا لا يتغير لكنك لا تلاحظها؛ إلا أنها الآن تلفت انتباهك كلما رأيتها، وقد تظن أنها فقط قررت الظهور مصادفة هذه الأيام.

 

الأمر إذن قد يتعلق فقط بتركيزك، فأنت تنزل للشارع كل يوم وترى السيارات بكافة الأنواع؛ لكن في اليوم الذي تقرر فيه أن تشتري سيارة من ماركة معيّنة، فيات 128 مثلًا، سوف تجد هذه الفيات تحديدا منتشرة في كل مكان، فتشعر أن تلك صدفة غريبة بينما ما حدث هو أن تركيزك توجه إليها، بينما كانت هي موجودة بالفعل في كل الأحوال، لكن تحسسك تجاهها هو فقط ما ارتفع هذه الأيّام، هنا يمكن لنا أن نعيد النظر فيما يعنيه الجزء المتعلق بـ"ذات معنى" في تعريف الصدفة بالأعلى، ربما الصدفة هي فقط صدفة في عين من يراها كذلك.

 

يعبر نموذج الكلمات هذا عن نطاق واسع من الأحداث المتصادفة بطريقة تدفعنا للتفاجؤ، يمكن لتجارب روما فالك ورفاقها(6) في الثمانينيات أن تعطينا فكرة جيّدة هنا؛ حيث وجدت تجاربهم أن الأشخاص يجدون صدفهم الخاصة مفاجئة بشكل أكبر من صدف الآخرين أثناء سرد حكاياتهم عنها، مما يعني أن عملية المفاجأة نفسها قد تكون ذاتية بشكل أكبر، بعيدا عن كون الاحتمالات بعيدة أو قريبة من تحقق صدفة بعينها.

 

حتى إن أبحاث هينتزمان وآشر وستيرن(7) في السبعينيات أشارت إلى أن سيكولوجيا المصادفات تتعلق -أيضًا- بطريقة استدعاء المصادفات من الذاكرة على إثر حدث حياتي ما، فربما تقوم عقولنا بالتعظيم من شأن تلك الذكريات تحديدا لتبدو في صورة مفاجئة للغاية، أشارت أبحاث فالك كذلك إلى أن المصادفة -كونها مصادفة- تعتمد في بعض الأحيان على طريقة حكيها، ينقلنا ذلك لقصة أخرى مثيرة للانتباه.

 

تأثير تينغ هاي


أحد أشهر المصادفات وأكثرها غاية في الغرابة بسوق الأسهم المالية هي ما نسميه تأثير تينغ هاي(8)، حيث يحدث سقوط قوي غير مبرر بسوق الأسهم المالية، ليس بسبب أزمة سياسية كارثية، ولكن فقط حينما يُعرض لأول مرة فيلم أو مسلسل تليفزيوني من بطولة المثل أدام تشينغ من هونغ كونغ، بعد عرض الحلقة الأولى يوم 5 أكتوبر 1992 من مسلسل "غريد أوف مان" (Greed Of Man) من بطولة أدام تشينغ؛ سقط مؤشر هانغ سينغ -والذي يقيس حركة الأسهم بسوق هونغ كونغ كاملًا- بمعدل 600 نقطة، بعد ذلك بعامين حدث بعد عرض الحلقة الأولى من مسلسل "إنستنكت" (Instinct) لنفس الممثل أن انخفض مؤشر هانغ سينغ بمقدار 2000 نقطة، ثم بعد ذلك بثلاث سنوات بعد العرض الأول لمسلسل "حدث ذات مرة في شنغهاي" (Once upon a time in Shanghai) يسقط المؤشر بمقدار 300 نقطة، على مدى خمسة وعشرين عامًا -حتى 2015- يظل نفس التأثير قائمًا في كل مرة -تقريبًا- ينخفض سوق الأوراق المالية مع كل ظهور لآدام تشينغ!

 

في الحقيقة تعد تلك واحدة من أغرب الصدف، إن معرفة بسيطة بشكل سوق الأسهم تؤكد لك ذلك، لقد حاول العديد من علماء الاقتصاد على مدى سنوات طويلة فهم تلك الحالة العارمة من التداخل بين ظروف ومعايير سياسية واجتماعية واقتصادية لانهائية؛ لكن لم ينجح أحد بعد، فتلك هي ظاهرة شديدة التعقد لدرجة لا يمكن لنا تخيّلها، كيف إذن بكل بساطة يتحكم فيها مسلسل تلفزيوني ؟!

 

يفسر متخصصو علم نفس الحشود تلك الظاهرة بما نسميه(9)(10) "النبوءة المُحققة لذاتها (Self-Fulfilling Prophecy)، ويعني ذلك أنه ربما كانت أول مرة أو مرتين من عرض مسلسلات آدم تشينج هي صدفة عادية؛ لكن ما حدث بعد ذلك خلال أكثر من 20 عامًا هو أن تلك النبوءة قد حققت ذاتها، بمعنى أن اقتراب عرض مسلسل جديد لتشينج يدفع العاملين بسوق الأسهم إلى اتخاذ سلوك -بسبب خوفهم- يحقق النبوءة بالفعل.

 


يشبه الأمر أن تقول لزميل لك قبل الامتحان إنك تعرف أنه سيرسب، هنا سوف يتولد لديه شعور شديد بالخوف من الرسوب فيتسبب ذلك في حالة توتر تمنعه من الإجابة فيرسب بالفعل؛ لكن رسوبه لم يكن بسبب أنك توقعت ذلك، لكن لأنك دفعته لكي يرسب بالفعل، وهي حالة -حالة النبوءات ذاتية التحقق- منتشرة للغاية في حياتنا اليومية دون أن نقصد، وتعمل عليها أجهزة السياسة والإعلام بشكل دائم لدفع الجمهور لتحقيق ما يتوقعه الإعلام؛ لكن الإعلام لا يتوقع شيئًا، هو فقط يظهر كذلك.

 

حسنًا، تمتلئ البرامج الترفيهيه بمئات الحكايات عن مصادفات غريبة جدًا لا يمكن أن يقبلها عقل، يدفعنا ذلك للتركيز عليها وتضخيم حجمها وإرجاعها إلى حكايات فانتازية و -في المقابل- غض النظر عن مدى ضخامة هذا العالم، وتاريخه، وأحداثه، والعلاقات الممكنة بين أفراده، وبين ذلك كله، إن مصادفة غريبة حدثت منذ 85 سنة مثلا هي مصادفة ممكنة بالنظر إلى سياق كل العدد المهول الممكن من احتمالات عدم حدوثها خلال كل تلك الفترة.

 

كانت رحلتنا طويلة؛ إن إدراك العالم من تلك الوجهة، وجهة نظر علم الاحتمال وعلم النفس عن ذواتنا، قد لا يحل المشكلة نهائيًا، فهناك -بالفعل- عدد من الصدف غير المفهومة؛ لكن تلك الطريقة في النظر للعالم تجعل منّا أشخاصا أكثر عقلانية، أكثر فهمًا لطبيعة عمل الكون خارج ذواتنا والتي غالبًا ما تتصادم مع إدراكنا البديهي، في بعض الأحيان تتمحور كامل حياتنا على وهم ابتكرناه وافترضنا أنه الحقيقة، في بعض الأحيان نظن أن حدثا ما في حياتنا هو إشارة، دفعة باتجاه ما، ثم نتمسك بذلك الاتجاه رغم أنه ربما غير مناسب لنا، فقط بناءً على مصادفة غريبة لم تكن -في الأصل- إلا تحقيق نظرية الاحتمالات في أبسط صورها.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار