انضم إلينا
اغلاق
أبناء الجوكر.. عن الأطفال المضطربين نفسيا

أبناء الجوكر.. عن الأطفال المضطربين نفسيا

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
لربما سمعت عن مجرم أو سفاح سيكوباتي. لكن هل سمعت بطفل سيكوباتي من قبل؟ سواء كانت إجابتك نعم أم لا؛ فأنت في حاجة لقراءة هذه المقالة التي تحكي قصة فتاة تدعى سامانثا، والتي حاولت خنق أخيها الرضيع عندما كانت في السادسة، وصرحت برغبتها الصادقة في قتل جميع أسرتها. نعم طفلة، لكنها طفلة سيكوباتية، أحد أخطر أنواع البشر. نتابع هنا رحلة علاج هذه الفتاة وغيرها من مرض يفترض أنه غير قابل للعلاج؛ لكنه مرض يشبه التوحد في نسبة الإصابة، ويخلق سفاحا بارد الأعصاب، سفاح قد يكون في الخامسة من عمره.

 

نص المقال
تقول سامانثا "لقد كان يوما لطيفا؛ كنا نجلس في حجرة اجتماعات بمركز سان ماركوس العلاجي، جنوب مدينة أوستن، بولاية تكساس، وهو مكان شهد عددا لا يحصى من النقاشات العصيبة بين الأطفال المضطربين، والأهالي القلقين، وأطباء المركز.

 

لكن نسائم اليوم على وجه الخصوص أتت تبشر ببهجة خالصة. إنه موعد زيارة والدة سامانثا، القادمة من ولاية أيداهو، مثلما تفعل كل ستة أسابيع؛ مما يعني وجبة غداء ونزهة تسوقية خارج حرم المركز. فالفتاة بحاجة إلى بعض الإمدادات: بنطال جينز جديد، وبنطال لليوغا، وطلاء أظافر.

 


سامانثا
في الحادية عشرة من عمرها، لا يتعدى طولها المتر ونصف المتر إلا بشيء يسير، لها شعر أسود متموج ونظرة ثابتة. حين سألتها عن مادّتها الدراسية المفضلة (التاريخ) علت وجهها ابتسامة خاطفة، وتجهّمت حين سألتها عن أبغض المواد إلى قلبها (الرياضيات). بدت فتاة واثقة ومرحة، مثل أي طفل طبيعي. لكن مع تطرقنا إلى بعض المساحات المزعجة، تلك الأحداث التي أدت إلى إيداعها مؤسسة لعلاج الأحداث، ظهر عليها التردد ونظرت إلى الأسفل باتجاه يديها. قالت: "لقد أردت امتلاك العالم كله، لذا ألفت كتابا كاملا في طرق إيذاء البشر".

 

بدأت سامانثا ترسم لوحات أسلحة منذ سن السادسة: سكين، قوس وسهم، كيماويات سامة، حقيبة بلاستيكية للخنق. أخبرتني أنها مثلت مشاهدَ متخيلة لقتل عرائسها المحشوة. ودار بيننا الحوار التالي:

- "هل كنت تتدربين على عرائسك؟"

أومأت برأسها إيجابا.

- "ماذا كان شعورك حينها؟"

= "شعرت بالسعادة".

- "لماذا أسعدك ذلك؟"

= "لاعتقادي بأنني سأفعل ذلك في أحد الأشخاص يوما ما".

- "هل جربت ذلك من قبل؟"

فترة صمت.

= "لقد خنقت أخي الصغير".

 

تبنت جين وزوجها داني سامانثا وهي في الثانية من عمرها. كان لديهما ثلاثة أطفال من صلبهما بالفعل، لكنهمّا شعرَا بشيء يدفعهمَا لضم سامانثا (ليس ذلك اسمها الحقيقي)، وأختها غير الشقيقة التي تكبرها بعامين، إلى أسرتهما. وأنجبا لاحقا طفلين آخرين.

 

بدت سامانثا طفلة جامحة منذ البداية، طفلة تستلزم قدرا هائلا من الانتباه. لكن أليس جميع الأطفال كذلك؟ اضطرت والدة سامانثا البيولوجية للتخلي عنها حين فقدت وظيفتها ومنزلها وعجزت عن إعالة أطفالها الأربعة؛ لكن لا توجد أي أدلة على تعرض الطفلة للإيذاء. ووفقا لوثائق ولاية تكساس، مرت سامانثا بجميع مراحل النمو المعرفي والعاطفي والبدني بنجاح. لم تواجه صعوبات في التعلم، ولا جراحَ عاطفية، ولا بدت عليها أي من أعراض اضطراب نقص الانتباه أو التوحد.


إلا
أنها أظهرت بعض أمارات الشر في سن مبكرة جدا. خلال شهرها العشرين، أثناء إقامتها مع والديها بالتبني في تكساس، اشتبكت سامانثا مع طفل في حضانة صباحية. فصل موظفو الحضانة بين الطفلين، وحُلَّت المشكلة؛ لكن في وقت لاحق من نفس اليوم، توجهت سامانثا -التي تعلمت التبول في الأماكن المخصصة بالفعل- إلى مكان لهو الطفل، وسحبت بنطالها لأسفل، وبالت علَيه. تقول جين "كانت تدرك تماما ما تفعله. كانت قادرة على تحين اللحظة المناسبة للانتقام".

 

تقول جين "كنت مذعورة، شعرت أني فقدت السيطرة على كل شيء" حين شرحت لها ابنتها طريقة شنقها وخنقها لعرائسها المحشوة

ستوك سناب

مع نمو سامانثا، بدأت تقرص أقرانها وتعرقِلهم وتدفعهم، ثم تبتسم إذا ما بكوا. كذلك اعتادت السطو على حصّالة شقيقتها وتمزيق مدخراتها. في إحدى المرات، حين كانت سامانثا في الخامسة، عنفتها جين لسلوكها الشرير تجاه أحد أقرانها. اتجهت سامانثا إلى حمام والديها، وألقت بعدسات أمها اللاصقة في المرحاض وطردتها مع المياه إلى مواسير الصرف الصحي. تقول جين "لم يكن تصرفها وليد اللحظة، لقد أمعنت النظر في الأمر ونفذته عن سبق إصرار".

 

بمرور الوقت، أدركت جين، معلمة المرحلة الابتدائية السابقة، وزوجها الطبيب داني، أن الأمر أكبر من إمكاناتهما. وطلبا، بالفعل، مشورة أطباء، وأخصائيين ومعالجين نفسيين، لكن سامانثا لم تزدد إلا خطورة. حتى إنهما أودعاها مشفى الأمراض النفسية ثلاث مرات قبل إلحاقها في عمر السادسة ببرنامج علاجي داخلي بولاية مونتانا. لكن ذلك أيضا لم يكن كافيا. وبينما أكد لهما أحد الأخصائيين النفسيين أن كل ما تعانيه الطفلة هو تأخر في اكتساب ملكة التعاطف، قالَ آخر إنها شديدة الاندفاع، وهو أمر ستعالجه العقاقير. ثم شخَّصَ ثالثٌ الحالة على أنها اضطراب رد الفعل المرفق، ستتحسن كثيرا مع العلاج المكثف. لكن التعليق الأشد قسوة -وهو معتاد في هذه الحالات- صدر عن طبيب رابع، وضع اللوم على جين وداني، مشيرا إلى أن سلوك سامانثا رد فعل على تربية قاسية تفتقد إلى العاطفة.

 

وفي يوم مشؤوم من ديسمبر /كانون الأول 2011، بينما كانت جين تقود سيارتها مع الأطفال في طريق متعرج قرب المنزل، سمعت صراخا من الكنبة الخلفية، فنظرت في المرآة لترى يدي سامانثا -التي أتمت عامها السادس للتو- حول عنق أختها ذات العامين، التي تجلس حبيسة مقعد الأطفال. فصلت جين بينهما، وفور الوصول إلى المنزل أخذت سامانثا جانبا.

 

سألتها "ماذا كنت تفعلين؟"

أجابت سامانثا "كنت أحاول خنقها".

"هل تدركين أن ذلك قد يقتلها؟ كانت ستعجزُ عن التنفس. كانت ستموت".

"أعرف ذلك".

"وماذا عنا؟"

"أريد قتلكُم جميعا".

 

شُخصت حالة سامانثا على أنها اضطراب سلوكي مع سمات تبلد عاطفي وقسوة. كانت تستوفي كافة خصائص السيكوباتي الناشئ

بيكساباي


بعدها
، عرضت سامانثا رسوماتها على جين، التي تملكها ذعر وهي تستمع إلى شرح ابنتها طريقة شنقها وخنقها عرائسها المحشوة. تقول جين "كنت مذعورة، شعرت أني فقدت السيطرة على كل شيء". بعد أربعة أشهر على الحادثة، حاولت سامانثا خنق أخيها الرضيع الذي لم يتعد عمره الشهرين.

 

لم يعد أمام جين وداني إلا الإقرار بفشل كافة السبل، سواء كانت المعاملة الحنونة أو الانضباط الصارم أو جلسات العلاج النفسي. قالت الأم لي "كنت أقرأ هنا وأقرأ هناك بحثا عن التشخيص المنطقي، ما التشخيص المناسب لهذا السلوك؟" في النهاية، عثرت جين على تشخيص بدا مناسبا؛ لكنه تشخيص استبعدهُ جميع خبراء الصحة النفسية لندرته وعدم قابليته للعلاج. في يوليو /تموز 2013، اصطحبت جين سامانثا لعرضها على طبيب نفسي في مدينة نيويورك. هناك تأكدت شكوكها.

 

تقول جين "في عالم الصحة النفسية للطفل، يعتبر هذا الأمر مرضا عضالا. صحيح أن طفلك لن يموت، لكن لا توجد أي طرق للمساعدة". تتذكر جين لحظة مغادرتها عيادة الطبيب، ذات مساء دافئ، ثم توقفها عند إحدى نواصي منطقة مانهاتن، والمارة يعبرون من جانبها كعناصر في لوحة ضبابية. اجتاحها ساعتها شعور فريد وغير متوقع، إنه الأمل. لقد استطاع أحدهم تحديد مشكلة الأسرة لتوه، ولعل بإمكانهِما -هي وداني- التوصل إلى طريقة لمساعدة ابنتهما، رغم كل الصعاب.

 

شُخصت حالة سامانثا على أنها اضطراب سلوكي مع سمات تبلد عاطفي وقسوة. كانت تستوفي كافة خصائص السيكوباتي الناشئ. عاش السيكوباتيون بيننا منذ الأزل. ولا شك أن بعض الخصال السيكوباتية قد ظلت بمرور الزمن، لفائدتها حال توافر الأشخاص على عينات ضئيلة منها، مثل البرود في حالة الندبات النفسية، والرؤية القاصرة في حالة الرياضي الأوليمبي، والنرجسية الطموحة في حالة كثير من السياسيين. لكن تواجد هذه الخصال بخلطات غير مناسبة أو درجات متطرفة قد ينتج فردا معاديًا للمجتمع بدرجة خطيرة، أو قاتل بارد الأعصاب. لم يوجه الباحثون جهودهم لتحديد العلامات التي قد تتنبأ مبكرا بقابلية الطفل للتحول إلى قاتل متسلسل، إلا في الربع الأخير من القرن الماضي.

 

يخجل الباحثون من وصف الأطفال بالسيكوباتية؛ لأنه مصطلح موصوم مجتمعيا، ويوحي بقدر كبير من الحتمية. لذا يفضلون وصف سامانثا وأمثالها بأطفال ذوي سمات تبلد عاطفي وقسوة، وهو مصطلح مختصر ينوب عن مجموعة من الخصائص والسلوكيات، تتضمن الافتقار إلى التعاطف وتأنيب الضمير والشعور بالذنب، وضحالة المشاعر، والعدوانية والوحشية، ولا مبالاة ظاهرة بالعقاب. لا يجد الأطفال من أصحاب سمات التبلد العاطفي مشكلة في إيذاء الآخرين للحصول على مبتغاهم. وإن أظهروا لك الاهتمام والتعاطف فإنهم يحاولون -على الأغلب- التلاعب بك.

 

 
يعتقد
الباحثون أن هذه السمات تظهر في واحد بالمئة تقريبا من الأطفال، وهي نفس نسبة الإصابة بالتوحد أو الاضطراب ثنائي القطب. كانت هذه حالة نادرة الذكر قبل فترة قصيرة. حتى إن الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين لم تبدأ في إدراج سمات تبلد العواطف والقسوة في دليلها التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية إلا في عام 2013. هذه حالة يسهل الإغفال عنها؛ لأن كثيرا من هؤلاء الأطفال يملكون القدرة على إخفائها، وربما يكونون جذابين وأذكياء كفاية لمحاكاة السلوكيات المعتادة مجتمعيا.

 

توصلت أكثر من خمسين دراسة إلى أن هؤلاء الأطفال أشد استعدادا (قدّرتها إحدى الدراسات بثلاثة أضعاف) لسلوك مسارٍ إجرامي أو إظهار سمات عدوانية أو سيكوباتية في مراحل متقدمة من حياتهم، مقارنة بغيرهم من الأطفال. وبينما يشكل السيكوباتيون البالغون نسبة ضئيلة من عامة السكان، تقدر الدراسات نسبة الجرائم التي يرتكبونها بخمسين بالمئة من مجموع جرائم العنف كافة. يقول أدريان رين، عالم النفس بجامعة بنسلفانيا "إننا إذا ما تجاهلنا هذه المشكلة، سيمكننا القول إن الدماء تلوث أيدينا نحن أيضا".

 

يرى الباحثون وجود طريقين إلى السيكوباتية، أحدهما تسيطر عليه الطبيعة، والآخر تسيطر عليه التنشئة. في حالة بعض الأطفال، تتولى البيئة -كالنشأة الفقيرة، والأبوين القاسيين، والاعتماد الكلي على النفس في الأحياء الخطرة- تحويلهم إلى كائنات عنيفة قاسية القلوب. لا يولد هؤلاء الأطفال مجردين من العاطفة وقساة؛ بل يرجح كثير من الخبراء أن انتشالهم من هذه البيئة قد يقيهم السقوط في بئر السيكوباتية.

 

لكن هناك أطفالا يظهرون سمات تبلد عاطفي وقسوة، رغم نشأتهم في كنف أبوين عطوفين وفي أحياء آمنة. خلصت دراسات ضخمة أجريت في بريطانيا وغيرها بأن هذا النزوع المبكر مشكلة وراثية، أمر كامن في المخ نفسه، وأن علاجه صعب بصورة خاصة. يقول رين "نتمنى لو كان حب الأبوين قادرا على تغيير كل شيء، لكن هناك أوقاتا يبذل فيها الأبوان أفضل ما لديهما، يكون فيها الطفل من البداية ورغم كل شيء طفلا سيئا".

 

لكن ما زال الباحثون يؤكدون أن السيكوباتية ليست نهاية حتمية للأطفال متبلّدي العواطف، حتى من ولد منهم هكذا. تنص بعض التقديرات على أن أربعة من بين كل خمسة من هؤلاء الأطفال ينجون من المصير السيكوباتي. ويبقى اللغز الذي يحاول الجميع حله هو سبب سلوك بعضهم مسار حياة طبيعي بعد البلوغ في حين ينتهي الأمر بالآخرين إلى غرفة الإعدام.

 

تتولى البيئة -كالنشأة الفقيرة، والأبوين القاسيين، والاعتماد الكلي على النفس في الأحياء الخطرة- تحويلهم إلى كائنات عنيفة قاسية القلوب

بيكساباي
  

تستطيع العين المدربة تمييز الطفل القاسي متبلد العواطف بداية من عمر الثالثة أو الرابعة. فبينما يرتبك الأطفال الطبيعيون في هذا السن عند بكاء أقرانهم -ويحاولون تهدئتهم أو مغادرة المكان- يتصرف هؤلاء الأطفال بلا مبالاة وبرودة مفزعة. في الواقع، ربما يستطيع أخصائيو علم النفس تتبع هذه السمات للوصول إلى بعض تمظهراتها في الطفولة المبكرة. مثل دراسة أجراها باحثون في كلية كينجز لندن ضمت أكثر من مئتي طفل في أسبوعهم الخامس، لمعرفة أي شيء سيفضلون النظر إليه، وجه إنسان أم كرة حمراء. وبعد عامين ونصف، ظهرت هذه السمات المرضية على الأطفال الذين فضلوا الكرة بنسبة أكبر من أقرانهم.

 

مع نمو الطفل، تظهر إشارات تحذيرية أكثر وضوحا. هنا يأتي كينت كيهل، عالم النفس بجامعة نيومكسيكو ومؤلف كتاب "همس السيكوباتية"، ليشير إلى إنذار مرعب، يظهر على الطفل في عمر الثامنة أو التاسعة أو العاشرة، وهو ارتكابه مخالفة أو جريمة خلال وجوده منفردا، بعيدا عن ضغط أقرانه. ذلك دليل على نزوع داخلي إلى الإيذاء. كذلك نذكر تعددية الميول الإجرامية، ونقصد بذلك ارتكاب جرائم متنوعة في ظروف مختلفة، فهي تعتبر رسالة تحذر من سيكوباتية محتملة في المستقبل.

 

لكن العنف المبكر هو الإنذار الأكبر. يقول كيهل "اشتبك معظم السيكوباتيين الذين قابلتهم في السجن مع المعلمين في المرحلة الابتدائية أو الإعدادية. أسألهم خلال المقابلة عن أسوأ ما قاموا به خلال رحلتهم الدراسية، فيجيبون بأنهم اعتدوا على المعلم حتى أفقدُوه وعيَه. قد يصعب عليك تصديق ذلك؛ لكني اكتشفت أنه أمر شائع جدا".

 

إننا نملك معرفة جيدة عن طبيعة دماغ السيكوباتي البالغ، ويرجع الفضل في جزء من ذلك إلى مجهود كيهل. لقد أجرى مسحا ضوئيا لأدمغة مئات من نزلاء السجون المشددة الحراسة، وسجل الفروق العصبية بين المدانين بالعنف المتوسط والسيكوباتيين. بشكل عام، يعتقد كيهل وغيره أن الدماغ السيكوباتي يعاني من تشوهين رئيسين على المستوى العصبي، وهي تشوهات يحتمل ظهورها في أدمغة الأطفال القساة أيضا.

 

يظهر الأول في الجهاز النطاقي، وهو جزء في الدماغ من بين مهامه معالجة المشاعر. يحتوي هذا الجزء في الدماغ السيكوباتي على كمية أقل من المادة الرمادية، وهو ما يجعل منه -حسب تشبيه كيهل- عضلة أقل قوة. قد يتفهم السيكوباتي -على المستوى الفكري- خطأ فعلته؛ لكنه لا يشعر بذلك. عن ذلك يقول "يفهم السيكوباتي الكلمات؛ لكنه لا يتذوق اللحن".

 


من
أجل مزيد من التحديد، نقول إن الخبراء يعتبرون اللوزة الدماغية -وهي جزء من الجهاز النطاقي- هي البقعة المادية المسئولة عن تبلد المشاعر والسلوك العنيف. فقد يعجز الشخص الذي يملك لوزة صغيرة الحجم أو ضعيفة النشاط عن الشعور بالتعاطف أو الامتناع عن العنف. على سبيل المثال، لا يستطيع السيكوباتي البالغ والطفل القاسي تمييز ملامح الخوف أو الألم على أوجه البشر. تحكي إسي فيدنج، أستاذة علم الأمراض النفسية النمائي بكلية لندن الجامعية، عن عرضها مجموعة صور لوجوه تحمل تعبيرات مختلفة على سجين سيكوباتي. وعند وصول السجين إلى صورة لوجه خائف، قال "لا أعرف الاسم الذي تطلقونه على هذا التعبير؛ لكن هكذا يبدو الأشخاص قبل طعنك إياهم".

 

إن انخفاض معدل ضربات القلب يعكس انخفاض القابلية للشعور بالخوف، وهو ما قد يجعل الشخص أكثر قابلية لارتكاب أعمال عنف إجرامية

ما أهمية هذا الشذوذ العصبي؟ ترى أبيجيل مارش، الباحثة في جامعة جورجتاون، التي درست أدمغة الأطفال متبلدي العواطف القساة، أن الإشارات التي نطلقها في أوقات المِحَن، مثل تعبيرات الخوف أو الحزن على الوجه، تحمل رسالة خضوع ومصالحة. "إنها مصممة لتكون بمثابة راية بيضاء ترفع لدرء الاعتداءات. وإن لم تكن حساسا لهذه الإشارات، تزداد احتمالية مهاجمتك شخصا كان الآخرون ليمتنعوا عن مهاجمته".

 

لا يفشل السيكوباتيون في تمييز الملامح التي تكسو وجوه الآخرين عند المحن فقط؛ بل قد لا يشعرون بما يشعر به الضحايا من الأساس. يقول أدريان رين من جامعة بنسلفانيا إن أفضل مؤشر مادي على قابلية الصغار للتحول إلى مجرمين عنيفين عند البلوغ هو معدل ضربات القلب المنخفضة. وهو نفس الشذوذ البيولوجي الذي حددته دراسات طولية تتبعت آلاف الرجال في السويد وبريطانيا والبرازيل.

 

يقول رين "نرى أن انخفاض معدل ضربات القلب يعكس انخفاض القابلية للشعور بالخوف، وهو ما قد يجعل الشخص أكثر قابلية لارتكاب أعمال عنف إجرامية. أو لعل هناك مستوى إثارة فسيولوجي مثالي"، ويبحث السيكوباتيون عن طرق لزيادة معدل ضربات القلب إلى المستوى الطبيعي. "وطريقة تحقيق هذه الاستثارة عند بعض الأطفال تقع عند سرقة البضائع من المتجر خلسة، أو الانضمام إلى عصابة، أو السطو على متجر، أو الاشتباك في معركة. وبالفعل، حينما أعطى دانيال واشبوش -الطبيب النفسي السريري بكلية طب جامعة ولاية بنسلفانيا- عقاقير مثيرة للأطفال متبلدي العواطف القساة الذين يتابع حالتهم، تحسن سلوكهم.

 

أما السمة المميزة الأخرى للدماغ السيكوباتي فهي نظام المكافأة مرتفع النشاط، خاصة في حالة المخدرات والجنس أو أي شيء آخر يحقق مستوى مرتفعا من الإثارة. في إحدى الدراسات، مارس الأطفال لعبة مقامرة حاسوبية تسمح لهم بالفوز المبكر قبل أن يبدأوا في الخسارة بمعدل بطيء. في الوضع الطبيعي، يقرر أغلب البشر وقف سلسلة الخسائر في مرحلة ما؛ لكن كينت كيهل لاحظ أن "الأطفال السيكوباتيين متبلدي العواطف القساة يواصلون اللعب حتى خسارة كل شيء". إن كوابحهم معطلة.

  

 
ربما
تساعد فكرة الكوابح المعطوبة على تفسير ارتكاب السيكوباتيين للجرائم الوحشية، ذلك أن أدمغتهم تتجاهل إنذارات الخطر أو العقاب. يقول دوستن بارديني، الطبيب النفسي السريري، والأستاذ المساعد في علم الجريمة بجامعة ولاية أريزونا "ثمة مجموعة كبيرة من القرارات التي نتخذها بناء على تهديد محدق أو خوف من وقوع أمر سيئ. وإن كنت أقل اكتراثًا بالعواقب السيئة لأفعالك، ستزداد احتمالية تماديك فيها. وإذا قبض عليك، ستقل احتمالية تعلمك الدروس من أخطائك".

 

يرصد الباحثون هذه اللامبالاة في مواجهة العقاب حتى في بعض الرضع. تقول إيفا كيمونيس، التي تتابع حالات الأطفال القساة وتتعامل مع أسرهم بجامعة نيو ساوث ويلز بأستراليا "لا يثير التعرض للعقاب في هؤلاء الأطفال أي شعور، فلا عجب أنهم يتعرضون للعقاب مرة تلو المرة؛ لأنه غير مؤثر فيهم. في حين تشكل لهم المكافآت حافزا قويا". أثار هذا الاكتشاف موجة علاجية جديدة. ماذا يفعل الطبيب إذا كان الجزء الخاص بالعاطفة في دماغ الطفل معطوبا، بينما الجزء الخاص بالإثابة يعمل على خير وجه؟ يجيب كيهل "عليك حينئذ التكيف مع النظام، والعمل وفق السبل المتاحة".

 

مع كل عام يمر، تتآمر الطبيعة مع البيئة لدفع طفل قاس جديد نحو السيكوباتية، وتسد أمامه الطريق إلى الحياة الطبيعية. تصبح دماغه أقل قابلية لإعادة التشكيل. ومع وصول الأبوين إلى أقصى درجات الإجهاد، وشروع المعلمين والأخصائيين الاجتماعيين والقضاة في التخلي عنه، تقل بيئته تسامحا. ربما لن يصبح مراهقا ميئوسا من حالته؛ إذ إن الجزء العقلاني في دماغه لا يزال تحت الإنشاء؛ لكنه سيكون مراهقًا مرعبا حقا.

 

مثل الفتى الذي يقف على بعد عشرين قدما مني، في القاعة الشمالية في مركز ميندوثا لعلاج الأحداث، بمدينة ماديسون، في ولاية ويسكونسن. غادر هذا المراهق الطويل الهزيل زنزانته للتو. كبل اثنان من العاملين يديه وقدميه، وبدأوا يقتادونه بعيدا. فجأة، استدار حتى أصبح في مواجهتي وضحك، كانت ضحكة مفزعة اقشعر لها بدني. ووسط صياح الشبان السجناء بأقذع السباب، وطرقهم على أبواب زنازينهم المعدنية، وتحديق آخرين عبر نوافذهم الشبكية الضيقة، مرت هذه الخاطرة على ذهني: كان هذا أكثر المشاهد الممكن حدوثها لي شبها برواية "أمير الذباب".

  

 

كان ذلك عين ما دار بخلد مايكل كالدويل وجريج فان ريبروك -الأخصائيين النفسيين- عند افتتاحهما منشأة مندوتا عام 1995، كرد فعل على وباء العنف الشبابي الذي اجتاح بلادهما في أوائل التسعينيات. وبدلا من وضع الجناة صغار السن في سجن الأحداث إلى حين إطلاق سراحهم ليرتكبوا جرائم أشد عنفا وهم بالغون، أنشأ المجلس التشريعي في ولاية ويسكونسن مركزا علاجيا جديدا لمحاولة كسر حلقة الجريمة. ستعمل منشأة مندوتا تحت مظلة إدارة الخدمات الصحية، لا إدارة إعادة التأهيل. وسيديرها علماء نفس وفنيو رعاية نفسية، لا مأمور وحراس. كما سيعين ثلاثة موظفين لكل طفل، وهو أربعة أضعاف المعمول به في سائر منشآت تأهيل الأحداث.   

 

أخبرني كالدويل وفان ريبروك أنه كان ينتظر من منشأة تأهيل الأحداث ذات الحراسة المشددة التابعة للولاية إرسال أسوأ حالات المرض النفسي ممن تتراوح أعمارهم بين الثانية عشر والسابعة عشر من السجناء. ولقد فعلت ذلك، لكن كالدويل وفن ريبروك لم يتوقعا أن يكون هؤلاء هم الأكثر خطورة وتمردا أيضا. إنهما يتذكران انطباعاتهما الأولى، وعنها يقول كالدويل "يمر بنا الطفل، فيلتفت كل منا إلى الآخر ويقول إن هذا أخطر شخص رآه في حياته"، كان كل منهم يبدو أشد خطورة من السابق. ويضيف فان ريبروك "ينظر كل منا إلى الآخر ويتعجب: اللعنة، ما هذا الذي فعلناه!"

 

لكن ما فعلاه، عن طريق التجربة والخطأ، كان أمرا ظنه معظم الناس مستحيلا. ربما لم يستطيعا علاج السيكوباتية؛ لكنهما استطاعا ترويضها على الأقل. شب كثير من مراهقي مندوتا على الأرصفة، دون أبوين، تعرضوا للاعتداء الجسدي أو التحرش الجنسي. أصبح العنف آلية دفاعية لديهم. يتذكر كالدويل وفان ريبروك جلسة علاج جماعي قبل سنوات قليلة، شرح فيها أحد الفتيان كيف قُيّدت يداه وعُلق من السقف ليشرّح والده جسده بالسكين ويفرك الفلفل في جروحه. ليعلن عدد من الصبيان الآخرين "أجل، هذا يشبه ما جرى لنا". كانوا يطلقون على أنفسهم مجموعة العرائس المحشوة.

 

لكن لم يولد جميع نزلاء مندوتا "في الجحيم"، حسب تشبيه فان ريبروك. نشأ بعض الأولاد في منازل الطبقة المتوسطة، مع آباء لم يكن الإيذاء خطيئتهم الكبرى، وإنما العجز التام عند مواجهة أطفالهم المفزعين. إن شن حرب وجود لا هوادة فيها، بغض النظر عن التاريخ السلوكي للنزلاء، هو أحد أسرار النجاح في إنقاذهم من مصير أمثالهم البالغين. يطلق موظفو مندوتا على ذلك "إزالة الضغط". الهدف ببساطة هو السماح للفتيان الذين غرقوا في حالة من الفوضى، بالخروج ببطء إلى السطح والتأقلم مع العالم دون الارتداد إلى العنف.

 

اصطحبتني سندي إبسن في جولة بقاعة مندوتا الشمالية. سندي هي مديرة العمليات وممرضة مسجلة. خلال مرورنا بالأبواب المعدنية ونوافذها الضيقة، أطل الأولاد وانقلب الصياح استجداء. "سندي، سندي، هلا منحتني بعض الحلوى؟" "أنا النزيل المفضل لديك، أليس كذلك يا سندي؟" "سندي، لماذا انقطعت زياراتك؟".

 

إن تكوين رابطة مع الأطفال القساة من أهم الخطوات التي يجب اتخاذها لمساعدتهم

بيكساباي
 

كانت تتوقف قليلا تمازح كلا منهم. كان الشباب الذين يقبعون في هذه الزنازين قتلة ومعتدين وسارقي سيارات وسارقين مسلحين. لكنها تقول "إنهم لا يزالون أطفالا. وأنا أحب العمل معهم؛ لأنني أرى فيهم تجسيدا للنجاح"، على عكس المعتدين الأكبر سنا. علاقة الصداقة معها أو مع عضو آخر في الفريق، هي أول علاقة آمنة في حياة الكثيرين منهم.

 

إن تكوين رابطة مع الأطفال القساة أمر هام؛ لكنه ليس اكتشاف مندوتا الأوحد. فالطفرة الأهم التي قدمها المركز تتضمن توظيف شذوذ الدماغ السيكوباتي لصالح الشخص، وأعني بذلك الإقلال من العقوبات والإغراء بالمكافآت. لقد فصل هؤلاء الأولاد من المدرسة، ووضعوا في دور جماعية -وهي أماكن لسكن الأطفال الذين لا يمكنهم العيش مع أسرهم، أو ذوي الإعاقة أو غيرهم-، وقبض عليهم، وحبسوا. لو كان العقاب سيجدي معهم لفعلها منذ زمن.

 

لكن أدمغتهم تستجيب بحماس للمكافآت. في مندوتا، يستطيع الأولاد جمع النقاط للانضمام إلى مجموعات أرفع شأنا (مجموعة 19، مجموعة 23، مجموعة كبار الشخصيات). ومع تدرجهم في المراتب، يكتسبون امتيازات وعطايا، مثل قطع الحلوى، وبطاقات البيسبول، وأطباق البيتزا أيام السبت، وممارسة ألعاب الفيديو، والقليل من السهر. أما الاعتداء على الآخرين، والتبول عليهم، وسب الموظفين، فيكلفهم نقاطا، لكن ذلك لا يستمر طويلا؛ فالأطفال متبلدو العواطف القساة لا تردعهم العقوبة عموما.

 

لكني لن أخفي تشككي. هل سيشكل الفوز ببطاقة بوكيمون دافعا كافيا لصبي أوقع عجوزا على الأرض ليسرق شيك ضمانها الاجتماعي (مثلما فعل أحد نزلاء مندوتا)؟ لكن خلال سيري بعدها بصحبة إبسن في القاعة الشمالية، توقفت والتفتت إلى أحد الأبواب على يسارنا، ونادت "ما هذا؟ هل أسمع صوت مذياع يعمل على الإنترنت؟". أجابها صوت "أجل، صحيح، أنا في مجموعة كبار الشخصيات. هل يمكنني عرض كروت البيسبول التي أملكها عليك؟".

 

فتحت إبسن الباب فرأيت ولدا نحيفا في السابعة عشر من عمره نبت له شاربٌ حديثا. عرض علينا مجموعته. قال "إنها نحو 50 بطاقة بيسبول. أنا أملك أكبر عدد من بطاقات البيسبول وأفضَلُها هنا"، كدت أرى الوهج ينبعث من مراكز المكافأة في دماغه. في وقت لاحق، أخبرني بإيجاز عن حياته: اعتادت زوجة أبيه ضربه، كما اعتدى عليه أخوه غير الشقيق جنسيا. وقبل دخوله مرحلة المراهقة، بدأ يتحرش بأبناءِ جيرانه الصغار، كانا ولدا وبنتا. استمر التحرش سنوات قليلة، إلى أن أخبر الولد أمه. يقول الفتى "كنت أعرف أن ذلك خطأ، لكني لم أهتم. كانت المتعة هي كل ما أفكر فيه".

  


وفي
مندوتا، بدأ يدرك أن هذه اللذة قصيرة الأمد قد تزج به في السجن بتهمة التحرش الجنسي، في حين قد يجلب تأخير الإشباع مكاسبا أكثر ديمومة: أسرة، ووظيفة، وحرية، والأخيرة هي الأهم. كان من العجيب أن يأتيه هذا الإلهام خلال سعيه الحثيث لجمع بطاقات البيسبول.

 

بعد شرح الفتى المستفيض نظام النقاط الذي يتبعه المركز، أخبرني أن نهجا مشابها سيحقق نجاحا في العالم الذي يدور في الخارج لا محالة، كأن العالم هو الآخر يعمل وفق نظام النقاط. فمثلما يمنحك السلوك الجيد بطاقات بيسبول داخل المنشأة، كذلك سيمنحك -حسب اعتقاده- ترقية في وظيفتك بالخارج. وعن ذلك قال: "فلنفترض أنك طباخ، يمكنك أن تغدو نادلا إذا أحسنت البلاء، هكذا أنظر إلى الأمر". كان يحدق بي، كأنه يبحث عن إشارة تأييدي لحديثه. أومأت برأسي، متمنيا أن يتبع العالم هذا النهج معه. وعلاوة على ذلك، تمنيت أن لا يفسد عليه العالم هذه الرؤية.

 

في الواقع، استطاع برنامج مندوتا تغيير مسار حالات كثيرة، على الأقل في المدى القريب. تتبع كالدويل وفان ريبروك السجلات العامة لـ 248 حدثا مدانا بعد إطلاق سراحهم. يضم هذا العدد 147 نزيلا سابقا في منشأة لتأهيل الأحداث، و101 من أبناء مندوتا، وهم الأكثر سيكوباتية. خلال السنوات الأربع والنصف التي تلت إطلاق سراحهم، كان فتيان مندوتا أقل قابلية بكثير للاعتداء على الغير (64 بالمئة في مقابل 97 بالمئة)، وأقل قابلية بكثير لارتكاب جريمة عنف (36 بالمئة في مقابل 60 بالمئة). أما الأكثر إثارة للدهشة، فهو قتل الخريجين الآخرين 16 شخصا بعد إطلاق سراحهم، في حين قتل فتيان مندوتا... صفرا.

 

يقول كالدويل "ظننا أنهم لن يلبثوا أسبوعا أو اثنين وسط المجتمع قبل إضافة جريمة جديدة إلى سجلهم الجنائي. وعندما وصلتنا أول البيانات التي تؤكد عكس ذلك، اعتقدنا أنها خاطئة". حاولوا العثور على أخطاء أو تفسيرات بديلة طوال عامين كاملين؛ لكنهم خلصوا في نهاية الأمر إلى صحتها.

 

هذا هو السؤال الذي يحاولون الإجابة عليه هل يستطيع برنامج مندوتا العلاجي، بعد نجاحه في تغيير سلوك هؤلاء المراهقين، أن يعيد تشكيل الدماغ بصورة يمكن قياسها؟ الباحثون متفائلون، لأن الجزء المسئول عن اتخاذ القرارات في الدماغ يستمر تطوره حتى منتصف العشرينات. يشبه البرنامج رياضة رفع أثقال عصبية، يقول كينت كيهل من جامعة نيومكسيكو "ستتحسن الدوائر العصبية الخاصة بالجهاز النطاقي إذا ما دربتها".

 

لا أحد يعتقد أن خريجي مندوتا سيكتسبون ضميرا أخلاقيا عاطفيا أو قدرة على التعاطف الصادق، لكنهم يسعون لمنعهم من خرق القانون

ستوك سناب


لاختبار
هذه الفرضية، يطلب كيهل وفريق عمل مندوتا الآن من نحو 300 فتى الخضوع لمسح ضوئي للدماغ. يسجل الجهاز هيئة وحجم مناطق الدماغ الرئيسة، إضافة إلى رد فعل الدماغ على اختبارات للقدرة على اتخاذ القرار، والاندفاع، ومهارات أخرى ترتبط بالمرض النفسي. وسيُجرى مسح ضوئي لدماغ كل صبي قبل خضوعه للبرنامج وخلاله وبعد نهايته؛ مما سيسهل على الباحثين إجابة السؤال: هل يعكس التحسن السلوكي تحسنا مقابلا في أداء الدماغ.

 

لا أحد يعتقد أن خريجي مندوتا سيكتسبون ضميرا أخلاقيا عاطفيا أو قدرة على التعاطف الصادق. يقول كالدويل ضاحكا "ربما لن يتحولوا من شخصية الجوكر في فيلم فارس الظلام إلى شخصية السيد روجرز التليفزيونية"، لكنهم قد يكتسبون ضميرا أخلاقيا معرفيا، أعني بذلك إدراكا ذهنيا بأن اللعب وفق القوانين سيجلب لنا مكافآت أكثر. يقول فان ريبروك "يكفينا امتناعهم عن خرق القانون، سيسعدنا ذلك كفاية. إنه نجاح عظيم في عالمنا هذا".

 

كم عدد من يستطيعون الحفاظ على ذلك طوال حياتهم؟ لا يملك كالدويل أو فان ريبروك أي إجابة. لا يسمح لأي منهما بالتواصل مع المرضى السابقين، وهي سياسة يقصد منها الحفاظ على مسافة مناسبة بين فريق العمل والمرضى السابقين. لكن هؤلاء المرضى يرسلون خطابات أو يتصلون أحيانا لإطلاع فريق العمل على تطورات الحالة، ومن بين هؤلاء كارل، حالة فريدة تبلغ الآن 37 عاما.

 

أرسل كارل (ليس اسمه الحقيقي) بريدا إلكترونيا إلى فان ريبروك عام 2013. وبغض النظر عن إدانته في اعتداء عقب مغادرته مندوتا، ظل كارل بمنأى عن المشاكل على مدى عقد من الزمن، كما افتتح مشروعه التجاري الخاص، مكتب لخدمات الجنائز، بالقرب من لوس أنجلوس. كان لهذا النجاح أهمية خاصة؛ لأن صاحبه يمثل إحدى أصعب الحالات، فهو ابن أسرة طيبة بدت صلته بالعنف حتمية بيولوجية.!

 

ولد كارل في مدينة صغيرة بولاية ويسكونسن. هو الابن الأوسط لمهندس برمجة ومعلمة تربية خاصة. أخبرني والده خلال مكالمة هاتفية "لقد ولد غاضبا". بدأ سلوكه العنيف في صور محدودة -مثل ضرب زميل في الحضانة- لكن سرعان ما ارتفعت حدته، فبدأ يخلع رأس دبدوبه المفضل، ويخرق إطارات سيارة الأسرة، ويشعل الحرائق، ويقتل سنجاب شقيقته. تتذكر شقيقته حادثة وقعت عندما كان في الثامنة من عمره، حين أخذ يدير قطتهما في الهواء من ذيلها، بسرعة متزايدة، قبل أن يفلتها، وتطير في الهواء قبل أن "يسمع صوت ارتطامها بالجدار". لتجلجل ضحكات كارل وتملأ المكان.

  


عند استرجاع الماضي، يقف كارل نفسه مشدوها أمام الغضب الذي كان يسري في دمائه وهو طفل. أخبرني كارل هاتفيا "أذكر حين ضربت أمي بقوة، وكانت تنزف وتبكي. أذكر فرط السعادة والابتهاج الذي اجتاحني، فجعلني أشعر بالتحقق والرضا. لم يكن الأمر محاولة للانتقام من شخص لطم وجهي؛ بل كان أشبه بكراهية معتلة يصعب تفسيرها". أربكت تصرفاته والديه وأثارت فزَعهما في النهاية. يحكي والده "مع تقدمه في السن، لم يزدد الأمر إلا سوءا. لاحقا، وحين حبس في سنوات المراهقة، شعرت بالسعادة لعلمي بمكانه واطمئناني على سلامته. أزاح ذلك عن صدورنا حملا ثقيلا".

 

عندما وصل كارل إلى مركز مندوتا لعلاج الأحداث، في نوفمبر /تشرين الثاني 1995، وهو في عمر الخامسة عشر، كان قد أودع نحو عشر مرات من قبل في منشآت مختلفة، ما بين مستشفى أمراض نفسية، ودار جماعي، ودار رعاية، ومركز لتأهيل الأحداث. وكان سجله الجنائي يحوي 18 تهمة، تضم سطوا مسلحا وثلاث جرائم اعتداء على أشخاص أوصلت أحد ضحاياها إلى المستشفى. تخلصت منه منشأة لينكولن هيلز لإعادة تأهيل الأحداث بنقله إلى مندوتا، بعد ارتكابه أكثر من مئة مخالفة جسيمة خلال أقل من أربعة أشهر. وفي تقييم يطلق عليه قائمة السيكوباتي الشاب، خرجت نتيجة كارل 38 من 40، متفوقا على متوسط نتائج نزلاء مندوتا -وهم من بين أخطر فتيان ويسكونسن- بخمس نقاط كاملة.

 

لم تكن فترة كارل الأولى في مندوتا مبشرة: أسابيع من إيذاء الموظفين، وإلقاء البراز حول الزنزانة، وصراخ طوال الليل، ورفض للاستحمام، وقضاء كثير من الوقت حبيس غرفته، محروم من الاختلاط بزملائه. إلا أن نفسيته بدأت تتبدل ببطء. نجحت صلابة طاقم العمل في اختراق دفاعاته. يتذكر كارل ضاحكا "كانوا أشبه بالزومبي، يمكنك لكم وجوههم ولن يصدر عنهم أي رد فعل".

  

بعد إطلاق سراح كارل بعامين تم حبسه مجددًا لاعتدائه على ضابط شرطة، وكتب حينها رسالة انتحار وخلق أنشوطة شنق

بيكساباي
 

بدأ كارل يتحدث في جلسات العلاج والفصول الجماعية. كف عن السباب وازداد هدوءا. وشرع في تكوين أول رابطة حقيقية على مدى عمره القصير. عن ذلك يقول "بدا أن الجميع -معلمين، وممرضين، وعاملين- يؤمنون بقدرتهم على تغييرنا. كأن شيئا جيدا قد يخرج منا. لقد آمنوا بقابليتنا للإصلاح".

 

بعد قضاء كارل فترتين في مندوتا، أطلق سراحه ليلة عيد ميلاده الثامن عشر، وتزوج؛ لكنه حبس في سن العشرين لاعتدائه على ضابط شرطة. وفي السجن كتب رسالة انتحار، وخلق من أغراضه المتاحة أنشوطة شنق، ليوضع على الفور في حجز انفرادي، تحت مراقبة خاصة. هناك، بدأ في قراءة الكتاب المقدس والصوم، وفي أحد الأيام قال "لقد أصابني تغير عظيم". بدأ يؤمن بوجود الله. أدرك كارل أن نمط الحياة هذا لا يرقى إلى مثل المسيحية بأي درجة؛ لكنه واصل زيارة الكنيسة أسبوعيا، واعترف بفضل مندوتا في تمهيد طريقه إلى الإيمان. ومع إطلاق سراحه عام 2003، كانت زيجته قد انفرط عقدها، لينتقل من ويسكونسن ويستقر في النهاية بكاليفورنيا؛ حيث افتتح مكتبا لخدمات الجنائز.

 

أقر كارل ببهجة أن العمل في مجال الوفيات يروق له. ويتذكر طفولته قائلا "كنت مفتونا بالسكاكين والتقطيع والقتل وما شابه، وها هو سبيل قانوني للتنفيس عن بعض ما يمكنك تسميته بالفضول المرضي. يمكنك اعتبار هذا المكتب مقرا لقاتل متسلسل نوعا ما، أليس كذلك؟ إنها مصارف مختلفة للطاقة نفسها، لكن كل شيء هنا يجري باعتدال".

 

لا شك أن مهنته هذه تتطلب تعاطفا أيضا. يقول كارل إنه اضطر إلى تمرين نفسه على إظهار التعاطف مع زبائنه المكروبين؛ لكنه أصبح الآن رد فعل طبيعي. تقر شقيقته بنجاحه في هذه النقلة العاطفية، وتقول "لقد شاهدت تفاعله مع أسر الموتى، كان ذلك مبهرا. إنه رائع في إظهار التعاطف معهم وتقديم السلوى التي يحتاجونها. لكن ذلك لا يتفق مع رؤيتي له، لذا أشعر بالتشوش. هل هذا حقيقي؟ هل يشعر بحزنهم حقا؟ هل كل ذلك زيف وتمثيل؟ هل يدرك حتى معنى ذلك؟".

 

بعد التحدث مع كارل، بدأت أرى فيه قصة نجاح استثنائية. قال لي "لولا مندوتا والمسيح، لأصبحت مجرما من طراز مانسن، أو بندي، أو دامر، أو بيركويتز". لا شك أن فضوله المرضي يثير شيئا من القشعريرة، لكن ها هو، رب أسرة من زوجة وطفل في عامه الأول، يدير مشروعا ناجحا. بعد الاتصال الهاتفي، قررت مقابلته شخصيا. كنت أرغب في إطلالة أقرب على هذه النقلة الروحية.

  


لكني
تسلمت بريدا إلكترونيا من زوجته ليلة سفري إلى لوس أنجلوس. لقد حجز في قسم الشرطة. كان يعتبر نفسه رجلا متعدد العلاقات النسائية، ودعا إحدى عشيقاته إلى شقة الزوجية. كانا يلهوان بالطفل لحظة عودة زوجته. تأججت الزوجة غضبا وانتزعت طفلها منهما، فما كان من كارل إلا أن جذبها من شعرها، واسترد طفله بالقوة، ثم استولى على هاتفها كي لا تتصل بالشرطة. لكنها أجرت المكالمة من هاتف الجيران. (يقول كارل إنه جذب الطفل لحمايته). هذه جنح ثلاث، اعتداء على زوجة، وإهمال طفل، وتهديد شاهدة. ها هو السيكوباتي حسن السلوك يقبع في الحجز.

 

قررت الذهاب إلى لوس أنجلوس على أي حال، على أمل الإفراج عن كارل بكفالة بعد سماع إفادته في اليوم التالي. وقبل الثامنة والنصف بدقائق معدودة، قابلت زوجته في المحكمة، وقضينا سويا فترة انتظار طويلة. كانت تصغر زوجها باثني عشر عاما، امرأة ممتلئة الجسد، لها شعر أسود طويل، ونظرة حزينة مجهدة لا تختفي إلا عندما تنظر إلى طفلها. تعرفت على كارل عبر موقع مواعدة قبل عامين، في أثناء زيارتها إلى لوس أنجلوس، وبعد علاقة عاطفية دامت شهرين فقط، انتقلت إلى كاليفورنيا للزواج به. والآن، تجلس خارج قاعة المحكمة، تراقب ولدها، وتجيب على اتصالات زبائن مكتب خدمات الجنائز، وتسأل نفسها إن كانت ستستطيع تسديد الكفالة.

 

قالت والهاتف يرن ثانية "لقد سئمت هذه الدراما". ليس الزواج بكارل أمرا سهلا. تقول الزوجة إنه مرح وفاتن ومستمع جيد؛ لكنه يهمل مجال عمله أحيانا، فيلقي بأغلب الحمل عليها. إنه يحضر نساء أخرى إلى المنزل ليمارس معهن الجنس، حتى في أوقات تواجدها. صحيح أنه لم يعتدِ عليها جسديا قط، لكنه لطم وجهها.

"يعتذر عن فعلته، لكني لا أعرف إن كان منزعجا من فعلته حقا أم لا".

"تتساءلين إن كان نادم حقا على ما فعله؟"

"سأقولها بأمانة، لم أعد أهتم بذلك. كل ما أريده الآن هو سلامتي وسلامة طفلي".

 

إنها الثالثة والربع أخيرا. يدخل كارل إلى القاعة مكبل اليدين، في بذلة متهمي لوس أنجلوس البرتقالية. يلوح لنا بيديه مع ابتسامة صافية، تختفي حين يعرف أنه لن يفرج عنه بكفالة اليوم، رغم اعترافه بذنبه في تهمة الاعتداء. سيمكث في السجن ثلاثة أسابيع أخرى. هاتفني كارل بعد يوم من إطلاق سراحه، استشعرت في حديثه ندما لم يعتده "كان يتوجب علي عدم الجمع بين صديقة وزوجة". أكد على رغبته في الحفاظ على تماسك أسرته، وقال إن فصول العنف المنزلي التي ألزمته المحكمة بحضورها ستساعده. بدا لي صادقا.

  


عندما
حكيت آخر تطورات قصة كارل لـ كالدويل وريبروك، ضحكا دون أن يبدو عليهما أثر مفاجأة. قال كالدويل "هذه تعد نتيجة جيدة بالنسبة إلى شاب من مندوتا. لن يحقق كارل تأقلما صحيا كاملا مع الحياة؛ لكنه قادر على الالتزام بالقانون أغلب الوقت. حتى مع ما جرى من مخالفات، نجده لم يقم بسطو مسلح أو إطلاق نار على غيره".

 

تنظر شقيقة كارل إلى تطورات حالته من زاوية مشابهة. تقول: "لقد عانى الفتى من قَدَر شديد القسوة، أكثر من أي شخص قابلته يوما. من يستحق دخول الحياة بهذه العُدَّة؟ إن نجاته من القتل أو السجن مدى الحياة أو الهيمان على وجهه مجنونا يهذي لهو أمر غير معقول". سألت كارل، هل يجد صعوبة في اللعب وفق القواعد، أو ببساطة، هل يجد صعوبة في أن يكون طبيعيا. سألته "ما مقدار صعوبة ذلك على مقياس من واحد إلى عشر؟" فأجابني "8 هي إجابتي، فهي تعني أنه أمر صعب، صعب جدا". بمرور الوقت، حاز كارل على إعجابي: إن له عقلا نشطا، إنه مستعد للاعتراف بعيوبه، ويرغب في أن يكون شخصا جيدا. هل كان صادقا أم كان يلاعبني؟ أهو دليل على إمكانية ترويض السيكوباتية، أم دليل على كونها سمات مدمجة على عمق شديد يجعل تفكيكها مستحيلا؟ صراحة، لا أعرف.

 

في مركز علاج سان ماركوس، ترتدي سامانثا سروال يوغا جديدا؛ لكن فرحتها به كانت محدودة جدا. ستغادر والدتها بعد ساعات قليلة إلى المطار، لتلحق برحلة العودة إلى أيداهو. تقضم سامانثا شريحة بيتزا وتختار فيلما لمشاهدته على حاسوب جين المحمول. بدت حزينة، لكن سبب الحزن لم يكن رحيل جين بقدر ما هو العودة إلى روتين المركز الممل. احتضنت سامانثا أمها خلال مشاهدة فيلم "العملاق الودود الضخم" (TheBFG)، ورحت أتأمل هذه الفتاة ذات الأحد عشر عاما التي تستطيع طعن يد معلمة بقلم رصاص لأهون الأسباب.

 

خلال مراقبتي لهما في الغرفة المظلمة، أخذت أفكر للمرة المئة في الطبيعة الاعتباطية للخير والشر. إذا كان دماغ سمانثا مصمما هكذا، إذا فشلت في الإحساس بالتعاطف أو الندم بسبب افتقارها إلى المعدات العصبية المنصبة، هل يمكننا القول إنها شريرة؟ يقول أدريان رين "لا يد لهؤلاء الأطفال في الأمر. لا يكبر الأطفال وهم يحلمون بالتحول إلى شخصية سيكوباتية أو سفاحين؛ بل يحلمون بيوم يصبحون فيه لاعبي بيسبول أو نجوم كرة قدم. ليس ذلك بخيار".

 


لكن
رين يقول إن امتناعنا عن وصمهم بالشر لا يعني التوقف عن محاولة تهذيب سلوكهم الشرير. إنه كفاح يومي، أعني بذلك محاولة زرع بذور المشاعر التي تأتي عادة بشكل طبيعي -مثل العطف، والاهتمام، والندم- في هذا الدماغ السيكوباتي ذي التربة الصخرية. قضت سامانثا أكثر من عامين في سان ماركوس؛ حيث حاول الموظفون تشكيل سلوكها بالعلاج المنتظم وبرنامج يشبه مندوتا، يواجه الأفعال الخاطئة بعقوبات سريعة ومحدودة، ويقابل السلوك الحسن بالمكافآت والامتيازات، من حلوى، وبطاقات بوكيمون، وسهرة في عطلة نهاية الأسبوع.

 

رصد جين وداني نمو براعم خضراء من التعاطف. لقد كسبت سامانثا صديقا، وخففت عن إحدى الفتيات وقع خبر استقالة الأخصائي الاجتماعي المسئول عنها. لقد اكتشفوا آثارا على وعي بالذات وندم أيضا: تدرك سامانثا خطأ أفكارها المتعلقة بإيذاء الناس، وهي تحاول قمعها. لكن التدريب المعرفي لا يمكنه منافسة الرغبة في خنق زميل مزعج دائما، وهو ما حاولت فعله من قبل. تقول سامانثا "إنه يتراكم، وأكون مضطرة إلى تنفيذه. لا أستطيع تجاهله طوال الوقت". هذه أمور مجهدة بالنسبة إلى سامانثا وأقرانها. في وقت لاحق، سألت جين عن صفات سامانثا الآسرة التي تضفي القيمة على كل هذا الجهد. سألتها "يستحيل كونه كابوسا بالكامل، أليس ذلك؟" ترددت جين، ثم قالت: "ماذا تعتقد؟".

 

أجابت جين أخيرا "لا، ليس كابوسا بالكامل. إنها لطيفة، ومرحة أحيانا، ومصدر للمتعة في أحيان أخرى". إنها لاعبة كرة طاولة عظيمة، ولديها خيال رائع. والآن، بعد عامين على فصلها عن إخوتها، يقولون إنهم مشتاقون إليها. لكن مزاج سامانثا وسلوكها يتبدل سريعا. "وتكمن المشكلة الحقيقية في التطرف الهائل لسلوكها المتطرف. أنت تعيش في انتظار متواصل للمشكلة الجديدة".

 

يقول داني إنهما يدعوان دوما لانتصار الوعي الذاتي على النزوع الفطري، و"إن قدرتها على إدراك الفائدة التي ستعود عليها من الالتزام بالقوانين، واختيارها هذا الطريق رغم نزوعها المختلف، مع وعيها بطبيعة أفكارها المختلفة، هو ما نبني عليه آمالنا جميعا". إنهم يأملون في إعادة تشكل دماغها النامية بحيث تتفق مع قدر من الأخلاق المعرفية، بفضل تشخيصها المبكر نسبيا. يمكن لدعم أبوين مثل جين وداني أن يحدث فارقا. فالأبحاث ترجح قدرة التربية الدافئة والمتفاعلة على مساعدة الأطفال في التخلص من بعض قسوتهم مع تقدمهم في السن.

 


على
الجانب الآخر، أخبرهم طبيب نيويورك النفسي، أن الظهور المبكر جدا للأعراض بهذه الصورة الحادة، يدل على عمق هذه السمات وتأصلها؛ مما يعني أنهم لا يملكون الكثير لفعله. تحاول أسرة سامانثا أن لا تراجع التفكير في قرارها أبدا. لكن سامانثا نفسها تساءلت إن كانوا يشعرون بالندم على ذلك. قالت "لماذا وقع اختياركما علي من البداية؟" تخبرني جين "الجواب الحقيقي هو: لم نكن نعرف عمق التحديات التي نواجهها. لم نكن نملك أي فكرة. لا نعرف أي اختلاف قد يطرأ على القصة إن كنا ندرك ذلك من البداية. لكن ما نقوله لها هو "لقد كنت جزءا منا".

 

تخطط جين وداني لإحضار سامانثا إلى المنزل هذا الصيف، وهو احتمال تدرسه الأسرة بشيء من الخوف. سيتخذون الاحتياطات، مثل أجهزة الإنذار على باب غرفة نوم سامانثا. الأطفال الأكبر سنا أضخم وأقوى من سامانثا، لكن على الأسرة مراقبة الطفلين البالغ عمرهما 5 سنوات و7 سنوات. ومع ذلك، تعتقد الأسرة أن ابنتها مستعدة، أو بشكل أكثر دقة، أنها قد تقدمت بأقصى درجة ممكنة خلال إقامتها في سان ماركوس. إنهم يريدون إعادتها إلى منزلها، كي تحظى بفرصة أخرى.

 

حتى إذا كانت سامانثا قادرة على استكمال حياتها الأسرية في سن الحادية عشرة، فماذا عن المستقبل؟ تسأل جين "هل أريد لهذه الطفلة امتلاك رخصة قيادة؟ للذهاب إلى موعد غرامي؟ إنها ذكية بما فيه الكفاية للدراسة في الكلية، لكن هل ستستطيع التفاعل مع هذا المجتمع المعقد دون أن تشكل تهديدا؟ هل يمكنها الحفاظ على علاقة عاطفية مستقرة، ناهيك عن الغرام والزواج؟ لقد اضطرت جين وداني إلى وضع سقف جديد لتطلعاتهما: إن النجاح في حالة سامانثا هو بقاؤها بعيدة عن السجن.

 

لكنهما -رغم ذلك- يحبونها. تقول جين "إنها جزء منا، ونحن نريد تربية أطفالنا معا". قضت سامانثا معظم السنوات الخمس الماضية في العلاج داخل المؤسسات الإيوائية، وهو ما يعادل نصف حياتها تقريبا. ولا يسعهم تركها هكذا إلى الأبد. إنها تحتاج إلى تعلم كيفية التعامل مع العالم، عاجلا وليس آجلا. تقول جين "أشعر بوجود أمل. إن الطبيعة المزمنة لهذا الأمر هي أصعب ما فيه. إنه تحدٍّ تربوي شديد الخطورة، إذا فشلنا فيه، فسيكون فشلا فادحا".
   
_______________________________
   

المقال مترجم عن: الرابط التالي

آخر الأخبار