هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
نوبل للكيمياء 2018.. نظرية "التطور تعالج البشر!"

نوبل للكيمياء 2018.. نظرية "التطور تعالج البشر!"

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

في أثناء رحلته لوصف بلاد الهند، والتي استمرت قرابة الأربعين سنة، لاحظ العبقري موسوعي النزعة أبو الريحان محمد البَيْرُوني أن الفلّاحين هناك يقومون بعملية غاية في الذكاء لتعديل مستوى إنتاج المحاصيل الخاصة بهم، وهي أنهم في كل جيل من الإنتاج، ليكن الذرة مثلًا، يضعون الحبوب الأفضل والأكبر حجمًا جانبًا ولا يبيعونها، ثم في دورة الزراعة التالية يقومون باستخدام تلك الحبوب كبذور للمحصول القادم، ثم من جديد يقومون بانتقاء أفضل إنتاج في هذا المحصول ويقومون بتخزينه للدورة القادمة، وهكذا في كل دورة.

 

بالتالي سيتحسن المحصول في كل دورة، لكن هذا سيحدث ببطء شديد، في كتابه عن الهند يقول(1) أبو الريحان البيروني أن "الزارع يختار حبوبه، ويسمح لها بالنمو إلى المستوى الذي يريد ثم يختار الأفضل، في حين يقتلع البقية. بينما يترك المشجّر الأغصان التي يراها ممتازة، في حين يقطع كل الأغصان الباقية. كما يقتل النحل النحلات التي تأكل فقط ولا تعمل في الخلية"، يعتبر البعض أن ما قاله البيروني كان سابقًا بأكثر من ثلاثة أرباع قرن عمّا تحدث عنه تشارلز داروين في كتابه الأكثر شهرة "أصل الأنواع" حينما أشار في الفصول الأولى إلى ما يسمّى "بالانتخاب الاصطناعي(2)" Artificial Selection))، وهو عملية مارسها البشر ببراعة على مدى آلاف السنين.

    

القطط والكلاب وداروين!

هل تريد أن تحصل على إنتاج أكبر حجمًا من محصول الكرُنب؟ الأمر ليس بتلك الصعوبة، فقط ركز اهتمامك على أكبر إنتاج المحصول حجمًا، بعد ذلك قُم "بانتخابه"، أي ضعه جانبًا وازرعه في المرة القادمة، سوف يكون الناتج متنوعًا، لكن خذ أكبر نبتة فيه، وازرعها من جديد. لن يحدث ذلك بشكل مباشر في كل مرة بالطبع، لكن كن متنبهًا إن حدث وظهرت لديك نبتة أكبر حجمًا، وازرعها في الدورة القادمة، في الحقيقة ربما لا يعرف الكثيرون أن الذرة والكرنب مثلًا ليستا نباتات طبيعية بالمعنى المفهوم، لم يكن هذا شكلها، لكن البشر منذ قديم الزمن قاموا بعملية الانتقاء الاصطناعي من أجل تطويرها للصورة التي نعرفها اليوم.

  

طوّر البشر محصول الذرة الخاص بهم عبر التاريخ بانتقاء الأنسب (الأكثر إنتاجًا)  (مواقع التواصل)

   

حتّى الكلاب لم تكن كذلك أبدًا، بل عمد مربّوها طوال التاريخ البشري لعمليات انتخاٍب اصطناعي، فقاموا بانتقاء الألطف في بعض الأحيان، والأشرس في الأحيان الأخرى، والأكبر حجمًا في أحيان ثالثة، وهكذا تنوعت الكلاب وتفرعت، بيدي البشر، بين البولدج والراعي الألماني والشيواوا والهاسكي واليوركشاير.. إلخ، إلى الآن فإن تجار الكلاب والقطط والأحصنة والحمام على علم بتلك الطريقة العتيقة، واستخدمتها مزارع الأبقار لإنتاج أبقار لأجل اللبن وأخرى لأجل اللحم. الفكرة بسيطة على تعقدها: اختر الأفضل في الجيل الحالي واجعله مركز انطلاق الجيل القادم، ثم أعد الكَرَّة مجددًا.

   

لكن في تلك النقطة ربما قد تبدأ بالتساؤل عن العلاقة بين الانتخاب الاصطناعي وجائزة نوبل للكيمياء للعام الحالي 2018، والتي أعلنت(3) بالأمس، وحصل عليها كلٌ من "فرانسيس أرنولد" (Frances H Arnold) من معهد كاليفورنيا للتيكنولوجيا، نصف الجائزة، و"جورج سميث" (George P Smith)، من جامعة ميزوري، ربع الجائزة، و"جورجي وينتر" (Gregory P Winter)، من معهد إم آر سي بكامبريدج، ربع الجائزة، حصولهم على جائزة نوبل في الكيمياء للعام 2018 عن استخدامهم للمبادئ الأساسية للتطور في تطوير إنزيمات وأدوية معتمدة على مواد مضادة جديدة تخدم الصناعة والطب.

 

العمل بنفس طريقة الحياة!

هنا نحتاج أن نبدأ مما يعنيه الإنزيم(4)، محل انتباه حائزة نوبل الأولى "فرانسيس أرنولد"، وهو –ببساطة- بروتين يتواجد في الكائنات الحية وظيفته أن يعمل كعامل حفّاز، أي أنه يدخل للتفاعلات الحيوية، فيساعدها لتكون أسرع وأفضل بملايين المرات، ثم يتركها ويخرج كما دخل، يشبه لأمر أن تكون هناك مشكلة بين شخصين، قد تصل تلك المشكلة لحد خلال -قُل- خمسة أيام أو سبعة، لكن شخصًا ثالثًا قد يتدخل لينهيها في دقائق معدودة، الإنزيم كذلك، في حالة الهضم مثلًا تتدخل الإنزيمات لتكسير جزيئات الطعام إلى صورها الأساسية، وتخرج كما هي.

 

لفهم ما نقصده في نوبل للكيمياء 2018 يمكن أن نتأمل ما قالته جوان ستاب، من معهد ماساتشوستس العالي للتكنولوجيا، وهي عالمة أخرى متخصصة في العمل على الإنزيمات، حينما سألها أحد الصحفيين في مرة عن سبب ولعها بالإنزيمات فردت قائلة أنها لم تكن بالأساس تنوي أن تذهب ناحية البيولوجيا، "لكن كيمياء الحياة كانت باهرة بشكل لم يمكن تصديقه" تقول ستاب مستكملة حوارها "في الستينات، حينما ذهبت إلى الجامعة، لم أكن أعرف بالأساس ما هو الإنزيم، ثم حدث أن حضرت محاضرة لفان ستاملين في ستانفورد، قال فيها أنه يمكن طيّ هيكل مكون من 30 ذرة كربون في شكل 4 حلقات أنيقة ومتناسقة وفي خطوة واحدة فقط، وبإنتاج 100% بدون هدر"، كان ذلك بسبب أحد الإنزيمات التي تدخلت لإحداث هذا التفاعل.

   

  

كل كيميائي بالطبع يعرف مدى صعوبة أن تفعل ذلك بشكل اصطناعي، دائمًا هناك مشكلات تتعلق بآلية العمل وعدد الخطوات والعوامل المساعدة وكم الهدر الكبير، لكن الإنزيمات تختلف عنّا نحن البشر، لقد وُجدنا على هذا الكوكب فقط قبل 300 ألف سنة، لم نستطع بعد تطوير كيمياء تشبه كيمياء الإنزيمات، تلك التي تطورت عبر مليارات السنين منذ بدء الحياة على الأرض، لذلك كانت دائمًا أكثر براعة منّا، هنا يأتي السؤال المهم: لماذا إذن لا نستغل هبة الحياة تلك في خدمة أغراضنا الخاصة؟

 

في تلك النقطة تدخل فرانسيس أرنولد، الحاصلة على نصف الجائزة، في الثمانينات من القرن الفائت حينما قالت، وهنا نقتبس من بيان هيئة جائزة نوبل الرسمي، أنه(5) "كان من الواضح أن طريقة جديدة بالكامل لصنع المواد الكيميائية التي نحتاجها في حياتنا اليومية ستخرج من قدرتنا على إعادة كتابة كود الحياة"، وتعني فرانسيس أنه فقط لو تمكّنا من استغلال ذلك الكميائي الأكثر مهارة من كل البشر، منتج الطبيعة الذي ندعوه بالـ "إنزيم"، لخدمة مشاريعنا الخاصة، فإننا سنتمكن من القفز في الزمن مليارات السنين ربما للمستقبل، لكن السؤال الذي حيّر العلماء كان دائمًا بالصيغة "كيّف؟".

  

الانزيمات هي هياكل غاية في التعقيد، تتكون من 20 نوعا مختلفًا من اللبنات، تسمى الأحماض الأمينية. يمكن أن يتكون إنزيم واحد من عدة آلاف من الأحماض الأمينية المرتبطة في سلسلة طويلة معقدة ثلاثية الأبعاد، من أين نبدأ في هذا الإنزيم وعند أي حمض أميني يمكن أن نضع لمساتنا لتغييره كي يساعدنا في مهامنا الخاصة؟ هنا تعطي أرنولد إجابتها الأكثر ذكاء وبراعة بأن تقول(6): "بنفس الطريقة التي تمكنت الحياة تطويره من خلالها"، نحن أيضًا يمكن أن نوجّه الإنزيم ليتطور من أجل صالحنا نحن.

  

مقدمة قصيرة في البيولوجيا الجزيئية

جميل جدا، الآن نحن نقف وجها لوجه أمام الاكتشاف الذي حصل على نوبل كيمياء 2018، لكن قبل البدء دعنا نعود قليلا إلى المرحلة الثانوية لأجل أن نتعلم بشكل مبسط للغاية عن بعض البيولوجيا الجزيئية التي سوف تؤثر كثيرا في فهمنا لما هو قادم بهذا التقرير، حيث -مثلا- ما الجين؟ نحن نعرف أن الحمض النووي (DNA) الخاص بكل كائن حي يحتوي على كل صفاته الظاهرة، طول الجسم، شكل الأذن، لون العينين، شكل الأنف، لون الشعر، وظائف الخلايا وتشكلها وإنزيماتها.. إلخ، كل شيء. والحمض النووي هو مركب كيميائي ضخم للغاية يتخذ شكل شريط مزدوج، لكنه يتكون بالأساس من تتابع لأربع وحدات، نسميهم بالحروف الإنجليزية "C" و"T" و"G" و"A".

  

   

تتكرر هذه الوحدات على طول الشريط الطويل للحمض النووي حوالي 3 مليارات مرّة، وتعبر كل مجموعة منها عن صفة ما، بمعنى أن التتابع "UUCCGCATACGAA" يعبّر مثلا عن صفة ما، ولتكن لون العين، أما التتابع "UUUCATGGACTAU" فرغم أنه يحتوي على نفس العدد من الوحدات إلا أنه يعبّر عن صفة أخرى لأنه تتابع مختلف. هذا التتابع من الوحدات الكيميائية الذي يعبّر عن صفة ما هو ما نسميه "الجين"، وقد تستلزم الصفة -أية صفة كطول الأصابع مثلا- جينا واحدا في الكائنات البسيطة، أو أكثر من جين في الكائنات المعقدة كالإنسان.

 

يشبه الأمر أن تكتب برنامجا ما بلغة الحاسوب، فقد يكون هذا البرنامج عبارة عن لعبة سيارات تجري في شوارع كاليفورنيا أو بغداد، أو قد يكون تطبيق هاتف ذكي يشير إلى النجوم في السماء، لكن كل البرامج بالأساس هي مجموعة حروف مكتوبة بطريقة ما ومسجلة في ذاكرة الجهاز، ما يحدث هنا هو أن هذا التتابع من الوحدات -الجين- يتواجد فقط في نواة كل خلية من خلايا الكائنات الحية، لكنه لا يستطيع الخروج منها، هنا يقوم بنسخ نفسه على مركب آخر ندعوه الـ "RNA" الذي بدوره يخرج من النواة ثم يقوم بترجمة كل جين إلى البروتين الخاص به خارج النواة، البروتين الذي بدوره يكوّن صفة ما من صفاتنا، أية صفة وكل صفة، العينين، واليدين، والإنزيمات كذلك.

  

    

طفرات أرنولد

حسنا، انتهى درس البيولوجيا الجزيئية، عملت أرنولد على إنزيم يدعى السبتليسين(7) subtilisin، كانت محاولاتها الأولى هي لتغيير الوسط الذي يعمل فيه، فهو يعمل فقط في الماء، أما المذيبات العضوية، كالفورماميد ثلاثي الميثان (DMF)، فلم يكن ضمن نطاقات عمله الطبيعية، هنا حصلت أرنولدز على فرصتها، في البداية استخرجت الجين المسؤول عن تركيب هذا الإنزيم، ثم قامت بإحداث طفرات عشوائية في تركيبه، لكن.. ما هي "الطفرات" (Mutations) على أية حال؟

  

    

الطفّرة هي ببساطة تشوّه في تركيب تتابع حروف الحمض النووي التي تحدثنا عنها منذ قليل، قد تحدث بشكل عشوائي طبيعي أثناء أي من عمليات نسخ الحمض النووي، أو يمكن إحداثها عن طريق المطفّرات(8) Mutagens، وهي عوامل كيميائية (تنزع أو تضيف ذرات وعناصر في الحمض النووي) أو فيزيائية (كالأشعة فوق البنفسجية والإشعاع النووي) تزيد معدلات حدوث الطفرات بشكل يفوق الحد الطبيعي، هذه الطفرات يمكن إحداثها والتحكم في كمّيتها عن طريق التحكّم في المطفرات نفسها.

  

طريقة أخرى قام بها ويليم ستريمر سنة 1994 لإحداث نفس الدرجة الواسعة من التنوع(9)، وكانت بعمل تبادلات بين تلك الجينات، لكي نفهم تلك النقطة دعنا نسأل: لماذا لا نتشابه معًا نحن البشر؟ حتّى التوائم لا يشبهون بعضهم البعض كليًا، يحدث ذلك بشكل رئيس بسبب عملية دمج الحمض النووي الخاص بالأب والأم، والتي تسمح بكم واسع جدًا من الاحتمالات. نعرف أن الحمض النووي هو مركب كبير جدًا كما تحدثنا منذ قليل، وأثناء التقاء البويضات مع الحيوانات المنوية لتكوين الأجنة فإن هناك عملية تبادل تحدث بين جينات الأب والأم، هذا التبادل لا يحدث بنفس الصورة كل مرة، ما ينتج بشريًا مختلفًا في كل مرة، تلك التنويعات في البشر هي ما كرره كل من ستريمر وأرنولد لاستخراج محصول إنزيمات متنوع، محصول إنزيمات؟

    

  

الفكرة إذن أننا سوف نتسبب بإحداث طفرات في كم مهول من جينات هذا الإنزيم، أو سوف نسمح بعملية دمج recombination بين تلك الجينات فتتبادل كلٌ منها الأجزاء مع الجينات الأخرى، ثم نقوم بوضع تلك الجينات الناتجة من هذه العملية في خلايا بكتيرية، هنا تتعامل الأخيرة مع هذه الجينات كأنها خاصة بها فتقوم بترجمتها إلى بروتينات (إنزيمات) فيخرج لنا كم مهول من الإنزيمات المختلفة عن بعضها البعض، بالضبط كما يخرج لنا محصول الذرة أو القمح الجديد بكم مهول من التنوعات في اللون والشكل والطول الخاص بكل حبة، أما أرنولد فستلعب دور الفلّاح الذي ينتقي الحبة الأفضل، لكنها سوف تختار الإنزيمات الأفضل للذوبان في الـ DMF، ثم تعيد الدورة من جديد، وتختار الأفضل. في التسعينات، وبعد ثلاثة محاصيل جينية فقط، استطاعت أرنولد الحصول على سبستلين يعمل في المذيب العضوي 265 مرة أفضل(10) من السبستلين الطبيعي، لقد صنعت إنزيمًا جديدًا!

 

وينتر يبتكر صيدلة جديدة

في تلك الأثناء كان جورجي وينتر يفعل نفس الشيء تقريبًا لإنتاج نوع جديد تمامًا من الأدوية، لكن حكاية وينتر تبدأ مما أنهاه جورج سميث، حيث قام الأخير باستخدام فكرة غاية في البساطة للتعرف على مكوّنات مكتبات الجينات الضخمة الموجودة في العالم، وكان لا أحد يعرف فيما تعمل تلك الجينات، هنا استخدم ما نسميه بالعاثية أو البكتيريوفاج(11) Bacteriophage، وهو ببساطة فيروس يهاجم الخلايا البكتيرية، ثم ينفث الحمض النووي الخاص به داخلها، ثم تقوم الخلية البكتيرية بترجمة ذلك الحمض النووي إلى باكتيريوفاجات جديدة، والتي بدورها تخرج لاحتلال خلايا جديدة.

  

ميدان - البكتيريوفاج (مواقع التواصل)

   

جاءت الفكرة الذكية حينما قال سميث أنه يمكن لنا الدفع بأحد تلك الجينات من المكتبات الجينية الضخمة، التي لا نعرف ما هي، بداخل الباكتيريوفاج، وهو كائن بسيط جدًا يحتوي فقط على حمض نووي وغلاف بروتيني يحيط به، هنا سوف يحتل البكتيريوفاج ضحيته الجديدة ويسمح لها بترجمة محتواه من الجينات في صورة باكتيريوفاجات جديدة، لكن هذا الجين الإضافي الذي وضعناه سيتم ترجمته هو الآخر في صورة بروتين على جسم البكتيريوفاج، هذا البروتين يمكن أن نتعرف عليه ببساطة عن طريق مستقبلات خاصة، بالتالي نعرف ما هو هذا البروتين، فنعرف أيضًا الجين الذي تسبب فيه، وبالتالي يمكن أن نتعرف على كل جين نريده.

    

في تلك النقطة يدخل وينتر(12) ليسأل نفسه: ماذا لو استخدمنا نفس الطريقة لتخليق أدوية جديدة؟ بمعنى أوضح، إن كان لدينا مرض ما كالسرطان، هل يمكن لنا تخليق جسم مضاد خاص به ثم نضع هذا الجسم المضاد في جسم المريض فيذهب ليمسك به ويعطي إنذار أحمر للجهاز المناعي الذي يشن هجوم مضاد؟ الأجسام المضادة هي ببساطة إحدى مكونات أجسامنا المناعية، كل منها يختص بمرض بعينه، ما إن تتواجد الخلايا المصابة بهذا المرض حتّى يمسك بها هذا الجسم المضاد ويطلق إنذاره، وجود أجسام مضادة لفيروس "سي" مثلًا في أحد المرضى يعني أنه، حاليًا، ليس مصابًا به.

 

لكن "تخليق" جسم مضاد بصفات محددة هو بالضبط كتخليق إنزيم بصفات محددة، أمر غاية في الصعوبة لا يمكن أن يحدث إلا عبر استخدام ماكينة الحياة، وهي الآلية الانتقائية، هنا بدأ وينتر -كما فعلت أرنولد بالضبط- في الحصول على الجين المسؤول عن جسم مضاد ما، بعد ذلك قام بإحداث طفرات عشوائية به، ثم أودعه في البكتيريوفاج، فدخل البكتيريوفاج للبكتيريا وأجبرها على ترجمة جيناته، وخرجت من تلك التجربة مليارات الأجسام المضادة التي تتنوّع فيما بينها، بعد ذلك سوف يرمي وينتر صنّارة تحتوي على عيّنة من المرض أيًا كان، بعض الأجسام المضادة سوف تُلتقط بتلك العينة، يقوم وينتر باصطيادها من جديد، ثم إحداث طفرات عشوائية بها، ثم يقوم بزرع محصول جديد ويختار أفضل النتائج حتّى يصل في النهاية بعد عدة دورات لجسيم مضاد يتفق تمامًا مع المرض، فنصنع منه الدواء.

    

  

ضد اليقين!

هل ترى ذلك، آلية عمل الطبيعة هي نفس الشيء، لكن بدلًا من انتخاب الناتج المفيد لأهدافنا الخاصة في المعمل فإن الطبيعة فقط تعمل بالتكيف. ما بين كل التنوعات الكثيرة جدًا في كل أنواع الكائنات الحية يبقى الأكثر تكيفًا مع الطبيعة، كمثال بسيط -لا يفي تلك العملية الغاية في التعقيد والتي تسمى بالانحراف الجيني(13) Genetic Drift حقها - يمكن أن نتخيّل قطيعا من القطط ذا أرجل مختلفة الطول، هذا التنوع طبيعي وموجود في كل الكائنات الحية، هنا يدخل مفترس لأرض القطيع فتمتلك القطط ذوات الأرجل الأطول فرصة أفضل للهروب، وبالتالي تمتلك احتمالات أكبر لحياة جيدة، وبالتالي لزواج آمن، وبالتالي فرصة أفضل لتمرير تلك الصفة لأطفالها.

 

تلك الأطفال ستكون متنوعة هي الأخرى بسبب حدوث الطفرات الطبيعية واتحاد الأحماض النووية من الأب والأم. حينما يحدث تغير بيئي جديد ستكون هناك حاجة لصفات أفضل للتكيف مع الوضع الجديد، وهكذا.. مع تغير جغرافيا ومناخ الأرض وكل ظروفها البيئية الأخرى تتغير أشكال الحياة عليها، تتفرّع وتتنوع. نحن ننتخب الصفات اصطناعيًا، والطبيعة –حسنًا- تنتخبها حسب ظروفها الطبيعية، لذلك سمّيت تلك الآلية بـ "الانتخاب الطبيعي".

   

  

"أظن أن كل ما فعلته هو فقط أني قلّدت طريقة الطبيعة في تصميم الأشياء" تقول أرنولد في مكالمة نوبل. ما حدث هو استخدام لآليات التطور، البسيطة في فكرتها والمعقدة للغاية في طرائق عملها، لفتح باب جديد لعالم جديد لم نكن لنتصور يومًا ما أن نراه، لقد استطاع البشر هنا التحكم في التطور واستخدام منتجاته لصالحهم. سواء سميث أو أرنولد، كلٌ منهما استخدم منتجات التطور التي أخذت 3.7 مليار لسنة لتصل إلى تلك الدقة والبراعة العظيمة بحيث كنّا سنحتاج نحن أيضًا كما مهولا من الزمن للتوصل لدقتها، ثم استكملوا تطويرها للوصول إلى ما يريدون، وكان ما يريدون عظيما حقًا، فقد خلقا كيمياء جديدة غير تلك التي نعرفها أو ندرسها في الكتب.

  

شعار جائزة نوبل لجائزة الكيمياء 2018 من الأكاديمية السويدية للعلوم كان مؤثرًا حقًا، فهو يقول: تطورنا نحن البشر ثم تحكّمنا في التطور!! (مواقع التواصل)

   

الإنزيمات التي ابتكرتها أرنولدز فتحت الباب لإنتاج وقود حيوي خادم للطبيعة على عكس الوقود الأحفوري، كذلك تم تطويرها لعمل تفاعلات كيميائية لم تكن يومًا موجودة في الطبيعة، تمتلك نفس الدقة والإنتاج بدون هدر، استخدم ذلك في كل شيء بداية من الدواء إلى مصانع المركبات الكيميائية المختلفة، أما فكرة وينتر فقد انتقلت فورًا لعلاج السرطان والأمراض المناعية وظهرت خلال السنوات الفائتة كمنتجات علاجية رسمية، فتح وينتر نافذة جديدة تمامًا للصيدلة، وهي العلاج بالأجسام المضادة، من كان ليتصور أن نصل إلى تلك النقطة؟

 

لا أحد في الحقيقة، كل تلك الأفكار العظيمة بدت سخيفة للوهلة الأولى، لكن كما قال جيمس أليسون الحاصل على نوبل للطب(14) 2018: "كانت فكرة غريبة حقًا، لكن بدا أنها تستحق"، هؤلاء الأشخاص القادرين على تحمل إمكانية الفشل لمجرد أن فكرة ما "تستحق" هم حملة مشاعل النور التي وجّهت البشرية على مدى التاريخ، بداية من لحظة اكتشافنا للنار، يعيش البشر في أسر الحاجة لليقين التام قبل أي خطوة مستقبلية، لكن فقط هذا الذي ألقى بنفسه، وجهده، على مدى سنوات طويلة جدًا، في أرض المجهول، هذا فقط هو من استحق نوبل.  

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار