انضم إلينا
اغلاق
عندما يصل العلم إلى طريق مسدود.. تعلم كيف تطرح أسئلة مختلفة

عندما يصل العلم إلى طريق مسدود.. تعلم كيف تطرح أسئلة مختلفة

  • ض
  • ض

"ستكون الأسماك آخر ما يكتشف الماء"

(حكمة حديثة)

   

تحدث إلى طلاب المدارس الثانوية الذين يستعدون لامتحانات العلوم، ربما ستسمع شيئين: أنهم خائفون من الفيزياء، ومرتاحون نسبيا مع علم الأحياء. ولغرابة الأمر، فإن هذا مخالف لرأي معظم الباحثين؛ حيث تتمثل ثقافة العصر العلمي في أن الفيزياء سهلة، تنبع بساطتها من القدرة على خلق نظريات بلورية تنبؤية قوية لكل شيء، بدءا من وجود جسيمات دون ذرية إلى كيفية انحناء الضوء حول النجوم. أما علم الأحياء من ناحية أخرى هو أكثر صعوبة في استخلاص النظريات والمعادلات الرياضية. ولهذا السبب، جادل بعض المفكرين البارزين بأن فهم الخلايا والغابات أصعب من الثقوب السوداء البعيدة والصعبة.

لكن ربما لا يوجد شيء اسمه علم سهل وآخر صعب؛ ربما لا توجد سوى أسئلة سهلة وأخرى صعبة. يبدو علم الأحياء صعبا جدا لأنه تم تحديده من خلال مجموعة من الأسئلة الصعبة. يبدو الفيزياء سهلا فقط لأن قرونا من الجهد الذي بذله المفكرون المتعمقون قد أنتج مجموعة من الأسئلة القابلة للإجابة.

من المفارقة أن ما يجعل علم الأحياء غاية في الصعوبة هو قربنا منه. سل نفسك: ما "الأسهل" فهمه من بين إعجاب رومانسي أو زميل عمل؟ لقد قادتنا العلاقة الحميمة مع علم الأحياء -وكذلك مع علم النفس والعلوم الاجتماعية- إلى استجواب هذه الظواهر بمعرفة عميقة في متناول اليد. نطرح أسئلة مفصلة للغاية، ثم نشعر بالدهشة من الإجابات التي تبدو غامضة أو متناقضة.


في نزهة عبر الغابة، قد نلاحظ الأشكال غير المعتادة على أوراق شجرة القيقب، قد يقودنا هذا إلى التساؤل عن سبب وجود الأوراق على شكل فصين أو أكثر؟ ولماذا تتحول إلى اللون الأحمر في الخريف؟ وما الحشرات التي تعيش في أوراق الشجر المتساقطة، وكيف تتحلل وتغذي التربة؟ هذه الأسئلة معقدة بشكل خادع، على الرغم من الطبيعة التي نتساءل بها. وعلى النقيض من ذلك، فإن الفراغ الشاسع للفضاء، والصغر غير القابل للرؤية في الكواركات [1] هما غريبان جدا بالنسبة إلينا لدرجة أننا نفخر على الأقل في بداية الاكتشاف بأن نقول أبسط الأشياء عن هذه الكيانات، حتى وإن كان لإظهار أنها موجودة لا أكثر.

لقد أدّت العلاقة الحميمة أحيانا إلى تباطؤ فهمنا في الفيزياء أيضا، إن مسألة الكيفية التي تتحرك بها الكواكب هي أحد أقدم الهواجس الإنسانية، ومرّت خلال العديد من الأساطير المختلفة. ومع ذلك، ولأننا مخلوقات ذات استيعاب ذاتي، فإن النظرية القديمة لأطياف الفضاء وضعت خطأ الأرض في مركز الكون، وهو خطأ استمر زهاء ألفي عام. عندما جُرِّد السؤال إلى مسائل القوة والكتلة والجاذبية في الفيزياء النيوتونية، حتى أصبح تنبؤ وفهم حركة الكواكب أسهل بكثير. لا يزال هناك الكثير من الأسئلة الصعبة على علماء الفيزياء حل لغزها.

إذا علّقت الفيزياء سمعتها على التنبؤ بالانفجار الشمسي [2] القادم الذي يمكن أن يتداخل مع الاتصالات على كوكب الأرض، فسيتم النظر إليها على أنها نظام أكثر تعقيدا وصعوبة. لماذا؟ لأن نمذجة العديد من الآليات التي تنتج ديناميكيات سطح الشمس -جميع عمليات الجاذبية والكهرومغناطيسية والحرارية والنووية- أمر صعب للغاية. أما بالنسبة للحركة الكوكبية، فيمكننا الحصول على صورة جيدة بشكل كافٍ لمسار الكوكب بمجرد أن كثافة شمسنا تسمح لنا بتجاهل تأثير الأجرام السماوية الأخرى. ولكن إذا أردنا حقا أن نلتزم بهذه التفاصيل، فسنجد أنه ليس في وسعنا التنبؤ بدقة حركة ثلاثة أجسام بالكتلة نفسها. كذلك مع نظرية الفوضى، عرفنا أنه لا يمكننا إجراء سوى تخمينات تقريبية حول الموقع المحدد لبندولين مقترنين معا بالحركة [3]، ومع ذلك، لا يمكننا تحديد موقع أي بندول بكل تأكيد.



ربما تكون الأسئلة التي تساءلناها في علم الأحياء صعبة للغاية: كيف ننقذ حياة إنسان؟ لماذا هذا اللون الأزرق أغمق قليلا من الآخر؟ ولكن لمجرد أننا نطالب بالمزيد من علم الأحياء لا يعني أنه لا يمكننا طرح أسئلة أسهل قليلا. في الواقع، يمكن أن يساعدنا الاستناد إلى الفيزياء "السهلة" في معرفة كيفية الإجابة عن هذه الأسئلة. إن الفيزيائيين جيدون بشكل خاص في البحث عن ظواهر واسعة الانتشار وواسعة النطاق والتي تنطبق على أنظمة متعددة ومن المحتمل أن تكون نتيجة آليات بسيطة ومشتركة.

خذ فكرة قياس التنامي [4]، ينبع هذا المفهوم من الملاحظات المبكرة على أن معدل الأيض في الثدييات يعتمد بشكل متوقع وغير خطي على حجم الجسم من خلال القانون الأسّي. والقانون الأسّي هو عبارة عن علاقة رياضية تخبرنا عن مدى تغير إحدى المزايا مع زيادة حجم النظام حسب اختلاف الحجم (أي بمضاعفات عدد معين، عادة 10). لذا عندما تزيد كتلة جسم المخلوق بمقدار 1000 ضِعف، تتنبأ مبادئ القياس البيولوجي بدقة بأن معدل الأيض الخاص به سيزداد بمقدار 100 ضِعف.

ولكن كيف يمكن للرياضيات نفسها أن تنطبق على شيء بسيط مثل قوة شد الجاذبية بين جسمين وعملية الانتواع [5] الفوضوية المنتشرة في مختلف الموائل؟ تشير قوانين الطاقة في الفيزياء إلى آليات وتناظرات مشتركة تعمل عبر جميع المقاييس. أما في علم الأحياء، تُظهر أبحاثنا -أبحاث كاتبي المقال كريس كيمبس وفان سفاج بالإضافة إلى أبحاث جيفري بي ويست وجيمس براون وبراين جي إنكويست- أن الآلية الأساسية في العمل هي بنية وتدفق الشبكات الوعائية. اتضح أن الأوعية الدموية تميل إلى امتداد الجسم بشكل فعال وتوصيل الموارد إلى جميع خلايا المخلوق مع تقليل الضغط على القلب. أعطت هذه النظرة الفاحصة البسيطة مجموعة متزايدة من النظريات الناجحة التي تستخدم فكرة التركيب البيولوجي الأمثل للتنبؤ بالظواهر مثل توزيع الأشجار في الغابة، وكم من الوقت نحتاج إلى النوم، ومعدل نمو الورم، أكبر وأصغر حجم من البكتيريا، وأطول شجرة ممكنة في أي بيئة.

ومع ذلك، يمكن لعلم الأحياء أيضا أن يثير أسئلة فريدة؛ على سبيل المثال، كما أظهر زميلانا ديفيد كركار وجيسيكا فلاك في "معهد سانتا في"، فإن قدرات معالجة المعلومات وصنع القرار الخاصة بالعناصر (مثل الرئيسيات والخلايا العصبية والقوالب الوعائية) تؤدي إلى أنواع فريدة من ردود الفعل والتكيف والعلاقة السببية التي تختلف عن النظم الفيزيائية البحتة. يبقى أن نرى ما إذا كان يمكن تفسير التعقيدات الإضافية للأنظمة البيولوجية من خلال التوسع في وجهات النظر المستوحاة من الفيزياء مثل نظرية المعلومات. قد تتقدم دراسة علم الأحياء والنظم المعقدة بشكل عام يوما ما إلى أسئلة صعبة بطرق مستعصية أو ستؤدي إعادة صياغة رائعة للأسئلة إلى القضاء على التحديات الحالية. قد يُظهر ذلك نهجا إلى إجابات أسهل، كما فعل تشارلز داروين بإعادة صياغة الأسئلة حول أصول وتنوع الحياة من حيث الانتقاء الطبيعي والتنوع.

 


كما يظهر في الشكل أعلاه: تعقيد النظم المقاسة على محورين: 1) التفاصيل والدقة المطلوبة للتوصيف العلمي. 2) عدد الآليات التي يتم دمجها في ظاهرة معينة. تطرح أصعب العلوم أسئلة مفصلة حول الأنظمة التي تتكوّن من العديد من الآليات.

في مقالته "المزيد مختلف" (More Is Different) الصادرة عام 1972، سلّط الفيزيائي فيليب أندرسون الضوء على مخاطر محاولة خفض كل شيء إلى المستوى المجهري. ركّز بدلا من ذلك على القفزات في التعقيد التي تحدث على مستويات مختلفة من الظواهر الطبيعية مثل الانتقال من ميكانيكا الكم إلى الكيمياء. ومع ذلك، غالبا ما يتغاضى القراء عن حجته القائلة بأن النظريات الفعالة يجب أن ترتكز على اللبنات التي تشرح الآليات الأساسية لنظام ما حتى لو كانت وحدات البناء هذه عبارة عن كيانات كبيرة الحجم أو متوسطة الحجم نسبيا.


بناء على هذا المنظور الأخير، فإن حجتنا هي أننا لا نعرف ما إذا كانت الثقوب السوداء أبسط من الغابات. لا يمكننا أن نعرف حتى تكون لدينا نظرية عامة فعالة تشرح وجود الغابات أو حتى نتمكّن من مراقبة أكثر ديناميكيات انهيار الثقب الأسود وتبخره. لا يمكن تأكيد التعقيد النسبي دون تحديد دقيق لنوع الأسئلة التي نطرحها على كل نظام. من المحتمل أن تكون هناك أنواع معينة من الاستفسارات التي ستصل بمعرفتنا إلى حد بعيد، ولكن في كثير من الأحيان يكون ذلك عن الأسئلة التي نطرحها أكثر حول الأنظمة نفسها.

لذا يمكن أن تكون الفيزياء صعبة، وعلم الأحياء يمكن أن يكون سهلا، تستند الصعوبة أكثر إلى الأسئلة التي يتم طرحها بدلاً من المجال (العلم) الذي يتم طرحه بها. في إطار علم النظم المعقدة، غالبا ما يتم إحراز تقدم كبير في التفاعل بين هذين المنظورين. أحد سبل المُضي قُدما هو حل الأسئلة السهلة أولا، ثم استخدام إجاباتنا لمحاولة العثور على مبادئ مفيدة عندما يتعلق الأمر بأسئلة ونظريات أكثر تفصيلا. من الممكن من خلال البدء في طرح الأسئلة السهلة أن نتمكن ببطء من "تكوين" الأسئلة الصعبة. أو في الاتجاه المعاكس، فإن رصد التشابه الغريب للظواهر عبر التخصصات قد يحثنا على البحث عن آليات ومبادئ جديدة تماما. سيتطلب هذا في بعض الأحيان منظورا أقل تفصيلا وأكثر تجريدية، وهو ما يناقشه زميلنا جون ميلر نقلا عن عالم الفيزياء الحائز على جائزة نوبل موراي جيل-مان في كتابه "نظرة أولية على الكل" الصادر عام 2016. هذه النظرات الأولية/الخام -التي تفرضها الفيزياء والتي تحجبها العلاقة الحميمة مع علم الأحياء- يجب أن تسفر عن الكثير من التبصرات العميقة والتبسيط في العلوم في السنوات القادمة.

________________________________________

هوامش

[1] الكوارك: هو جسيم أولي وأحد المكونين الأساسيين للمادة في نظرية النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات (المكون الآخر حسب هذه النظرية هو الليبتونات) لها كتلة ولكن أبعادها صفرية، تتم مشاهدتها عند حدوث تصادم شديد بين البروتون والإلكترون.

[2] الانفجار الشمسي: أو التوهج الشمسي، وهو انفجار كبير يحدث في الغلاف الجوي للشمس ويمكن أن يصدر طاقة هائلة تقدر بنحو 6 × 1025 جول من الطاقة، أي نحو سُدس الإنتاج الكلي للطاقة من الشمس كل ثانية. كما يستخدم المصطلح للإشارة إلى ظواهر مماثلة في النجوم الأخرى، لكنه يستخدم مصطلح انفجار نجمي أو توهج نجمي.

[3] بندول: ويسمى رقّاص أو نوّاس، وهو جسم مرتبط بنقطة محورية ثابتة بخيط/حبل بحيث يستطيع أن يتحرك بحرية في مستوى واحد، من اليمين إلى اليسار، ومن أشهر أشكاله بندول الساعة.

[4] قياس التنامي: هو دراسة العلاقة بين حجم وشكل الجسم والتشريح والفيزيولوجيا وأخيرا السلوك.

[5] الانتواع: (Speciation) هو عملية تطورية تظهر بواسطتها أنواع جديدة من المخلوقات الحية.
 _________________________________________

هذا التقرير مترجم عن  Aeon ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

 ترجمة: آلاء أبو رميلة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار