انضم إلينا
اغلاق
هل يمكن للكيمياء أن تسهم في الذكاء الصناعي؟

هل يمكن للكيمياء أن تسهم في الذكاء الصناعي؟

New Scientist

مجلة علوم وتكنولوجيا
  • ض
  • ض

يتمتع علماء الكيمياء بقدرة فريدة على التحكم والتعامل مع المادة. تخيل أي ترتيب للذرات ترغب في الحصول عليه، وسيكون لدى عالم الكيمياء فرصة جيدة في تجميعها معًا. على مدى عقود طويلة، ساعدت التجارب المعملية التي قاموا بها في تحضير جميع أنواع المركبات الجديدة التي لم تكن معروفة من قبل، بدءًا من الأصباغ المُبهرة والعقاقير المُعجزة، وصولًا إلى المواد العجيبة. لكن هذه الأشياء لا تأتي بسهولة، وذلك لأسباب ليس أقلها أن علماء الكيمياء يجب أن يفعلوا كل ذلك بشكل عكسي.

 

تبدأ الطريقة التي اختيرت وأثبتت نجاحها، المتبعة عند تحضير جزيء معقد من المكان الذي تريد أن تنتهي إليه. يمكنك رسم شبكة من الذرات المتصلة التي تُمثل التركيب الكيميائي للجزيء المراد تحضيره، ثم بعد ذلك تقوم بتقسيمها إلى أجزاء أصغر، والعمل بطريقة عكسية لوضع سلسلة من التفاعلات، التي إذا نفذت بترتيب عكسي، ستحصل في النهاية على الجزيء المراد تحضيره.

 

مكنت تلك الفكرة البسيطة والقديمة والضرورية، مبتكرها من الفوز بجائزة نوبل. تتسم العديد من أفضل العقاقير التي صُنعت في القرن الماضي، ببنية كيميائية معقدة للغاية لدرجة أنه لم يكن من الممكن تصنيعها دون اتباع قواعد الهندسة العكسية المنطقية. يتشابه علم الكيمياء ولعبة الشطرنج بدرجة كبيرة للغاية. إذ أن كلاهما يعتمدان على التخطيط للتحركات.

   

   

بيد أنه مع وجود آلاف من الطرق الممكنة لتحضير المركبات متوسطة التعقيد، فمن الصعب على البشر تحديد أفضل الطرق الممكنة للقيام بذلك. هذا هو السبب الذي دفع القليل من علماء الكيمياء إلى الاعتقاد بأن الطريق الأسرع لتحضير جزيئاتٍ، أروع من أي شيء يُمكن أن نتخيله على الإطلاق، يكمن في استبعاد العامل البشري من المعادلة.

 

تُمثل الجزيئات العضوية أو الجزيئات التي تحتوي على الكربون، البنية الأساسية لمعظم المركبات الحيوية. بدءًا من الهرمونات، والفيتامينات، وصولًا إلى السموم، حاول العلماء المتخصصون في الكيمياء العضوية، منذ أمد طويلة التكهن بالبنية الكيميائية للجزيئات، وإيجاد طرق تمكنهم من تحضيرها في المعمل على حد سواء.

  

حاول علماء الكيمياء في منتصف القرن العشرين، بشكل عام تصنيع مركبات جديدة، عن طريق البدء بمركبات ذات بنية كيميائية مشابهة لتلك التي يرغبون في تحضيرها. أسفرت تلك الطريقة إلى تحضير مركبات مفيدة بدرجة كبيرة، بدءًا من اكتشاف طريقة كيميائية لتحضير البنسلين - أقدم مضاد حيوي على مرّ التاريخ، وإلى الآن يعتبر البنسلين هو المضاد الأهم بين المضادات الحيويّة، وصولًا إلى تحضير هرمون البروجستيرون الذي استخدم لتصنيع أول عقار لمنع الحمل. بيد أنه لا يزال هناك مدى واسع ومتنوع من المركبات التي يحتمل أن تكون مفيدة، والتي لم يكن أحد يعرف على الإطلاق كيفية تصنيعها في المختبر.

 

في ستينيات القرن الماضي، قرر عالم الكيمياء، إلياس جيمس خوري، الأمريكي من أصل لبناني، والحائز على جائزة نوبل في الكيمياء، أثناء عمله في جامعة هارفارد، أن يجعل عملية التخطيط اللازمة لتحضير المركبات الكيميائية أكثر منطقية. فقد أدرك أن أفضل طريقة للقيام بذلك هي العمل بشكل عكسي، مما أدى إلى ظهور ما يسمى بتقنية التحليل البنائي العكسي.

   

عالم الكيمياء إلياس جيمس خوري (مواقع التواصل)

   

تبدأ هذه الطريقة برسم الجزيء المراد تحضيره على قطعة فارغة من الورق. ثم فحص الروابط الكيميائية التي تربط بين ذرات هذا الجزيء، يختار الكيميائي إحدى هذه الروابط، ويقوم بكسرها. تتطلب المهارة في اختيار الرابطة المناسبة، سنوات من  التدريب. ينبغي أن تكون قادرًا على إعادة تلك الرابطة التي قمت بكسرها نظريًا على الورق، عند القيام بتحضير الجزيء في المختبر، أثناء الخطوة النهائية في عملية التحضير.

 

بعد كسر الرابطة الأولى، تقوم بفعل ذلك مرة أخرى مع بقية الروابط. خطوة بخطوة، يُمكنك تكسير الجزيئات الكبيرة إلى جزيئات أبسط بطريقة عكسية، والتخلص من التعقيد تدريجيًا حتى تصل إلى بنية بسيطة للغاية يمكنك بدء عملية التحضير منها. بعض الجزيئات التي تتسم ببنية كيميائية معقدة للغاية، قد تتطلب 30 خطوة لكي يُمكن تبسيطها حتى تصل لهذه النقطة.

 

تقنية التحليل البنائي العكسي

يقول مايكل شيربورن، وهو كيميائي متخصص في تحضير المركبات العضوية، من الجامعة الوطنية الأسترالية في كانبيرا،  "ليس الهدف من هذه العملية، تكسير الروابط حتى تحصل على  جزيء أولي محدد، ولكن من أجل الحصول على جزيئات ذات بنية كيميائية أكثر بساطةً، إذا فعلت ذلك ولم يكن لديك فكرة مسبقة عما تريد الوصول إليه، عندها سينتهي بك الأمر إلى مواد أولية ربما لم تضعها في الحسبان". يشبه الأمر التخطيط لتسلق جبل لم يسبق أن تسلقه أحد من قبل. إذ تبدأ من القمة، ثم تخطط بصورة عكسية الطريق الذي سيقودك إلى سفح الجبل، والذي من خلاله يحظى المتسلق بأفضل فرصة للنجاح.

  

ابتكار طريقة لتحضير جزيء ما قد تُمثل قدرًا من الصعوبة. إذ أنك ما دمت لم تقم بتحضيره معمليًا، يعتبر هذا الجزيء غير موجود على الإطلاق. تأتي لحظة تجلي الحقيقة عندما تبدأ في عملية التحضير، وتقوم بفتح العبوات التي تحوي المواد الكيميائية الأولية. ينبغي الأخذ في الاعتبار أنه ليس كل مسار مخطط له نظريًا على الورق، سيحقق نجاحًا من المرة الأولى، لأننا بصدد محاولة إجراء عملية تحضير لم يتطرق لها أحد من قبل. ومع ذلك، أصبحت تقنية التحليل التشييدي العكسي، طريقة معتادة عندما يتعلق الأمر بالتخطيط لتحضير أصعب المركبات الكيميائية.

   

   

يقول ماثيو تود، رئيس قسم اكتشاف الأدوية في كلية لندن الجامعية،  يفضل القليل من الكيميائيين الرجوع وقراءة البحث الذي قدمه خوري حول هذه التقنية، ولكن إذا فعلت ذلك، فستجد مفاجأة، وأردف قائلًا، "اعتقدت أن خوري يؤسس للقواعد التي يُمكن فقط للإنسان اتباعها، ولكن من البداية بدا واضحًا أن هدفه من تطوير تقنية التحليل التشييدي العكسي هو الكيفية التي يُمكن من خلالها برمجة جهاز الحاسوب لكي يتمكن من القيام بتلك العملية".

 

لدرجة أن خوري وفريقه طوروا برنامجًا يسمى "قواعد المنطق والاستدلال المطبقة على التحليل التركيبي" والمعروف اختصارًا باسم LHASA . لكنها لم تكن أداة مفيدة حقًا، نظرًا لأن سرعة وذاكرة أجهزة الحاسوب في حقبة السبعينيات كانت محدودة، مما شكل عقبة أمام الاستفادة من هذا البرنامج.

 

شهدت أجهزة الحاسوب تطورًا هائلًا منذ ذلك الحين. بالنسبة لتود، جاءت اللحظة الحاسمة عام 1997، عندما خسر بطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف أمام حاسوب ديب بلو - وهو حاسوب فائق متخصص في لعبة الشطرنج، من أنتاج شركة أي بي أم IBM. يقول تود، "كثيرًا ما نتحدث عن التشابه بين لعبة الشطرنج والتركيب الكيميائي للمركبات العضوية. إذ أن كلاهما يتطلب التخطيط الاستراتيجي للتحركات. وحقيقة أن أجهزة الحاسوب تفوقت في واحدة منهما، جعلتني أفكر في الأخرى".

 

عندما قرر تود أخيرًا كتابة بحث حول هذا الموضوع عام 2005، كان مندهشًا من ضآلة ما تم إنجازه في هذا الموضوع، منذ العمل الذي قام به خوري على برنامج LHASA. وانتهى به الأمر بالتحدث مع مطوري، الذين قالوا له أن الأمر لا يتطلب فقط قوة حوسبة هائلة. تتسم لعبة الشطرنج بالعديد من التبديلات الممكنة التي لا يستطيع حتى جهاز حاسوب قوي أن يقوم بتحليلها جميعًا. كان العنصر الأساسي لنجاح حاسوب ديب بلو، هو البرنامج الذي قام بتشفير القواعد الاستدلالية للعبة الشطرنج، والقواعد الأساسية التي سمحت له باستبعاد التحركات السيئة بسرعة.

   

   

 لم يكن أحد مهتم في ذلك الوقت بتشفير القواعد التي تتوافق مع عملية التحضير الكيميائي، وهذا يرجع جزئيًا إلى شدة تعقيد هذه القواعد. ففي لعبة الشطرنج، يوجد عشرات التحركات المحتملة التي يُمكن القيام بها من أي موضع. بينما في الكيمياء، يمكن أن يتراوح عدد التحويلات الممكنة لخطوة واحدة من عملية التحضير، من حوالي 80 إلى عدة آلاف. بل وحتى باستخدام التقدير المعتدل الذي ينطوي على 100 اختيار لكل خطوة، تصبح عملية التحضير الكيميائي التي تتكون من 15 مرحلة، عبارة عن شجرة من الاحتمالات تحتوي على 100 مليون مليار فرع. وكما وصف أحد المطلعين على المجال الأمر لتود، كان من الأرخص دفع رسوم الاستشارات والتعاون مع أفضل الأكاديميين للقيام بالتخطيط لعملية التحضير الكيميائي يدويًا.

 

ولكن ماذا لو استطعنا برمجة الآلات لتقوم بتعليم نفسها تلك القواعد؟ هذا ما يعد به مجال التعليم الآلي المزدهر. لنفترض أننا نريد خوارزمية للعثور على الأفلام التي يستمتع بمشاهدتها فئات معينة من الأشخاص. كل ما عليك فعله ببساطة، هو إعطاء الخوارزمية قائمة طويلة من الأفلام والمعلومات حولها، بالإضافة إلى قائمة بالأشخاص الذين يفضلون تلك الأفلام. يمكن أن تتعلم الآلة بعد ذلك أن تقترح مشاهدة أفلام ذات خصائص معينة للأشخاص الذين يحبون هذه الخصائص.

 

لا تتمتع هذه الخوارزميات بالذكاء على هذا النحو، إذ أنها لا تقوم سوى بتعلم طريقة إعادة إنتاج العلاقات التي تم اكتشافها في البيانات التي تدربت على معالجتها. إلا أن التأثيرات يُمكن أن تكون هائلة. فقد تمكنت خوارزمية من ابتكار شركة الذكاء الاصطناعي DeepMind، من تعليم نفسها أن تلعب اللعبة الاستراتيجية GO، أفضل من أي إنسان.

 

تأتي أكثر محاولة واعدة في التعلم الآلي التجميعي الرجعي من قبل مارك والير بجامعة شنغهاي في الصين، ومارون سيغلر في جامعة مونستر بألمانيا. إذ طورا شبكة عصبية -نظام حاسوبي مستوحى من الدماغ- علّمت نفسها قوانين الكيمياء العضوية من خلال فرز قاعدة بيانات رئيسية من التفاعلات. ثم تنبأ البرنامج بطرق لتركيبات متوسطة التعقيد تتطلب عادةً ستة خطوات تركيبية. على الرغم من أن المركبات لم تُختبر في المعمل، فقد طلب والير وسيغلر من الكيميائيين التمييز بين المركبات الناتجة من الحاسوب وبين تلك الناتجة من الجهود البشرية في اختبار سريّ مزدوج التعمية (مجهول الهوية). لكنهم لم يستطيعوا.

    

   

يجذب الاتجاه نحو (التجميع الرجعي) الاصطناعي اللاعبين الكبار، بما في ذلك دار نشر وايلي العملاقة. إذ تحتوي على قاعدة بيانات تجارية تُدعى SciFinder يستخدمها الكيميائيون للعثور على لائحة تحضيرية للتفاعلا الفردية. كما أضافت الشركة مؤخرًا أداة حاسوبية مُساعدة تدعى ChemPlanner إلى هذه الحزمة تقترح طرقًا صناعية بالكامل.

 

ومع ذلك، لا يوجد دليل منشور عن مدى روعة قدرات أداة ChemPlanner. وبدورهم يقول والير وسيغلير إن نظامهما غير جاهز لمعالجة أهم الأهداف وأكثرها تحديًا، مثل "المنتجات الطبيعية"، وهي الجزيئات المفيدة طبيًا في الأغلب، وذات البني المُعقّدة المستخلصة عن مصادر طبيعية مثل النباتات أو الميكروبات.

 

أحد الرجال والذي أمل أنه سيتمكن من الوصول إلى نتائج أفضل، وهو بارتوز جريزوبوفسكي الأستاذ بمعهد أولسان الوطني للعلوم والتكنولوجيا (UNIST) في كوريا الجنوبية. بدأ حياته المهنية في دراسة فيزياء النظم الكيميائية، وليس تركيب الجزيئات. ولكن، بعد أن أثار اهتمامه التحدي المتمثل في التركيب العكسي (التجميع الرجعي) الاصطناعي، بدأ في استكشاف الرياضيات التي من شأنها أن تسمح للحاسوب بأن يُحدد بكفاءة إحدى تلك الأشجار العملاقة ذات ملايين الفروع. كان الناس مرتبكون بشكلٍ ما عندما بدأ نشر أوراقه العلمية في الرياضيات -منذ 2005- في المجلات العلمية المتخصصة في الكيمياء، حسبما يتذكر جريزوبوفسكي. لكنها كانت خطوة أولى أساسية.
 

من حينها، واجه جريزوبوفسكي نفس المشكلة التي قام تود بتحديدها: كان يحتاج إلى طريقة لمساعدة برنامجه على التخلص من الحركات السيئة بسرعة. بحث في تغذية البرنامج بواسطة قاعدة بيانات من التفاعلات، لكن وكما يقول كانت "نوعية الكيمياء التي يُنتجها سيئة إلى حدٍ ما". لذلك، أخذ هو وفريقه مسارًا تركه الآخرون، وقضوا سنواتًا في تعليم البرنامج 50 ألف قاعدة من القواعد التي تشرح لماذا تتغير الروابط بهذه الطريقة التي تنتهجها.
    

الأستاذ بارتوز جريزوبوفسكي (مواقع التواصل)

   

استغرق تجميع القواعد سويةً وقتًا طويلًا، ولكن بحلول عام 2012، أظهر جريزوبوفسكي أن برنامجه الوليد Chematica ناجح من حيث المبدأ. لكن توليد واختراع جزيء من البداية هو شيءٌ آخر تمامًا. "ما لم تُركّب شيئًا، فلن يكون هناك وجود له"، كما يقول جريزوبوفسكي.
 

بدأ التفاوض لبيع البرنامج لشركة MilliporeSigma المتخصصة في الإمدادات الكيميائية في عام 2017. أرادت الشركة اختبار البرنامج على الجزيئات التي يمكن أن ينتجها كيميائيوها بحجم إنتاجية ضعيف أو لا يستطيعون ذلك مطلقًا. قام الفريق بفحص 8 عمليات (تجميع رجعي) بواسطة Chematica، بما في ذلك واحدة من المنتجات الطبيعية. نجحت جميعُها واكتملت عملية البيع، مع إعادة تسمية البرنامج Synthia. إنها نتيجة تاريخية. ولكن على الرغم من الإمكانات الكامنة، لا بنتاب الجميع حماس كجريزوبوفسكي.

 

في الواقع، فقد أثبت مفهوم التجميع الرجعي الاصطناعي جاذبيته. "يعتقد البعض أن تخليق المركبات الصناعية أساسًا عبارة عن فن، وأن الخيال البشري والفكر والإبداع والمعرفة لا يمكن أبدًا أن يُهزموا من قبل جهاز حاسوب"، حسبما يقول شيربورن. لكنهم قالوا نفس الكلام من قبل عن لعبة الشطرنج. قد تكون الكيمياء أكثر تعقيدًا حتى تتمكن الخوارزميات من إتقانها، ولكن يمكن أن يأتي ذلك اليوم الذي تتمكن فيه من ذلك. ويقول شيربورن إنه يتخيل ذلك اليوم الذي سيتمكن فيه من استخدام تلك البرامج في المستقبل القريب كما لو كانت احد زملائه الكيميائيين؛ للحصول على أفكار جديدة أو طلب المشورة.

 

لكن ربما لن يكون الكيميائيين فحسب هم من يطلبون النصيحة من تلك البرامج. قبل عدة سنوات، حذر جرزيباوسكي من أن برنامجه يمكن أن يسهل على الإرهابيين صناعة الكيماويات السامة. لكن في الواقع لن يساعدهم كثيرًا. فكل ما يفعله البرنامج هو مجرد خطة لتوليد مركب صناعي. لا يزال الأمر يحتاج إلى كيميائي مُدرب بدرجة عالية مع معدات متخصصة لتحقيق ذلك.

   

   

وربما تكون مخاوف استحواذ الذكاء الاصطناعي على وظائف الكيميائيين مبالغٌ فيها أيضًا. من المرجح أن يصبح تخليق مركبات صناعية مثل لعبة شطرنج متقدمة حين يشارك كبار اللاعبين المُسلحين بأجهزة الكمبيوتر المحمولة، كما يقول تود. يتحقق الكمبيوتر فحسب من الأخطاء الفادحة، والتي من المهم تجنبها في تخليق المركبات الصناعية تمامًا مثلما هو الأمر في لعبة الشطرنج. مضيفًا "تريد التأكد من عدم نسيانك لأي شيء". أثبت برنامج Synthia  براعة خاصة في اكتشاف وملاحظة التفاعلات التي يتم فيها دمج ثلاثة جزيئات بسيطة أو أكثر دفعةً واحدة.

 
حتى لو رأى البعض أن عمل جريزوبوفسكي بمثابة نزع اللمسة الفنية من الكيمياء، فيمكنه على الأقل أن يشعر بالارتياح لأن عمله ينجز عملية التجميع الرجعي ويعيدها إلى الرؤية الكبرى لماري كوري لدفع الكيمياء إلى الأمام؛ من خلال القيام به بطريقة عكسية مع الكمبيوتر.

 

التخليق الاصطناعي الكامل للمركبات

يستخرج الكيميائيون جميع أنواع الجزيئات المفيدة، وكثيرٌ منها عقاقير فعالة. وعلى مر السنين تغلبنا على المزيد والمزيد من الصعوبات في هذا المجال.

   

1964، لونجيفولين Longifolene

ابتكر الكيميائي إلياس كوري من جامعة هارفارد تجربة التركيب العكسي، وهي طريقة للتخطيط المنطقي لكيفية تجميع المواد الكيميائية. أحد أول الجزيئات التي جربها كانت لونجيفولين Longifolene، وهو أحد مكونات راتنج الصنوبر، وأحد الجزيئات العطرية الموجودة في شاي ابسنغ سوتشونغ، والذي يُدخن فوق نار الصنوبر المحترق. لا يُعتبر تخليق هذا المركب صبعًا هذه الأيام، لكن في ذلك الوقت لم يكن قد قام أحد بتصنيعها من قبل.

 

1977، لي-دوبا L-Dopa

ابتداءًا من خمسينات  القرن الماضي كان يتم وصف الثاليدوميد thalidomide كعلاج للغثيان الصباحي. كان لهذا المركب نظيرين متقابلين، مثل اليد اليمنى واليسرى. لم يكن الأطباء يعرفون في ذلك الوقت أن أحد هذين الشكلين يتسبب في حدوث عيوب خلقية. قاد ذلك الكيميائيين لإيجاد طرق أخرى لصنع أشكال المركب بشكلٍ منفصل. ويليام نولز هو أول من أوجد طريقة لإنتاج كمية كبيرة من أحد هذين النظيرين. وكان الناتج هو مشتق الأحماض الأمينية لي دوبا -والذي يستخدم حاليًا لعلاج مرض باركنسون. ومنذ ذلك الحين، أصبحت هذه الأساليب أساسية في تصنيع الأدوية.
    

   

1989، الپالیتوکسین Palytoxin 

تُنتج الشعاب المرجانية الپالیتوکسین، وهو ثاني أكثر المواد غير البروتينية التي نعرفها سُمّية. لدرجة أن 3 ميكرو جرامات يُعتقد أنها كافية لقتل إنسان. كان إنتاجها مرغوبًا لأن حجمها وتعقيدها الهائل جعلها بمثابة تسلق جبل إيفرست في مجال المركبات الكيميائية المُصنّعة. وبينما كان لدى الثاليدوميد نظيرين فقط، لدى الپالیتوکسین 1021 نظير، واحد منها فقط هو الهيكل الصحيح. بُني الپالیتوکسین من ثمانية أجزاء من قبل فريق بقيادة يوشيتو كيشي في جامعة هارفارد قبل أن يتم توصيلها ببعضها البعض.
 

1994، تاكسول Taxol

صُنّع هذا الدواء المستخدم في العلاج الكيماوي لأول مرة عن طريق فريقين مختلفين من الباحثين بشكل مستقل، بقيادة كيرياكوس نيكولا وروبرت هالتون، بفاصل شهر واحد عن بعضهما البعض. قبل ذلك كان هذا العقار -الذي يُسمى أيضًا باكليتاكسيل- يُستخلص من نبتة أشجار الطقسوس النادرة في المحيط الهادئ، مما جعله نادرًا ومكلفًا. هناك قصص من تسعينيات القرن العشرين عن أقرباء مرضى السرطان الذين توجهوا إلى الغابات بحثًا عن الأشجار. وساعدت المركبات الكيميائية المُصنّعة على تخفيف الضغط على هذا النوع الأشجار.
 

2017 ، ريزينيفيراتوكسين Resiniferatoxin
 
الريزينيفيراتوكسين هو جزيء سام آخر. عند تناوله بجرعات منخفضة يرتبط ببروتين موجود في الأعصاب ويُسبب ألمًا مزمنًا. كان تركيبه أمرًا صعبًا، لأنه يحتوي على عدة حلقات من الذرات المندمجة سويًا. هذه الحلقات يصعب بناءها وحساسة كيماويًا، لدرجة يمكن معها أن تنقسم بسهولة.
 

أُعدَّ المركب من خلال 44 خطوة في عام 1997، لكن الاهتمام المتجدد بالدواء دفع ماسايوكي إينو الاستاذ بجامعة طوكيو إلى ابتكار طريقة مختصرة. ولا يزال أمامنا طريق طويل حتى نتمكن من تصنيع هذا الدواء بأسعار معقولة.

---------------------------------------------

ترجمة (فريق الترجمة)

هذا التقرير مترجم عن: New Scientist ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


آخر الأخبار