انضم إلينا
اغلاق
امتلاكك للذكاء لا يعني نجاحك.. بل ربما العكس!

امتلاكك للذكاء لا يعني نجاحك.. بل ربما العكس!

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

كل ما يتمناه المرء هو أن يتمكّن -بأكبر قدر من اليُسر- من الحصول على فرص مستقبلية أفضل في حياته، وأن يطمئن لذلك ولو قليلا، في تلك النقطة تدخل اختبارات الذكاء إلى حياتنا، فنقوم بخوض العشرات منها على مدى سنوات عدة، على أمل أن نحصل على درجة كبيرة فنعتبر ذلك دليلا على أننا نصلح أن نكون علماء أو مفكرين أو فقط أطباء ومهندسين ناجحين في حياتهم مستقبلا، هل فعلت ذلك يوما ما؟ هل قضيت ليلتك في تصور أن ذكاءك -تلك القدرة جينية الجذور التي ورثتها عن أبيك أو أمك- هي فقط ما يحكم مستقبلك؟

 

حسنا، حينما تُطرح مسألة الذكاء على طاولة النقاش، فإن الكثيرين يعتبرون أن الأمر محسوم، كلما كنت أكثر ذكاء، ونتحدث هنا عن تلك القيمة المعيارية التي تحصل عليها من خلال خوض أحد اختبارات الذكاء المعتمدة، كان تحصيلك الدراسي أسهل، وكنت أكثر قدرة على أداء الكثير من الوظائف بكفاءة أكبر، لكن المشكلة تبدأ -ولا تنتهي- حينما نتصوّر أن الذكاء، أو المهارات الإدراكية في العموم، هي القاضي الذي يمكن له أن يحكم على مستقبلنا مع التعليم، أو العلاقات، أو العمل.

 

ليس بالذكاء وحده

في تلك النقطة يمكن أن نبدأ بتأمل تلك الدراسة التي قام بها فريق من جامعة إيلينوي1 لفحص الدور الذي تلعبه القدرات غير الإدراكية -ونقصد هنا مجموعة من العادات التي يمكن لشخص ما أن يواظب عليها- في مستقبل الطلبة، وكان الفريق قد فحص نتائج اختبار قامت به المعاهد الأميركية للبحوث في العام 1960 حينما فحصت القدرات الإدراكية لمجموعة مكونة من 370 ألف طالب أميركي في المرحلة الثانوية، بجانب ذلك فحصت أيضا مجموعة قدرات أخرى تضمّنت المواظبة على أداء الواجبات المدرسية، والالتزام بالحضور والمتابعة للحصص الدراسية، والسلوك المسؤول تجاه تلك المهام في العموم.

   

   

خلال أعوام متتالية من تلك الاختبارات الأولية خضعت تلك العيّنة لاختبارات إضافية من أجل المتابعة، لكن بعد 50 سنة، في العام 2018، حاول الفريق البحثي من جامعة إيلينوي التواصل مع تلك العينة مرة أخرى، استجاب منها 1952 شخصا، ثم فحص فريق البحث مستوياتهم المادية والاجتماعية والمهنية خلال تلك الفترة، كيف تطورت؟ وما الذي وصلوا إليه في جوانب حياتهم المختلفة؟ بعد ذلك قام الفريق بربط إحصائي بين نتائج الدراستين، والتي جاءت لتقول إن هناك علاقة واضحة.

 

هؤلاء الذين أظهروا سلوكا مسؤولا في مراحل المراهقة، وكانوا أكثر التزاما في حياتهم الدراسية، كانوا كذلك أعلى أجرا مستقبلا، وامتلكوا مستويات مهنية عالية مقارنة برفاقهم، كانت تلك النتائج واضحة حتّى حينما قام فريق العمل بتنحية عوامل أخرى مثل الذكاء، وباقي القدرات الإدراكية، والخلفية الاجتماعية والاقتصادية، ما يعني أن هناك علاقة واضحة بين تلك النتائج والسلوك الملتزم من قِبل هؤلاء خلال حياتهم، في تلك النقطة ربما قد تسأل: ماذا لو كانت تلك "المسؤولية" كشعور هي أحد جوانب الذكاء؟

 

وهو سؤال مهم، لكن طرحه يعني أنك لا تفهم بعد ما يقصده الباحثون في هذا المجال، فهناك نوعان من القدرات، الأولى نتوراثها مع جيناتنا جيلا بعد جيل ولا يمكن تعلّمها، أما القدرات غير الإدراكية فهي شيء من الممكن تعلّمه، نظام حياة يمكن بسهولة أن تطبقه، لا يتطلب الأمر قدرات معالجة منطقية إبداعية لكي نمارسها، بالتالي -كانت موروثة أو غير موروثة، مع توضيح أنها ليست كذلك- فالمشكلة لا تتعلق بالأساس سوى بربط ما يمكن أن نتعلمه من خبرات مع نجاحنا في الحياة، تتضمن تلك النوعية من الخبرات2 نطاقات كثيرة، التفكير النقدي على سبيل المثال، ومهارات حل المشكلات، وتنظيم الوقت، والتواصل، والعمل على الصحة النفسية، والمهارات الاجتماعية عموما، وأخلاقيات العمل، والمسؤولية تجاه المجتمع، إلخ.

 

هل يمكن للقراءة أن تصنع مستقبلا ناجحا؟

في تلك النقطة يمكن أن نتأمل مجموعة من الدراسات المتعلقة بمهارة أخرى يمكن اكتسابها، وهي القراءة، فمثلا كانت دراسة صادرة مؤخرا3 في مجلة العلوم الاجتماعية من عدة جامعات أسترالية وأميركية قد أوضحت عبر فحص على الإنترنت لعيّنة قوامها 160 ألف شخص أن هؤلاء الذين ترعرعوا في منزل يحوي مكتبة كانوا أصحاب قيمة أكبر في القدرات اللغوية والحسابية والتكنولوجية.

   

   

ليس ذلك فقط، بل تبيّن أن هناك تناسبا طرديا بين عدد الكتب في المكتبة المنزلية، والذي كان في المتوسط 115 كتابا، ونسب تلك القدرات، وكان هؤلاء الذين احتوت منازلهم، أثناء المراهقة، على مكتبات، ولم يستكملوا تعليمهم حتّى مراحل جامعية، يمتلكون قدرات مشابهة لهؤلاء الذين تلقوا تعليما جامعيا لكن لم يخوضوا تجربة المكتبة المنزلية، ما يشير إلى أن غمس الطفل من صغره في بيئة داعمة للقراءة يدفعه لتطوير مهارات تدعم نجاحه في الحياة مستقبلا بصورة تشبه حصوله على تعليم جامعي.

 

في الحقيقة فإن القراءة للأطفال، وفي سن صغيرة جدا، نتحدث هنا عن 4 إلى 6 أشهر فما فوق، قد أثبتت -حسب دراسة4 من جامعة نيويورك- ارتباطا مع قدرات قراءة أفضل لهؤلاء الأطفال بعد 4 سنوات، تلك القدرات التي نعرف أن لها -عبر دراسات التوائم5- دورا أساسيا في نجاح الطفل مستقبلا، حيث إن هؤلاء الذين طوّروا قدرات قراءة عالية في سن صغيرة حصلوا على درجات ذكاء أكبر في المستقبل، حتّى في حالات التوائم، القراءة إذن -وببساطة- قد تدعم القدرات الإدراكية للأطفال مستقبلا، بجانب دعمها للمهارات غير الإدراكية.

 

الفضول كطعام للفقراء!

من جهة أخرى فإنه قد وُجد للفضول، على سبيل المثال، وهو أمر يمكن تنميته في الأطفال، دور واضح في حصولهم على مستقبل أكاديمي وعملي أكثر صلابة، لكن الأمر لا يتوقف عند تلك المحطّة، فنحن نعرف أن الأطفال الذين تربّوا في بيئات نامية، نقصد ضعيفة اقتصاديا واجتماعيا، لا يتلقون القدر الكافي من المصادر للتعلّم مقارنة برفاقهم أصحاب المستويات الأعلى، هنا تظهر دراسة6 من جامعة ميتشجن، تمت على مدى 17 سنة بعيّنة قدرها 6200 طفل، لتقول إن الفضول أكثر تأثيرا في أصحاب المستوى الاقتصادي والاجتماعي الأقل، بمعنى أن الفضول قادر على مساواة الكفّتين معا، بحيث يتغلب الطفل -عبر فضوله فقط- على فارق الطبقات الاجتماعية.

 

تتأكد نتائج تلك الدراسة بأخرى7 صدرت قبل نحو العام من معهد "إم آي تي"، قامت بإخضاع مجموعة من الأطفال (في الأعمار 6-9 سنوات) لبرنامج قراءة مكثّف (4 ساعات يوميا/ 5 أيام بالأسبوع/ مدة 6 أسابيع) وقياس التغيرات الحاصلة في أدمغتهم قبل وبعد هذا البرنامج، لتقول النتائج إن مناطق في القشرة المخية أصبحت أكثر سماكة بعد البرنامج التدريبي، لكن الملاحظة الأكثر أهمية كانت أن هؤلاء القادمين من خلفية فقيرة كانوا أكثر استجابة للبرنامج وتأثرا بنتائجه من رفاقهم القادمين من طبقة ذات مستوى اقتصادي واجتماعي أعلى، علما بأن المجموعة الأخيرة جاءت للبرنامج بقدرات عالية من الأساس.

   

   

تفتح الدراستان الأخيرتان الباب للدور المهم الذي يفترض أن تلعبه المهارات غير الإدراكية في تنمية المجتمعات، خاصة الفقيرة8 منها، يمكن لنا في تلك النقطة تأمل تجارب إندونيسية ومكسيكية رائدة كانت قد لفتت انتباه البنك الدولي لتكرارها، حيث عكف مسؤولو التعليم هناك على دعم المهارات غير الإدراكية، ونتحدث هنا عن حث الأطفال للشعور بالحماسة، والشغف، ومهارات الالتزام بالعمل، والعمل الجماعي، وجاءت النتائج لتوضح أن تلك المهارات أعطت تأثيرا واضحا في الإنتاجية، وكان التأثير أكثر وضوحا في الحالات ذات المستويات الاقتصادية والاجتماعية الأقل.

 

إذا كنّا لا نمتلك الذكاء فيمكن أن نمتلك الخبرة

في تلك النقطة سوف نكون بحاجة إلى توضيح أن هذه النتائج، وغيرها في هذا الوسط البحثي الذي يُجمع9 -عبر عدة عقود من الدراسة- على وجود تلك العلاقة بين المهارات غير الإدراكية والنجاح المستقبلي، توضح وجود "علاقة" لكنها لا تُعبّر بالضرورة عن "علاقة سببية"، بمعنى أن تلك العلاقة بين السلوك المكتسب والنجاح موجودة، وترجح أن الأولى تؤدي للثانية، لكننا لا نمتلك بعد أدلة كافية تدعم الجانب السببي، أضف إلى ذلك أن هناك مشكلتين تواجهان هذا البرنامج البحثي من الأساس.

 

تتعلق الأولى بمدى قوة الدراسات التي تتحدث في هذا المجال، على سبيل المثال كانت دراسة استقصائية أخيرة10 من جامعتي أديلايد وبريستول قد فحصت نتائج مجموعة من 550 دراسة سابقة بهذا، وأشارت إلى أنه على الرغم من العديد من الدلائل القوية التي تقول إنه ليس بالذكاء وحده يتحقق النجاح، وإن القدرات غير الإدراكية لها دور قوي في تحديد مستقبلنا، فإن 40% من مجموع العيّنة التي فحصتها تلك الدراسة التحليلية هي فقط ما يمتلك أدلة كافية لتأكيد نتائجها، ما يتطلب المزيد من البحث للتأكد من تلك النتائج، وضبط تلك المنظومة البحثية التي يمكن أن تُسهم بقوة في العمل السياسي العالمي مستقبلا، خاصة في الدول النامية.

 

أما المشكلة الثانية فتتعلق بجانب تجاري، حينما نقول إن هناك بعض المهارات التي يمكن أن تساعد الشخص في النجاح مستقبلا، فإن ذلك يفتح بدوره الباب لمساقات وكتب ودورات التنمية البشرية لاقتباس نتائج تلك الدراسات وتحويلها إلى صناعة تساوي ملايين الدولارات، والمشكلة التي نواجهها هنا هي -ببساطة- طبيعة عالم التنمية البشرية نفسه، والذي يضخم نتائج ترجيحية إحصائية ويحولها لبرنامج تدريبي وعلاجي يتم تقديمه للناس على أنه علمي، بينما ذلك غير صحيح بالمرة، إن تم تقديمه في تلك الصورة.

    

     

في النهاية، فإن الذكاء مهم لا شك، ويؤثر بشكل قوي على مآلات الناس، ويمهّد الكثير من الطرق لمستقبل أفضل، لكن على الرغم من ذلك فإن تلك المهارات غير الإدراكية مسؤولة بالقدر نفسه من القوة عن تطوير مستقبل أكثر نجاحا لنا أو لأطفالنا، في الحقيقة فإن الذكاء وحده دون شعور بالمسؤولية، على سبيل المثال، لا يفي الغرض، وكم من أذكياء -بحد التعبير المصري الشهير- يجلسون الآن على المقاهي، بينما يدرس من هم أقل منهم ذكاء في هارفارد.

 

الخلاصة إذن هي: إذا كنّا لا نمتلك الذكاء فيمكن أن نمتلك الخبرة، يمكن أن نتعلّم الكثير من تلك المهارات، ونعلّمها أطفالنا، فنمتلك أداة تساعدنا على الوصول لأعلى المراتب الممكنة مستقبلا، لهذا السبب كفّ الآن عن تتبع اختبارات الذكاء واللهث وراء قيمتها، أفسح وقتك للتعلم، للقراءة، للمزيد من الخبرات، فقط عبر بذل الكثير من الجهد في سبيل أداء تلك المهام يمكن أن تحقق إنجازا تتمناه، ذلك لا شك أفضل من الجلوس جانبا وممارسة فعل الكسل، ذلك الذي غالبا ما يتنكّر في صورة جملة تقول: "أنا لست ذكيا".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار